د. محمد عبدالله
أصبح السؤال عن احتمال تكرار “السيناريو السوري” في السودان حاضرًا بقوة في النقاشات السياسية والإعلامية، مع استمرار الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 وما خلّفته من تشظٍّ عسكري وإنساني واسع. غير أن هذه المقارنة، رغم وجاهتها في بعض الجوانب، تظل معقدة ولا تقبل الاستنساخ المباشر، إذ تتداخل فيها أوجه شبه واضحة مع اختلافات بنيوية عميقة.
تتمثل نقطة الالتقاء الأولى في تعدد الفاعلين المسلحين وتراجع مركزية الدولة. ففي السودان اليوم، لم يعد الجيش هو الفاعل الوحيد على الأرض، بل تتقاسم المشهد قوى متعددة، في مقدمتها قوات الدعم السريع، إلى جانب حركات مسلحة وتشكيلات محلية ذات ولاءات متباينة. هذا الواقع يذكّر، جزئيًا، بالمشهد السوري الذي تفتت فيه احتكار العنف بين النظام وفصائل معارضة وقوى كردية وتنظيمات متعددة.
أما العنصر الثاني فيتمثل في اتساع نطاق التدخلات الإقليمية. ففي الحالتين، لا يمكن فهم مسار الحرب بمعزل عن البيئة المحيطة. في سوريا بلغ التدخل الخارجي حدّ الانخراط العسكري المباشر لقوى دولية وإقليمية كبرى، ما جعل البلاد ساحة صراع مفتوحة. أما في السودان، فالتدخلات حتى الآن أقل مباشرة، لكنها حاضرة عبر الدعم السياسي واللوجستي وتداخل المصالح الإقليمية. وتشير تقارير متعددة إلى تنوع مسارات الإمداد العسكري والدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، في ظل مخاوف متزايدة لدى دول الجوار، خصوصًا مصر وتشاد وإثيوبيا، من تداعيات الحرب على الأمن الإقليمي وتدفق اللاجئين وانتشار السلاح.
العنصر الثالث هو تآكل الدولة المركزية. ففي سوريا، انهارت بنية الدولة بسرعة بعد اندلاع الاحتجاجات رغم قوتها المركزية السابقة. أما في السودان، فإن الدولة دخلت الحرب وهي تعاني أصلًا من هشاشة مؤسسية وتعدد مراكز القوة، ما جعل مسار الانهيار أكثر تدرجًا وتشظيًا بدل أن يكون انهيارًا مفاجئًا.
ورغم هذه التقاطعات، فإن الفوارق بين الحالتين لا تقل أهمية. أبرزها يتعلق بطبيعة الانقسام الاجتماعي؛ إذ اتخذ الصراع في سوريا طابعًا طائفيًا ومذهبيًا حادًا عمّق الاستقطاب الهوياتي، بينما في السودان تبدو خطوط الانقسام أقرب إلى الجغرافيا السياسية والتوازنات القبلية وشبكات النفوذ العسكري والاقتصادي، ما يجعلها أقل صلابة من حيث البنية الهوياتية وأكثر قابلية لإعادة التشكل والتحالفات المتغيرة.
كما أن مستوى التدخل الخارجي المباشر في السودان لا يزال أقل بكثير مما شهدته سوريا، حيث لم تتحول الحرب بعد إلى ساحة مواجهة عسكرية مباشرة بين قوى دولية على الأرض. وهذا الفارق يظل حاسمًا في الحد من إمكانية إسقاط نموذج سوري كامل على الحالة السودانية.
وبدلًا من الحديث عن “نسخة سورية” في السودان، يبدو الأدق النظر إلى ثلاثة مسارات محتملة لتطور الحرب:
أولها استمرار حرب طويلة منخفضة أو متوسطة الشدة، تتسم بتعدد الجبهات وترسخ مناطق النفوذ، مع إنهاك متزايد للبنية الاقتصادية والإنسانية، دون حسم عسكري واضح لأي طرف، بما يعزز حالة “التوازن المرهق” بين القوى المتحاربة.
ثانيها تسوية سياسية جزئية أو مؤقتة، تقوم على وقف إطلاق نار أو تفاهمات محدودة، قد تؤدي إلى تقاسم غير رسمي للنفوذ بين القوى المسيطرة، مع بقاء مؤسسات الدولة ضعيفة وهشة. ورغم الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية لإحياء هذا المسار، فإن تعقيدات الواقع الميداني تجعل فرصه محدودة حتى الآن.
أما السيناريو الثالث فهو تفكك وظيفي للدولة دون إعلان تقسيم رسمي، حيث تتعدد مراكز السلطة وتتنازع الشرعيات، وتعمل مؤسسات متوازية في ظل غياب مركز حاكم فعّال، وهو ما يثير مخاوف من انزلاق البلاد إلى حالة أقرب إلى الدول الفاشلة الممتدة أكثر من كونه نموذج تقسيم تقليدي.
في المحصلة، لا يبدو السودان متجهًا حتميًا إلى تكرار التجربة السورية، لكن المؤشرات الراهنة تكشف عن تقاطعات مقلقة مع مسارات الحروب الأهلية الطويلة: تعدد الفاعلين، تآكل الدولة، واتساع دور الخارج. غير أن الفارق الجوهري يبقى أن كل حرب، مهما تشابهت أدواتها، تنتج مسارها الخاص.
وفي الحالة السودانية، يبقى الخطر الأكبر ليس في تكرار نموذج بعينه، بل في انزلاق الحرب إلى حالة طويلة الأمد تُعيد تشكيل الدولة والمجتمع ببطء، وتترك خلفها بنية سياسية هشة، وذاكرة وطنية مثقلة بالعنف والانقسام، ودولة لا تزال تبحث عن تعريف جديد لذاتها.
muhammedbabiker@aol.co.uk
