وداعاً “عبدو قيا” 15 يونيو 2020 .. بقلم: شوقى ابوالريش
9 يوليو, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
45 زيارة
أصدقاؤك في الطفولة والصبا لاتمحوهم الأيام من الذاكرة، مهما طالت سنين التباعد والغياب الطويل، لأنك تجد نفسك فيهم أكثر مما تجده في اصدقاء المراحل الأخرى مثل سن الشباب و سن الرجولة والكهولة كما أن صفاء الذهن فى تلك المرحلة العمرية يجعل فترة الطفولة والصبا عالقة فى ذاكرة الإنسان إلى آخر حياته إذا ما أبعد الله عنه شر (الزهايمر)… بالإضافة هناك أسباب كثيرة لتلك الحميمية الخاصة أثناء وبعد تلك المرحلة العمرية لن أخوض فيها في هذه المناسبة لكنه واقع معاش لدى كثير من الناس أو هكذا أحسب.
هذا الشعور الحقيقي خطر ببالي اليوم وانا أجتر ذكريات الصبا بصحبة الصديق والزميل عبدو محي الدين أو (عبدو قيا) كما سار عليه الاسم الذي لم أعرف مصدره ويبدو أنه لقب للعائلة. رحل عبدو قيا عن هذه الدنيا الفانية الاسبوع الماضي بعد فترة صراع مع المرض الذي اقعده… هذا الرجل الذى ودعناه إلى مثواه الأخير قبل أيام ما كان يميزه هو بساطة شخصيته وحياته ومع تلك البساطة إشتهر بمواهب وصفات قل أن تجدها فى شخص واحد.. فليس بالضرورة أن تكون عالماً أو كاتباً أو مغنياً عالمياً لتكون مشهوراً . فبمقدار شهرته وبساطته سوف أكتب عن عبد قيا هذه الأسطر القليلة التى ربما تلقى هوىً عند من يعرفونه من جيله فى منطقته و حتى الأجيال المتعاقبة هناك . أما الذين لا يعرفونه فأستميحهم عذراً فإن شهرته كانت محلية كما أن معظم الشخصيات التى ذكرت حوله هى شخصيات محلية أيضاً وحتى الأمكنة. لكن الشاهد أن هنالك شخصيات مماثلة إشتهرت رغم بساطتها فى كثير من المجتمعات والمناطق فى السودان وربما قد يكون ذلك عاملاً مشتركاً بين القراء.
معرفتي به ترجع لسنوات طويلة في منطقتى فى وادي حلفا عندما بدأ حياته ممرضا بردائه الابيض يداوي المرضى ويضمد جراحاتهم. هذا الجانب الإنساني بل الملائكي برع فيه عبدو قيا وصار علما من اعلامه لكن كان في شخصية عبدو قيا أكثر من جانب مشرق وومميز ومهم لا يقل أهمية عن جانب التطبيب. لقد برع عبدو قيا في جانب رياضة كرة القدم والفن بضروبه المختلفة من عزف على العود والكمنجة والغناء والتلحين وكذلك الشعر….ولذلك فمّن في حلفا لا يعرف عبدو قيا.. علم في رأسه نار…كان رجلا متعدد المواهب والصفات الجميلة… انه الرجل الشامل كما أطلق عليه صادقاً الأستاذ محمد فتح الله صابرين.
عرفته في وادي حلفا في منتصف الخمسينيات في مجال الرياضة وبالتحديد رياضة كرة القدم التى جمعتنى به.. هذا المجال الرحب الجميل المحبوب. كانت رياضة كرة القدم من أهم النشاطات التي جمعت الناس بكل مستوياتهم وبكل أعمارهم في وادي حلفا وذلك يرجع أساساً للقائمين على أمر هذا النشاط آنذاك.. فقد كان على رأس هذا الصرح المرحوم حسن دفع الله المفتش الإدارى ومعتمد التهجير فى مركز وادى حلفا فى الفترة من 1958 وحتى 1964 وهو مؤلف كتاب “هجرة النوبيين” وشقيق العالم المرحوم النزير دفع الله. كان رئيسا لاتحاد كرة القدم والمرحوم محمد الحسن عطية الله سكرتيرا عاما للاتحاد لأكثر من خمسين عاما ومعهم ضابط المجلس المرحوم صالح عبد الرحمن سلطان وأيضاَ المرحوم شوقي احمد سليمان إعلاميا فذا…هذا الفريق الاداري المتجانس نظم الرياضة والأندية والمنافسات وادار هذا الصرح إدارة جيدة متعاونة و ناجحة جعلت مجتمع وادي حلفا كله مدمنا لرياضة كرة القدم وكانت المنافسات لها طعما ومذاقا خاصا وحماسا بين فرق الأندية المختلفة والمشجعين الذين كانت لهم قيادات وآلات ومزامير وكلمات خاصة مميزة لتشجيع كل فريق…الفرق الرياضية كانت مقسمة على اساس الحلّال ومن يسكن هذه الحلّال في وادي حلفا من قبائل وعوائل. نذكرها هنا وهي نادي الاخوة (صار الهلال) ونادي الجبل (صار المريخ).. الموردة.. النيل.. العرب.. الاتحاد.. وجاءت مؤخرا فرق دغيم .. التوفيقية ودبروسة .. من اللاعبين الكبار في هذه الفرق اذكر منهم قدورة وجابر وعبدالحميد وسيودة وعبد الرزاق دسوقي وعبده نجار و مهنا من فريق الهلال… وملكة وحمودي من فريق الموردة…وطه و ترنة عبده نور وزمراوي ومن فريق النيل… وفريني و ود بدر وابراهيم ربيع وفاروق احمد النوبي من فريق العرب وبدوي بندي من فريق الاتحاد وجنكيز وشلوب وضحية وحسن سنكيت من فريق المريخ…وحمزه عطا المنان و كمال بندي من فريق دغيم.. وعبدو قيا و محمدو وتاج السر ظلوط من فريق دبروسة… و كمال الطحان و ود الزاكي و عبد الكريم رضوان وعبد المعز عوض وبكري كلودة وشخصي الضعيف من فريق التوفيقية.
حكام الدرجة الأولى كانوا عبده احمد سليمان وحاج سعد وعباس وحسن علي والحاج حسن امين جابروكى…
وكانت هناك مجموعة معروفة من كبار المشجعين تضم الشباب والشيب والذين كانوا حضوراً في جميع المباريات في استاد وادي حلفا بصرف النظر عن الفرق.. أذكر منهم الأستاذ عبد النعيم الشامي (الهلال) والحاج ربيع عبدالله (العرب) وأبوشنب (النيل) وعجب العجلاتي (المريخ) وحسن وريدة (المريخ) ومحمد جلاتلي (الإتحاد) وكباره (دغيم) وهاشم ملاسي(الإتحاد) ومحمد علي جديد (الهلال) وبكري عوض يوسف (التوفيقية) وجمال كلودة (التوفيقية) واولاد كليب وأبناء المرحوم ماهر أبو الدقون وأبناء المرحوم حنفي وحيش وأبناء الحاج عبده نصر وعزالدين سمبسون وقاسم جرجاوي (الهلال) وأبناء أبو جبل سيد وفؤاد.
كان عمنا غطاس بطربوشه الأحمر وخيوطة الحريرية السوداء المتدلية من جانبه فاكهة مجتمع وادي حلفا. كان يمثل الأراجوز أو المهرج و يجوب البلدة من أولها إلى آخرها على عربانة الكارو المزينة بكل ألوان الطيف يدق الطبلة والمزامير والأجراس وعلى الكارو بورد خشبي كبير، الجهة اليمنى منه فيه جدول مباريات الأسبوع في إستاد وادي حلفا و في الجهة اليسرى منه جدول أسماء أفلام الأسبوع المعروضة في سينما وادي حلفا. وكان الأطفال يجرون خلف عربة الكارو فرحين مع أغاني غطاس وشكله المضحك وأنغام الطبل والمزامير.. هذه كانت طريقة الإعلانات في وادي حلفا. كانت طريقة مبتكرة للإعلان والدعاية آنذاك كما كانت طريقة مجدية أكثر عن استعمال الملصقات الثابتة في مكان واحد فعمك غطاس ومجموعة أطفاله كانوا يأتونك بالخبر اليقين في مكانك أينما كنت مع التنبيه إذا كان ذهنك شارداً أو كنت تغط فى نوم عميق.
نعود إلى موضوعنا الرئيسي اخونا عبدو قيا.. فقد كان هو كابتن فريق نادي دبروسة وصانع انتصاراتها لسنوات طويلة وحتى بعد الهجرة إلى حلفا الجديدة إلى أن صار هناك إداريا في اتحاد كرة القدم مع المرحوم محمد الحسن عطية الله وجابر مهلل و محمد عباس بطاشا ومصطفى قرمش حيث ازدهرت رياضة كرة القدم أكثر وكان لهذه الإدارة قصب السبق والقدح المعلا في بناء استاد كرة القدم في مدينة حلفا الجديدة ذاتياً … ومع إكتمال تشييد الإستاد زاد عدد الفرق وتعددت الدرجات في حلفا الجديدة ودخلت فرق قوية جديدة المنافسات مثل فريق (دبيرة).. و في فترة ما نقل عبدو قيا للعمل في محطة سكة حديد شيخ عمر (الحصا “القرية ٦”) فكانت فرصة ليدرب فريق دبيرة الحديث لخبرته الطويلة في مجال التدريب، وبالفعل نهض بالفريق الذي تسجل في الاتحاد في الدرجة الثانية وصار منافسا قويا لفرق الدرجة الأولى وعندما انتقل إلى حلفا تسلم منه الرايه الكوتش صالح خليفة يحفظه الله.
هناك شاهد على عصره فى حلفا الجديدة وهو صديقي وزميلي في الدراسة المتوسطة الاخ عزالدين عبد الجليل الذي صادق الأخ عبدو قيا في حلفا الجديدة عندما عمل فترة ليست بقصيرة كمساعد طبي بمركز صحي دغيم وسط( القرية 22). سكن في القرية طيلة فترة عمله بالمركز الصحي. وكما قال الأخ عزالدين كان صديقاً لكل شباب القرية ومدرباً لفريق القرية لكرة القدم وعضواً نشطاً بنادي القرية، وقد تعلم منه الأخ عزالدين العزف على آلة العود. وكما قال الأخ عزالدين أن عبدو قيا كان مهتماً بتأدية مهام وظيفته كمساعد طبي في القرية وفي غاية الاستعداد لعلاج المرضي في كل الأوقات وحتى بعد منتصف الليل كان يزورهم في بيوتهم ويطمئن على علاجاتهم وصحتهم. لقد اكتسب صداقة وود الجميع في دغيم وسط.
في فترة ما غادر عبدو قيا إلى السعودية ليجرب الاغتراب وكان في مدينة الرياض وعمل فيها في مجال التمريض فترة لكنه لم يستطع البقاء فيها كثيرا لافتقاده مجتمع حلفا وأنشطتها الرياضية والفنية وناسها فعاد إلى منبته طواعية واستمر في أنشطته الرياضية والفنية واجتماعياته الواسعة.. لقد غلبه فراق الأهل والأحبة.. فالسمكة سرعان ما تموت إذا أخرجتها من الماء.
كانت رياضة كرة القدم مزدهرة في سنوات وعهد عبدو قيا عندما كان لاعبا وعندما كان إداريا وعندما صار مدربا لعدد من الفرق.. لقد وضع بصماته في رياضة كرة القدم في وادي حلفا وحلفا الجديدة وبعض قراها مثل ما وضع بصماته في أنشطة أخرى كما يلي :
جانب الفن في شخصية عبده قيا لا يقل أهمية عن جانب الرياضة.. كان مثله مثل الرياضي حكم كرة القدم المعروف و المغني وعازف العود المشهور المرحوم “قنديل” فى زمانه والذي كان يجيد التحكيم والعزف والغناء، ومن شدة إعجابه بنفسه كان يردد دائماً ” قنديل كفر ووتر”. كان عبدو قيا عازفا ماهراً على آلة العود وآلة الكمنجة ولحن بعض الاغاني من ضمنها اغنية خسارة يا حلفا المشهورة بعد مأساة الهجرة…وكان عازفا محترفاً للعود ضمن فرقة وادي حلفا الفنية التي كانت تضم المغني حسن وريده وعز الدين سمبسون وقاسم الجرجاوي وتجاني وكحروت على الايقاع… وكان خالي محمد حسن اباظه سكرتيرا عاماً لهذه الفرقة الفنية التي كان تحيي كل الحفلات الغنائية الخاصة والعامة والمناسبات الرسمية في وادي حلفا. ولذلك فمّن لا يعرف عبدو قيا في طول البلاد وعرضها…فقد شارك بجد واخلاص في قطاع التمريض ذلك القطاع الذى يمس حياة كل الناس وشارك في قطاع الرياضة والفن فأثرى وجدان الناس جميعا وحياتهم.. ولذلك نزيد على قول قنديل كفر ووتر وطب.
الجانب الأهم من كل ذلك هو الجانب الإنساني في عبدو قيا. كان رجلا مهذبا غاية التهذيب لا تسمع منه كلمة مؤذية ولا لغوا أو ردا جارحاً أو حديثاً خارج حدود الادب واللياقة رغم انه قضى جل عمره في قطاع الرياضة والفن وهما قطاعان كما تعلمون فيهما كثير من التنافس والاحتكاك بمختلف أنماط البشر…ولكنه كان محبوبا لدى الجميع . واذا تحدث عبدو قيا انتهى الكلام و سكت الكل ينصتون إما إلى درر الحديث وجمال الكلم او إلى ألحانه وفنه الجميل.
عندما مرض عبدو قيا واقعده المرض في المنزل لم يتركه أحد. أعداد كبيرة من البشر كانت تزوره يوميا يجلسون معه أمام منزله من صلاة المغرب ولا ينفض سامرهم من حوله الا آخر الليل…يسامرونه ويواسونه في مرضه.. وحتى عندما إنتقل للعلاج فى الخرطوم لم يتركه أصحابه إلى إنتقل إلى الرحمن الرحيم.
حقيقة برحيل عبده قيا سقط نجم من نجوم حلفا وتهدم ركن من أركانها المتينة واختفى البدر من سماواتها فأصبحت لياليها ظلماء وأيامها رتيبة.. لا رياضة ولا فن ولا أدب و لا ذوق عبدو قيا… ولذلك فقد بكاه الكل كباراً وصغارا و رجالا ونساءً…تلك الجموع الغفيرة الهادرة التي شيعته إلى مثواه الاخير في الخرطوم… جموع فاقت حد التصور رغم ظروف الكرونا والحظر والحذر والتباعد الاجتماعي يبكون و يعزون بعضهم البعض بحرقة شديدة واسى..
الآن لا نملك شيئا في ايدينا نقدمه عرفانا لفضله غير الدعاء والتوسل إلى الله ان يتقبل عبده مع من اصطفاهم ومن بشرهم بالجنة …اللهم اغفر وارحم عبدو قيا واجعل مرضه كفارة لذنوبه وتقبل دعوات تلك الجموع الغفيرة التي رفعت اكفها إلى السماء طالبين عفوك ورضاك عنه.. اللهم ارضى عنه و ادخله في جنات عرضها السموات والأرض واطرح البركة والسكينة في اسرته الصغيرة والكبيرة واحسن عزاءهم.. اما أصحابه ومحبوه المحزونون في كل مكان فصبرا جميلا فلعل الله يحدث بعد ذلك أمرا جليلا جزاءَ حبكم له وصبركم في فقده…. انا لله وانا اليه راجعون..
شوقى ابوالريش
صديق وزميل
يونيو 2020
s_khalil@alkoot.com.qa