وداعاً البروفسر أحمد الأمين هارون .. بقلم: حامد بشرى
فقيدنا أحمد كان من غمار الناس في مسكنه ومأكله ومشربه علي الرغم من حصوله علي التعليم العالي بموسكو والماجستير بأنجلترا والدكتوراة بأمريكا . كان حين تأتيه أول فرصة للتخلص من زي الفرنجة تراه مرتدياً حلة لباسه البلدي الجلباب والعمامة والمركوب. كان مُحباً لكل ما هو سوداني أم رقيقة والملوخية والكسرة والشاي الساده ويطربُ للحقيبة ومصطفي سيد أحمد ووردي. لا يعطيك أي أنطباع أو أحساس حينما تجالسه بأنه بروفسير أو حتي أستاذاً جامعياً . متواضعاً حتي الثمالة تجده يتحدث عن هموم الناس اليومية ويملأ المجلس مرحاً بضحكته التي تعطيك يقيناً وطمأنينةً ويجعلك تحسُ في داخلك أن هذا البلد بخيره ولا يستطيع أي من كان أن يُركِّع شعبه رغم النكبات السياسية التي مر ويمر بها. لا يستفز مستمعية بمعرفته في مجال تخصصه ولا يحشر المصطلحات والكلمات العجمية أثناء تحدثه في مجال غير الهندسة ، الي أن فارق هذه الزايلة لم يحمل حقداً أو ضغينة علي أحدٍ حتي أولئك الذين أغتالوا فلذة كبده . أحمد ذو خصائل حميدة جمة ومن ضمن تلك التي لا تخطئها العين الكرم والشهامة التي جُبل عليها منذ أيام الطلب بموسكو . لا غرابة في أن أشبهه بالأولياء والصالحين ، الذين دعوه الي مجالستهم فأستجاب رب العزة الي مطلبهم .
“ولئن غيبك الموت جسداً فإن ذكرك سيظل ماثلاً وحاضراً في قلوبنا وضمير وذاكرة الشعب الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا , ولئن أحزننا رحيلك فإننا فخورون بأن جمعتنا بك الأيام وتشاركنا هموم الحياة وصارعنا معاً لتغيير واقعها المختل الى الأفضل قدر المستطاع تحقيقاً لأحلام وأشواق مشروعة لسواد الناس في التقدم. فنم مطمئناً في سلام فمثلك لا يموت ، فقد بذلت حياتك في تجرد ونكران ذات لقضية تستحق أن تكرس لها كل الحياة بسخاء لا يعرف المن ولا الأذى وإقدام لا يعرف التردد فالحياة يا صديقي تعطي مرة واحدة، ونشهد أنك قد عشتها كما ينبغي وبما يرفع ذكرك في ذرى المجد ويشرِف كل من انتميت إليه أو انتمى إليك وعزاؤنا أنك خالد في الخالدين وقد علمتنا الأيام أن نسموا على أحزاننا وآلامنا ونلعق جراحاتنا ونمضي نعزف أجمل الألحان ونغني ونحن نزف أوسم الفتيان عقولاً وأكثرهم نباهة ونبلاً إلى رحم الأرض الولود الخصيب في القرى والمدن والأصقاع البعيدة في أرجاء الوطن الواسع نبذرهم (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) صدق الله العظيم ”
hamedbushra6@gmail.com
لا توجد تعليقات
