فُجِعت اليوم برحيل أحد أعزّ رفاق الصِّبا، الإنسان قبل كلِّ وصف وصفة، والمؤرِّخ الكبير، والدِّبلوماسيّ القدير الدكتور أحمد المعتصم الشيخ.
لم أعرفه إلا مٌبتسماً وواثقاً ومُفعماً بالتّفاؤل. أذكر أنّه فاجأني ذات مرّة، في واحدة من فترات الأعوام الثلاثين المُنصرمة الكالحة، والإحباط يكاد يعصف بنا نحنُ النّاس العاديين، بأنّه شديد الوثوق بأنّ السودان في طريقه لاستعادة أنفاسه وتحقيق نهضته، وأنّ شمس الحُرِّيّة والكرامة الإنسانيّة ستشرق فيه طال الزمن أم قصر.ولا عجب في ذلك، فالدكتور أحمد المعتصم رغم تمرُّسه في العمل الدبلوماسي إلا أنّه كان مُختصاً ومهتماً بالدرجة الأولى بتاريخ السودان القديم بل ومُتيّماً به في حقيقة الأمر. وقد قادته دراساته وبحوثه والبعثات والمسوح الآثاريّة التي شارك فيها مع أجانب وسودانيين، إلى تبيٌّن حقيقة أساسيّة، ألا وهي عنصر الاستمراريّة في الثقافة السودانية عبر العصور، وذلك على العكس من المنهج التقليدي الذي اتبعه المؤرخون العرب والأجانب الذين كتبوا عن تاريخ السودان باعتباره يتمثّل في حقبٍ مُنفصلة لا جامع بينها، تبدأ بالعصر المروي، ثم الممالك المسيحيّة، ومن بعدها قيام السلطنة الزرقاء وسيادة الثقافة الإسلاميّة والعربيّة.
لا يوجد انقطاع كما أدرك دكتور أحمد، بل هو توهّم لا يستند على ساق، فهذه الشعوب السودانية استوعبت المؤثِّراث الثّقافيّة الوافدة إليها، وأعادت تشكيلها، فارضة بصمتها المُميّزة وخصوصيتها عليها. وهو بذلك، يعتبر من المؤسِّسين لما يعرف بالمدرسة الحديثة في تاريخ السودان. استمد الراحل تفاؤله بمستقبل السودان من هذه الاستمراريّة الحضاريّة، فقد رأى أنّ الإرث الحضاري والإنساني للسودانيين المتراكم منذ القدم، سيُمكنهم من مقاومة كافة القوى الداخلية والخارجية التي تريد التحكّم في إراداتهم وتقييد حُرِّياتهم وتدجينهم خدمة لمصالحها ومطامعها. وكان شديد الإيمان بأنّه رغم الفوارق الماثلة حاليّاً بين السودان والدُّول المُتقدِّمة على الصعيد الاقتصادي والتقني، إلا أن بمقدور أجيال السودان الشابة تضييق هذه الفجوة في زمن وجيز، لأنّ هذا الأجيال تتمتع بنجابة بادية للعيان، وباعتزاز، سليم من الغرور، بعمق حضارتهم وإنسانيتها.
قام الراحل العزيز بتعريب السِّفر المُهم: “عصر البطولة في سنار” الذي يعتبر أهمّ ما كُتِب عن الفونج وسلطنة سنار، والذي ألفه الدكتور جاي سبولدنق. وقد ثمّنت هيئة ” كتاب الخرطوم الجديدة: سلسلة ال 100 كتاب” المجهود الذي قام بها الراحل قائلة بالنص:” قام المترجم الضليع د. أحمد المعتصم الشيخ، بجهدٍ يكاد يضارع سعي المؤلف، فلم يكتفِ بترجمة الكتاب، لكنه ألزم نفسه بالرجوع إلى المصادر والوثائق والمراجع والمستندات التي اعتمد عليها المؤلف، وقام بالنقل منها مباشرة، وهو عمل شاقّ مجهد فرضه عليه حبه للعلم ودفعه إليه تخصُّصه في تاريخ السودان القديم، وأٌلفته ودِربته عليه.” وأردف ذلك بعمل لا يقلّ أهمّيّة، وهو تعريب كتاب “مروي حضارة سودانية” لمؤلفه بيتر لويس شيني. وسأورد فيما يلي مقتطفات لما كتبه بروفيسور علي عثمان محمد صالح، رئيس قسم الآثار بجامعة الخرطوم وقتها، في المُقدِّمة عن هذا الكتاب وتعريبه: “يعتبر كتاب مروي حضارة سودانية الكتاب الأول في تاريخ حضارة مروي القديمة، ليس فقط لأنه كُتب في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، ولكن لأن أي قارئ يتصفح الكُتب التي تلت هذا الكتاب عن الحضارة السودانية لن يفهم مقدار هذه الحضارة وأهميتها إن لم يرجع لكتاب مروي حضارة سودانية.
الفلسفة التي اعتمدها كاتب الكتاب لتكون محوراً يُبنى عليه تاريخ مملكة مروي لخصها الكاتب في أنها حضارة، وأنها افريقية. ومن العجب أن آخر جملة في هذا الكتاب تنطق بكلمات واضحة عن هذه الفلسفة، وهذا إدراك من الكاتب بأن تحليلاته في داخل الكتاب أبانت هذه الفلسفة بوضوح تام.
وقد سبق بروفيسور شيني زمانه بجعل تاريخ مملكة مروي كما كانت تسمى، حضارة متكاملة بفنونها ولغتها ودينها وإدارتها الملكية… كان بيتر شيني مُنزها في ذلك الوقت المتقدم عن قبضة المركزية الأوربية التي حكمت كتابات معظم المؤرخين في زمانه وهذا يحسب له، كما أن بيتر شيني أحب السودان والسودانيين وتعرف عليهم وتقرب منهم كثيراً. لقد أحسن الكاتب الدبلوماسي الباحث أحمد المعتصم الشيخ الاختيار، كما أجاد الصنعة في ترجمة هذا الكتاب الهام، ورفد بذلك المكتبة السودانية بل المكتبة العربية كلها بكتاب يجب أن يكون زينة كل مكتبات العلماء والمثقفين خاصة المؤرخين.”
أهدى الراحل العزيز إلى المكتبة السودانية مؤلفه:” مملكة الأبواب المسيحية وزمن العنج”. ومن بين القضايا الهامة التي تناولها الكتاب، العلاقة بين المملكتين المسيحيّتين المعروفتين بمملكة المقرّة ومملكة علوة، حيث قادته الدراسة كما وضّح، إلى البحث في تلك الفترة الغامضة الواقعة بين القرنين الذين أعقبا اسلام الملك في دنقلا، وظهور مملكة الفونج على أنقاض مملكة سوبا المسيحيّة. للراحل العزيز أيضاً، دراسات عديدة منشورة في الدوريات المحليّة والدوليّة، كما قام قبل نحو عامين بتعريب المخطوطة المشهورة المعروفة باسم” الرحلات السودانيّة لثيودور كُرمب: 1700م -1702م”
طِبْ مرقداً يا صديقي العزيز، ولتنعم روحك بالسّلام الأبدي، فقد خبِرنا فيك أنضر ما في الإنسان.
أحر آيات التعازي لأسرته المكلومة ولأهله وأصدقائه العديدين،
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
محمد حامد الحاج-كندا
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم