هيلاري كلينتون : خيارات صعبة .. بقلم: د. محمد صغيرون الشيخ


بسم الله الرحمن الرحيم
 seghairoon2000@yahoo.com

      * [1] د. محمد صغيرون الشيخ.
        أصدرت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري رودهام كلينتوت مذكراتها في كتاب صدر تحت عنوان : خيارات صعبة. (Hard Choices)   فهيلاري كلينتون التي كانت سيدة أمريكا الأولى وزوجة الرئيس الأسبق للولايات المتحدة والسناتورة التي مثلت نيويورك في الكونغرس كتبت مذكراتها عن فترة توليها حقيبة وزارة الخارجية الأمريكية خلال الولاية الأولى للرئيس باراك أوباما. فبعد أن خسرت معركتها أمام أوباما في الانتخابات التمهيدية داخل الحزب للتحضير للانتخابات الرئاسية عام 2008م، قررت دعم مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية نسبة لإحترامها للعبة الديمقراطية وإيمانها بالقيم والحلم الأمريكي. مهدية مذكراتها “إلى الدبلوماسيين وخبراء التنمية الأميركيين، الذين يمثلون بلادنا وقيمنا خير تمثيل في الأماكن الكبيرة والصغيرة، الهادئة والمحفوفة بالمخاطر في كل أنحاء العالم”. كما أهدته لذكرى والديها.
        تشير هيلاري كلينتون إلى أن كل منا يواجه خيارات صعبة في حياته، بعضها يفوق قدراته. فعلينا أن نقرر طريقة تحقيق التوازن بيت متطلبات العمل والأسرة، رعاية طفل مريض أو أحد الوالدين الكهلين، الارتباط بزواج أو البقاء متزوجا. عند اتخاذ هذه القرارات، تنصت هيلاري كلينتوت إلى لغة القلب والعقل معاً. فقد تبعت قلبها إلى ولاية أركنساس لتتزوج وتكون أسرتها الصغيرة، وحثها عقلها على التقدم في دراستها وخياراتها المهنية. ووجهها قلبها وعقلها معا إلى الخدمة العامة. وفي مسيرتها، حاولت ألا ترتكب الخطأ نفسه مرتين، وأن تتعلم، وتتكيف، وأن تحظى بالحكمة لاتخاذ أفضل الخيارات في المستقبل.
        رأت هيلاري كلينتوت تقسيم الخيارات والتحديات التي تواجهها عند توليها حقيبة وزارة الخارجية إلي ثلاث فئات: المشكلات التي ورثناها، ومنها حربان وأزمة مالية عالمية، الجديدة منه، وهي غالبا أحداث غير متوقعة وتهديدات ناشئة، من رمال الشرق الأوسط المتحركة إلى مياه المحيط الهادئ الهائجة، فإلى منطقة الفضاء الإلكتروني المجهولة، والفرص التي يقدمها عالم الشبكات العنكبوتية التي يمكنها إرساء الإزدهار الأميركي وإخقاق قيادتها في القرن الحادي والعشرين. فبالنسبة لهيلاري كلينتون فإن وزارة الخارجية تعني لها رحلة خاصة – حرفيا – فلقد إنتهى بها الأمر بزيارة 112 بلدا وقطع ما يقارب مليون كيلومتر. فهي ترى أنها قد خدمت بلادها بطريقة أو بأخرى طوال عقود، بيد أنه خلال عملها كوزيرة خارجية فقد تعلمت أكثر نقاط قوة الولايات المتحدة الاستثنائية، وما الذي يقودها للمنافسة و الازدهار في الداخل والخارج.    
        قادت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلنتوت فريقا لكتابة مذكراتها، وقضت أكثر من عام ونصف في كتابته. فلقد كتبته للأمريكيين والناس في كل مكان الذين يحاولون فهم معنى تبدل عالمنا السريع هذا، ويريدون أن يعوا كيف يؤثر الاقتصاد في أثينا، اليونان، في الأعمال التجارية في أثينا جورجيا. كيف تترك الثورة في القاهرة، مصر، آثارها على الحياة في القاهرة، إلينوي. ما يعني لقاء دبلوماسي متوتر في سانت بطرسبرغ، روسيا، للعائلات في سانت بطرسبرغ، فلوريدا.
        ترى هيلاري كلينتوت إلى أن قوة الولايات المتحدة الخارجية: تتوقف، في النهاية، على عزيمتنا وصمودنا في الداخل، ويجب على المواطنين، والقادة، على السواء، اتخاذ الخيارات المتاحة أمامهم عن شكل الدولة التي نريد أن نعيش فيها، ونسلمها إلى الأجيال التالية. فمداخيل الطبقة الوسطى إلى تراجع منذ أكثر من عقد، ومستوى الفقر إلى إرتفاع، فيما كل أرباح النمو تقريبا أصبحت ملكا للموجودين في أعلى القمة. نحن في حاجة إلى توافر عدد أكبر من الوظائف الجيدة التي تكافئ العمل الدؤوب، على أن ترافقها زيادة في الأجور، واحترام للكرامة، فتشكل سلما نحو حياة أفضل. نحن في حاجة كذلك إلى استثمارات، من أجل بناء اقتصاد يليق بالقرن الحادي والعشرين، تتخلله فرص أكثر وعدم مساواة أقل، وإلى إنهاء الخلل السياسي في واشنطن المؤدي إلى إعاقة تطورنا والحط من ديمقراطيتنا. وهذا يعني تقوية جيراننا ومواطنينا، للمشاركة الكاملة في اقتصادنا وديمقراطيتنا، فنتمكن ، بهذه الطريقة وحسب، من استعادة الحلم الأميركي وتحقيق ازدهارنا، واستمرار قيادتنا على مستوى العالم، على المدى البعيد.
        استعراض الفصول
        تتكون مذكرات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتوت من ستة أبواب، خصصت الباب الأول منها لبدايتها الجديدة وقرارها بدعم حملة منافسها داخل الحزب باراك أوباما للرئاسة بعد أن خسرت معركتها معه داخل الحزب، وقصة إختيار الرئيس أوباما لها وزيرة للخارجية بعد توليه مقاليد الرئاسة. أما الباب الثاني قد جاء بعنوان: الحرب والسلام، طوفت فيه بين أفغانستان وباكستان وذكرت فيه كيفية قتل أمريكا لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن. كرست هيلاري كلينتوت الباب الرابع لتطورات الأوضاع في أوروبا: الروابط التي تجمع، واستراتيجة أمريكا تجاه روسيا والتي عرفت وقتها باسراتيجية ” إعادة الضبط والتقهقر”. ودعم أمريكا للديمقراطية في أمريكا اللاتينية. والخيارات التي انحازت إليها أمريكا في أفريقيا “البنادق أو النمو؟”. استعرضت كلينتون في الباب الخامس الإضطرابات التي تحدث في الشرق الأوسط  بدء من مسار عمليةالسلام المتقلقل ، والربيع العربي، وليبيا وسوريا، وإيران، وغيرها. كذلك كرست الباب السادس للمستقبل الذي نريد، خاصة في مجال تغير المناخ والطاقة، والكوارث الطبيعية. واستعرض الباب الأخير فن الحكم في القرن الحادي والعشرين، خاصة دور الدبلوماسية الرقمية في عالم الشبكة العنكبوتية، وحقوق الانسان.
         
         العرفان للعاملين بوزارة الخارجية
        وضعت هيلاري كلينتون هذا الكتاب لتكريم الدبلوماسيين وخبراء التنمية الاستثنائيين الذين تشرفت بقيادتهم، بإعتبارها وزيرة الخارجية السابعة والستين لأمريكا. أدركت هيلاري كلينتون بأن وزير الخارجية يؤدي وظائف ثلاثاً في عمل واحد: فهو كبير دبلوماسي البلاد، ومستشار الرئيس الأساسي في السياسة الخارجية، والرئيس التنفيذي لوزارة مترامية الأطراف. وكان عليها أن تلجأ لقدر لا بأس به من الدبلوماسية داخل الإدارة الأمريكية، خصوصا في مسألة وضع السياسات في البيت الأبيض ومع الكونغرس، حيث حرصت على التنسيق مع البيت الأبيض وعدم اتاحة الفرصة لبروز خلاف بين وزارة الخارجية والبيت الأبيض. إضافة للعمل داخل الوزارة نفسها، للإفادة من موظفيها الموهوبين إلى أقصى حد، ورفع الروح المعنوية، وزيادة الكفاية، وتطوير القدرات اللازمة لمواجهة التحديات الجديدة. جاهدت هيلاري كلنتون على انهاء سيطرة الجيش على السياسة الخارجية، فقد حان الوقت للموازنة بين ما أسمته الأبعاد الثلاثة: الدفاع، والدبلوماسية، والتنمية. ويبدو الخلل واضحا في الموازنة، فعلى سبيل المثال فإن عدد الأمريكيين الذين يخدمون في الفرق الموسيقية العسكرية يفوق عدد السلك الدبلوماسي بأكمله. يأتي وزراء الخاريجة ويرحلون كل بضعة أعوام، لكن معظم العاملين في وزارة الخارجية والوكالة الأميريكة للتنمية الدولية يبقون وقتا أطول بكثير. توظف هاتان الوكالتان معا حوالي سبعين ألف شخص في العالم. واجه المهنيون في وزارة الخارجية والوكالة الأميريكية للتنمية الدولية تقلص الموازنات في وقت ازدادت فيه المتطبات.
         
        السودان في مذكرات هيلاري كلينتوت
        لم تخصص هيلاري كلينتون صفحات أو حتى أسطر حول سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه السودان كشأن العديد من الدول، وإنما أوردت بعض الأسطر عرضا عندما خصصت بعض الصفحات لجمهورية جنوب السودان ضمن فصل أفريقيا: البنادق أو النمو، وكيف أنها حرصت على أن تدفع دولة جنوب السودان الناشئة للوصول إلى اتفاق مع السودان حول سريان النفط عبر خط الأنابيب الذي يشق السودان حتى ميناء بورتسودان وذلك حرصا على اقتصاديات الدولة الجديدة، بيد أنها لم تقر بفشلها في ذلك، وإنما ألقت باللوم على الخرطوم عندما اندلعت الاشتباكات في الحدود بين السودان ودولة جنوب السودان. فبالنسبة لهيلاري كلينتوت تعد دولة جنوب السودان البلد الذي تتجسد فيه الآمال في المستقبل، رغما عن ماضيها وحاضرها المرهق.
         
        القيم الأمريكية
        ترى هيلاري كلينتون أن سياسة الولايات المتحدة الخارجية هي انعكاس وتبشير بالقيم الأمريكية، تلك القيم التي تربت عليها منذ صغرها، فلقد ساعدها كاهن ديناميكي وشاب وصل حديثا لكنيستها في عام 1961م، اسمه دون جونز على أن تفهم دور الإيمان الذي أرادته في حياتها. فلقد ساعدها أكثر وعلمها على أن تعتنق ” الايمان في التصرفات” وأن تفتح عينيها على الظلم في العالم، خارج أسوار مجتمعها المنتمي إلي الطبقة الوسطى، فقد أعطاها عددا من الكتب لإطلاعها، واصطحب مجموعتها الشبابية لزيارة كنائس السود واللاتين في شيكاغو. ووجدت اختلاف كبيرا بينها وبين أولئك الشباب مما جعلها تتوسع في معرفتها بحركة الحقوق المدينة، وتحضر مواعظ القس مارتن لوثر كينغ وتحظي بمصافحته. مما جعلها تهتم بقيم الديمقراطية وحقوق الانسان ورفع الظلم عن العالم. كما أنها نشأت وترعرت على عقيدة حق اليهود في اسرائيل، فقد زارت اسرائيل للمرة الأولى في ديسبمر 1981م في رحلة كنسية إلى الأراضي المقدسة، رافقها فيها زوجها بيل، وطفلتيها ووالديها، لزيارة القدس والجليل وحيفا ومسعدة وتل أبيب وحيفا. فهي ليست الوحيدة في إيلاء إهتمام خاص بأمن إسرائيل ونجاحها في امريكا، فهنالك الكثير من الأميركيون الذين يعجبون بها وفقا لرأيها !!!
         
        دعم الديكتاتوريات
        ظلت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون تربط الأنشطة المختلفة للدبلوماسية الأمريكية حول العالم با تطلق عليه “القيم الأمريكية” والتي على رأسها تعزيز ونشر الديمقراطية، ولكنها لم تجد صعوبة في التبرير لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية الداعمة لبعض الأنظمة الديكتاتورية حول العالم. فهي تقول ” تختلف الظروف كثيرا بين بلد وآخر، ومن الحماقة اعتماد نهج واحد ذي مقاسات محددة من دون الأخذ في الحسبان الظروف الميدانية، سيكون لأمريكا دوما شركاء قاصرون عن الكمال، وسنواجه دوما ضرورة تدفعنا إلى تقديم تنازلات معيبة. هذا التوضيح غير كاف، لكنها الحقيقة. ستقوم أميركا دائما بما في وسعها للمحافظة على سلامة شعبنا وتعزيز مصالحنا الأساسية”.
         
        آخر يوم في الوزارة
        بعد دعم هيلاري كلينتوت لحملة باراك أوباما الانتخابية للرئاسة، وعقب فوزه ترددت شائعات بأن هيلاري كلينتوت ستنضم للادارة الامريكية الجديدة كوزيرة للخارجية، إلا أنها لم تكن مهتمة بذلك، وكانت ترغب في العودة لمجلس الشيوخ والعمل من أجل نيويورك. فمنذ التاسع من سبتمبر وحتى الانهيار المالي عام 2008م، عاش سكان نيويورك أصعب ثمانية أعوام. آملين في عودة هيلاري لهم، فهم يحتاجون – كما ذكرت – إلى مناصر قوي ملتزم في واشنطن، كما فضلت هيلاري أن تكون ربة عملها الخاص والمنسقة الأوحد لجدول أعمالها وأجندتها، ولكن الإنضمام إلى الإدارة الأمريكية وتولي حقيبة وزارة الخارجية يعني التخلي عن بعض الاستقلالية.
        رفضت هيلاري كلينتوت عرض الرئيس المنتخب أوباما لتولي حقيبة وزارة الخارجية الامريكية في بادئ الأمر، إلا أن إلحاح الرئيس أوباما والتأكيد على رغبته في أن يركز معظم  جهده ووقته واهتمامه للأزمة الاقتصادية في وقت يحتاج إلى شخص ذي مكانة ليمثله في الخارج، كما انه وافق على شروطها والتي من بينها أن تتاح لها مقابلته في البيت الأبيض متى ما أرادت، وأن تقوم باختيار فريق عملها.
        لم يكن يخطر ببال هيلاري كلينتون أن يسألها الرئيس أوباما بعد إنتهاء ولايته الأولى “هل تفكرين في البقاء في منصب وزير الخارجية؟” لأن إجابتها كانت “آسفة، سيدي الرئيس لا يمكنني”. فقد قبلت بهذه الوظيفة لولاية واحدة فقط. وبقدر ما أحببت أن تكون وزيرة للخارجية، فقد كانت تواقة إلى ترك الحياة العامة وتمضية وقت أكثر مع عائلتها. كما أن الديمقراطية هي سباق التتابع، وقد شارف دورها على النهاية. فقبيل مغادرتها المنصب تناولت طعام الغداء في البيت الأبيض مع الرئيس أوباما في غرفة طعامه الخاص. وناقشا مذكرة حضرتها له في 20 صفحة، تحمل توصياتها لولاية الرئيس أوباما الثانية.
        جلست هيلاي كلينتون في آخر عمل يوم لها في مكتبها بوزارة الخارجية الامريكية وكتبت رسالة لخليفتها جون كيري، تركتها على سطح المكتب، كما قامت بوداع الرجال والنساء العاملين في وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية الذين احتشدوا لوداعها. تركت المنصب وقلبها يتفطر – حسب تعبيرها – ولكنها كانت فخورة بما أنجزته خلال الأربعة السنوات في خدمة بلادها كوزيرة للخارجية الأمريكية.
        إنها لسنة حميدة أن يحرص القادة والمسئولين في الدول الكبرى على تسجيل مذكراتهم ونشرها مباشرة بعد مغادرة مواقعهم، لذلك لم يكن كتاب هيلاري كيلنتوت: خيارات صعبة استثناءا. مما يجدر ذكره أن مذكرات هيلاري كلينتوت حظيت بنسبة توزيع عالية، وتشير بعض المصادر إلى أن هذه المذكرات قد درت عليها أموالا تفوق دخلها خلال خدمتها في وزارة الخارجية، فلقد نالت هذه المذكرات إهتمام وإطلاع واسع حول العالم سواء من قبل القادة وصناع السياسة أم من قبل الجمهور، فالنسخة المترجمة إلى العربية يصعب الحصول عليها في المكتبات. اضافة لغزارة المعلومات التي تضمنها الكتاب يحتوى كذلك الكتاب على بعض الانطباعات الشخصية والخاصة للمؤلفة حول بعض الاشخاص والأماكن التي زارتها خلال رحلاتها المختلفة سوا بمفردها أو في صحبة الرئيس أوباما. ومن المؤكد أن هنالك الكثير من الاسرار التي لم تحكها هيلاري كلينتون بعد وتحتاج إلى كتب أخرى.      

        [1] دبلوماسي بوزارة الخارجية
       

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً