وأنت السابق… يا محمد صالح زيادة .. بقلم: أحمد محمد عثمان محجوب


 aljaali@free.fr

سمعت الناعي على الهاتف، فعبثت بالهاتف يدي في حركة تلقائية، ورأيت أن ’’آخر اتصال‘‘ للمرحوم على الواتساب كان في تمام الساعة 9:40 من ليلة الأربعاء (18 مايو 2016)، وقرأت آخر ما أرسلته إليه:
<<سأحاول البحث عنه في الإنترنت، المقال موجود، وربما في القبو… تاريخه قديم. أكثر من عشرين سنة>>. تبا لي… لم أفِ بوعدي، لقد تقاعست، ولم أجب غاليا رخصت الدنيا في عينيه، وزاهدا في زخرف المتهافتين، وأصيلا كريما عنده كل البشر بشر. أستغفرك اللهم، لا علم لي… حتى لا تُفتح أبواب… فالمقام يستوجب العِبر والعَبرات.
كانت هي آخر كلمات في حوار على الواتساب أرسلتها إلى المرحوم محمد صالح زيادة في تمام الساعة الثالثة وعشر دقائق من عصر 15 فبراير الماضي، وكانت ردا على طلبٍ:
<<آسف ما تميت ليك الكلام
خليني أشوف النصوص بتاعة 1903 و1906 ونتناقش بعد داك
 لكن عموما ما في تعريف للسودان في مشروع اتفاق الا بالوصف والمفردات اللغوية
وعشان كدا بنلقى لفظة كذا او عبارة كذا في المتن ومن بعد ترسم الخرائط بأدق المقاييس لتحديد الأشياء بدقة متناهية
بالله يا أحمد يا ترسل مقال دكتور فيصل يا تديني المرجع بالضبط والوصول إليه حتى تعم الفائدة ونوحد رؤيتنا في هذا الشأن. ولك التحية والسلام>>.

عمّ كنا نتحدث؟ كان شأننا السودان، وأعني تلك المرافعة القانونية التي قطع فيها الفيصل قول كل من شكك في سودانية حلايب. كنّا نتحدث عن مقال الدكتور فيصل عبد الرحمن علي طه الذي نشرته صحيفة الشرق الأوسط في النصف الأول من التسعينات، وقد خلصت النوايا في البر بأرض أنجبتنا، وكانت مهدا لنا، وأرضعتنا حبها في مدارسها، فأنشأتنا على غير شاكلة من نسي القديم، ولا جديد له.
ولنسجل ملاحظتين في قراءة ما كتبه المرحوم محمد صالح زيادة على الواتساب، وهما:
نلاحظ أولا أنه لم يعتد الكتابة على لوحة الحروف بأجهزة الهاتف الجوّال، فالنص يخلو من علامات الترقيم من فاصلة ونقطة انتهاء… ولم يلتزم كعهده بكتابة همزة القطع في كل مرة، وهو من كانت عيناه تقتنصان الخطأ اللغوي فب النص قبل أن يكمل قراءته. كان دقيقا في لغته نحوا وتعبيرا وفهما. وفي تأنيه يظنه المتلهفون بطيئا، وشـتّان بين البطء والتأني. كان متمهلا تمهل الراسخين في العلم، يسمع أكثر مما يقول، إلا حينما يندلق العلم. كان محمد صالح في الواقع من رافضي التعامل بالهاتف النقال، ولعله كان يخشى على نفسه من إضاعة الوقت في الثرثرة أو من الكلام في الطرقات، ولا أحسب أنه اقتنى مؤخرا هاتفا نقالا إلا لسهولة الاتصال عبر الواتساب بأهل في السودان ساقه حبه لهم إلى الفناء بِرّا بمن استحقته ثلاثة أضعاف والده، وفي سبيل بِرّها لم يتلق العزاء فيها، و’’النية زملة سيدها‘‘.
أما ثاني الملاحظتين فهي الجمع في لغته بين الفصحى والعامية مثله مثل صديقه المرحوم الطيب صالح، وما أوثق علاقته بطيب الذكر. لقد جعلته خصوصية العلاقة محل اختيار منظمي تأبين عبقري الرواية العربية ليتحدث عن صديقه الإنسان. وحينها أدركت أن الحصيف البليغ الرزين لا يحب الأضواء، وإلا لاستعرض ملكاته بين صائدي مناسبات الظهور في أجهزة الإعلام. كان لا يدلو بحديث في جمهرة، إلا إذا اقتضى الحال والمقام، وهو يحصي حروف كلماته خشية زلل اللسان، أسوة بمن ينطبق عليهم المثل: <<القربة الملانة ما بتجلبغ>>.
وبذكر الطيب صالح يجدر أن نقرن به رأي محمد صالح في وجوب الربط بين رواية ’’موسم الهجرة إلى الشمال‘‘ ورواية ’’ضو البيت – بندر شاه‘‘ ورواية ’’مريود‘‘. كان يرى هذه الروايات ثلاثية لا ينبغي أن نأبه بتسلسل صدورها تاريخيا، فالعلاقة بينها تستقرأ من تواتر ما لا يراه القارئ العادي في شخوصها، ناهيك عن ’’فلاشباك‘‘ يسرد قصة من حمله النيل جنوبا، وهو يهذي. ومن قراءة ثلاثية بدايتها ’’ضوء‘‘ وختامها ’’موسم‘‘نفهم شيئا من التاريخ الاجتماعي لأرض النيل في شمال السودان لحقبة ما بعد غزو محمد علي الألباني باسم الباب العالي العثماني…
وإلى جانب نصوص الطيب صالح كان الحديث معه يحلو في تاريخ السودان وأهله عندما توثقت علاقتنا في لقاءات الجمعة التي كانت شبه دورية طيلة سنوات امتدت بين العامين 2008 و2012. كنّا نلتقي قبيل نهاية دوامه في اليونسكو، فتسوقنا شجون الحديث إلى أحد مقاهي الدائرة الخامسة عشر لباريس صوب محطة ’’كامبرون‘‘… ومنها تمضي بنا راجلين إلى محطة ’’لاموت بيكيه غرونيل‘‘، وندخل مترو الأنفاق تعوّدا دون تفكير، ويتصل الحديث بينما تمضي المحطات تباعا مسرعة، ولا يقف الحديث، ولا ينتهي حتى الوداع بإشارة خلف زجاج باب تطغى جلبة انفتاحه وانغلاقه على الكلمات.
اجتمعت بالمرحوم محمد صالح لأول مرة في بداية التسعينات، وكان بين صفوة أصدقاء المرحوم صلاح أحمد إبراهيم. وترجم إلى الفرنسية المقدمة التي صاغها صلاح أحمد إبراهيم لزيّن بها المؤلف الفرنسي Jean-Pierre RIBIERE كتابا بعنوان LE SOUDAN AU FIL DES JOURS، وقد أصدرته دار EDIFRA للنشر في أواخر العام 1990.
وعرفته. ووقتها لم يكن لنا، نحن الطلاب السودانيين، من نلوذ به في بلد ’’تموت حيتانها…‘‘ ونحن نبحث عن مكان للتدريب. فقيضه الله تعالى، وقد جاء يعلّم من جلسوا بعدنا في قاعات الدراسة من طلاب المدرسة العليا للمترجمين الفوريين والتحريريين بجامعة السربون. فبمجيئه انفرجت أزمتي… ونال الفضل بعلاقاته. وحينها، كان المرحوم يعمل مترجما لحسابه الخاص، ويتنقل بين منظمات دولية أبرزها الفاو في روما واليونسكو في باريس، كما عمل قبلها في دار نشر فرنسية مرموقة أظنها ’’هاشيت‘‘ إن لم تخني ذاكرتي في تسجيل بعض روايته، ورأيته ضمن فريق جرئ أنشأ دار ’’إدفرا‘‘ للنشر التي اقتطعت لنفسها موقعا في صدر معهد العالم العربي خلال تسعينات القرن الماضي.
كل هذا، ولم أسمع من يناديه بلقب ’’الدكتور‘‘، ولا أظنه يطرب لسماع اللقب الذي يتباهى به بعض أهلي ممن يستحقون، ومن لا يستحقون. وقد قرأت في الأسافير بعد وفاته من أسبغ عليه لقب البروفيسور. كان التواضع زينة خلقه.
ثم أبعدتني سبل العيش عنه وباريس، ورأيته مرتين خلال السنتين الأخيرتين آخرها كانت في الصلاة على جثمان زميله ببعثة قطر في اليونسكو محمد فتحي رحمه الله وغفر له وأحسن قبوله. ورأيته قبلها في احتفال بإحدى قاعات اليونسكو، وقد وثقت اللقاء هذه الصورة بحضور (من اليمين إلى الشمال) أخي حافظ حسن خيري وأستاذي الدكتور يونس الأمين والأستاذ صلاح عبد الرحمن والمرحوم محمد صالح زيادة وشخصي.
 

اللهم اغفر لمحمد صالح زيادة، وارفع درجته في المهديين… اللهم أحفظ ذريته، وأطرح البركة فيهم، وأجعلهم صالحين يدعون له بخير الى يوم الدين

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً