(كلام عابر)
في كل مجتمع من المجتمعات هناك أشخاص يشيعون بطبيعتهم البسمة ويخلقون الفرح بكلماتهم الخفيفة وأقوالهم التي تتناقل بين الناس فتصبح جزءا من ذاكرة المجتمع وإرثه من الفرح، ليس بالضرورة أن يكونوا مشهورين تتجاوز شهرتهم حدود المجتمع الضيق بمثل شهرة ودنفاش أو كمال سينا أو الهادي نصرالدين وغيرهم من الذين تجاوزت شهرتهم ربوع أم درمان لتعم كل السودان. هؤلاء تجدهم في كل مجتمع يمنحون مجتمعاتهم الحب والضحكة. الموت الذي “يخطف العزيز ويغتال السرور” تخطفهم واحدا إثر الآخر في هذه الأزمنة البخيلة الضنينة بالفرح.
“كل يوم يرحل حبيب
وكل يوم نجمة بتغيب
وكل يوم نسمة بتخيب
وكل يوم صيوان موشح بالنحيب”
وعثمان محمد عمر الذي اشتهر بلقب “مالم كورة” كان واحدا من ملائكة المحبة والبسمة على الأرض .. ودعته وبكته مدينة القضارف بصفته عميد ظرفائها وأحبهم إلى قلوب أهلها.. ساروا خلف نعشه ثم تجمهروا أمام داره في مشهد غير مسبوق قبل أن تدخل المدينة كلها “بيت الحبس” ، كما وصف الأديب الراحل علي المك رحيل “أبوداؤد” من بحري..الذين خرجوا لوداع “مالم كورة” لم يخرجوا لاستقبال الحاكمين والمعارضين الذين درجوا على المجيء لخطبة ود أهل المدينة، فحزبه أكثر نفرا من جميع الأحزاب. هو صاحب الأغلبية المطلقة رغم أنه لم يتعاطى السياسة في يوم من الأيام. رجل بسيط “خضرجي” ولكن وقف يعدد مآثره المعلم والطبيب والحاكم .. كلهم احبوه كما لم يحبوا أحدا من قبل. لو كانت السياسة تفرق بين الناس فإن عثمان مالم كورة كان يجمع بينهم. لم يجمعوا على شيء إلا محبتهم له. الدكتور عبدالوهاب محمد نور، ضمير المدينة وقيمتها الكبرى، وقف في ذلك اليوم يعدد مآثر الفقيد ومحاسنه ولكن الموت كان للطبيب الإنسان بالمرصاد فلم يمكث بعد رثائه للراحل إلا أشهرا معدودة ثم لبى نداء الرحمن.ثم لحق به جلال سعيد زينة المجالس ليتبعه ظريف المدينة ولاعب كرة القدم الفنان عبدالوهاب حاكم . حتى كان صيد الموت وجائزته الكبرى مصطفى عثمان كريم الشهير بدرويش، مستودع الفرح وشلال الخير في المدينة. كان ،بجانب ما حباه الله به من قبول لدى كل الناس، بمثل ما قال أستاذنا الدكتور عبدالواحد عبدالله يوسف في تذكر “المريود”:
كان كريماً سَبَّاقاً لِلْخَيْرْ …
تَهَبُ يُمْنَاهُ ما لا تَعْلَمُ يُسْراه
كانَ رَحيماً يَصِلُ الأَرْحـَامَ
ويَحْتَضِنُ الأَيتامْ
كان يقول بأَنَّ مَتاعَ الدنيا أَتْفَهُ مِنْ أَنْ يَخْتَصِمَ الناسُ عَلَيْهِ
وأنَّ الحاكمَ ذا الوَجْهَينِ لا يُرْجَى خَيْرٌ مِنْ بينِ يَدَيْهِ
اصطف يومها صفوفا طويلة كما يفعلون في مصلى العيد وهم يودعون “درويش” في رحلته الأبدية من بلدة طيبة إلى رب غفور. ولكنهم بعد الصلاة عليه وقفوا جميعهم حائرين.. من يعزي من؟ ويهمسون بكلمات د.عمر:
“نحن راضين بى قدرنا
بى رزقنا وبى عمرنا
والحكاوى الليها سرنا
إلا بس لاحظنا انو
الناس بقت بسرعة ترحل
واللى يرحل هو اللى أنبل
وهو اللى أجمل”
تتابع رحيلهم كتتابع حبات المسبحة، وذهبوا إلى موعد لا يملك إنسان أن يخلفه.. عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه، وهم السابقون ونحن اللاحقون.
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم