وسط الدايرة .. بقلم: عزالدين احمد

 

واقع الامر ان الناس تكره الحالة التى اوصلتمونا اليها وكرهت بالتالى كل ما ومن له صلة بالحالة هذه لان الضرر طال النفس والنفيس والمستقبل .
نحن نكره جدا ادارتكم لدولتنا هذه وكأنها ملكية خاصة ورثتموها عن اهلكم حيث المال سائب بلا رقيب ،يغتنى الناس فيها بلا جهد ولا جدارة ، قرارات مصيرية تتخذ تطال اطفالنا وحياتنا بدون علمنا ولا مشاورتنا ،اذنتم لمن ترضون ان يتحلل ساعة يشاء من المبلغ الذى يشاء وهذا لا يرضينا لاننا وببساطة شركاء فى هذا البلد بل اننا نحن اصحاب هذا المال الناتج من ثرواتها والوارد للخزائن من جيوبنا ضرائب وعوايد نفايات ورسوم وكل مليم منه يخصنا ، وفوق ذلك نحن من يدفع رواتبكم بما فيها الامتيازات والبدلات والسفريات والنثريات فكل تتجرأون علينا وتحرمونا من المشاركة و الاعتراض .
نكره ان نرى الناس فى معظم بلاد الدنيا يفرحون بتخرج ابنائهم وبناتهم من الجامعة وكنا كذلك الى وقت قريب ، فقد كان التخرج بداية رفعة للاسرة كلها وترقى ومكانة للخريج ،الان التخرج يجعل الوالدين فى اعلى حالات القلق لان الابن او الابنة اما الى عطالة تفتح الباب الواسع لكل الافكار السيئة والمرارات خاصة عندما يرون من هم اقل علماً وموهبة وعطاء من زملائهم وفد تغير حالهم سريعأ بدون ان يكون للمؤهل والنباهة اى دخل فى الموضوع ، فيتوجع المتُخرج ويُوجع اهله وهم يرونه يزبل امام ناظريهم ، او يكون حالهم الى هجرة تفرق ولا تجمع وتنخر عظم رابطة الاسرة وجذور الانتماء وان عاد كان غريبا فى أهله وحيه الذى فيه نشأ ولعب وطرب .
نتكدر غاية الكدر ان نرى الان العلم والمال فى جانب والجهل وعدم الكفاءة والبطالة والفقر فى الجانب الاخر بدون ان يستحق اى طرف ماهو فيه وكان فى الامكان الاخذ بيد الضعيف ليقوى والحد من شره السمين وشهواته وتقنينها .
ليس الامر امر إحتجاج عابر للتنفيس عن غصة حلقية وقتية ، انما هو عودة للفطرة الانسانية التى جبلها الخالق على الحرية واعطاها منها ما يجعلها تكفر بالخالق نفسه -جل وعلا – ورغم ذلك ضمن لها رزقها وحفظ مالها وقدس دمها ولذلك فان الناس تكره مفارقة طبيعتها ولا يحق لكم ان تختصوا انفسكم بالفعل والقول وتتركوا لنا الإتباع الصامت والطاعة العمياء حتى ونحن نرى الفساد يكاد يغلق مسام الحياة ويمنع عنها الهواء ، انكم لم تحرمونا من ترف بل من الحياة نفسها حيث اصبح الغالبية بلا امل ولا عمل ولا حرية ، حتى من تدبر امره خارج اسوار العمل الحكومى والوظائف وجد نفسه مطاردا كالص من الضرائب والإتاوات والمحليات التى لا تراها الا جابية والويل لك ان سألتهم ماذا تقدمون فى المقابل ، ويستطيع كل من يدعى انتماؤه للامن بأى من مسمياته ان يأخذكم الى اى مكان شاء ليفعل ما يشاء بعد ان اطلقتم يدهم وحررتموهم من عين الله وامنتموهم من حسابه .
للوهلة الاولى يبدو كما اننا بيننا و بينكم ثأر ولكن بعد الفحص والتبصر الامر ليس كذلك حتى وان كان بعضكم جهلا يدفع الناس فى ذلك الاتجاه وهو يشتمهم ويصفهم بالخونة والعملاء والمرتزقة الخ ما ادخلتموه فى القاموس السياسى السودانى عندما اسستم مدرسة السب واللعن والشتم وهتك الاعراض والسخرية من الكبير فى صحف كان فى اعلاها ايات قرآنية واحاديث عن الفضل والفضيلة !!!
لا نريد سفك الدماء ففى ديننا اخلاقنا ما يمنعنا وان لم يمنعكم ، ولا احد ينادى بالتخريب لان الناس تريد العمران ، لن تصل البلاد الى الحالة الليبية والعراقيه فالمتطرفون والذين يستخدمون الدين للتفريق بين الناس هم من اوصلهم لذلك والعدل والحرية والمساواة لا يقودوا الا الى الحسنيين، ففى السويد وكندا واستراليا وغيرهم لاتوجد فئة متحمكة بل شعب حاكم وشريك .
بل الامر اننا نريد إسترجاع حياتنا منكم ومنا ايضا ، فلولا اننا اضعنا حريتنا وديموقراطيتنا بأنفسنا لما كنا بين ايديكم اليوم ، نحن نعلم اننا ظننا بعد مايو القبيح ان دورنا كشعب انتهى بسقوطه فرجعنا الى اهلنا مسرورين وتركنا الاحزاب المنهكة لوحدها فى الساحة تواجه الدمار المايوى فى الانسان والاقتصاد والمجتمع اضافة الى أكاذيبكم ومخططاتكم ، لم نسعى لتقويمها واصلاحها ودعمها ولم نمارس عليها الضغط لتنصلح ولم نؤسس غيرها ولم ندعم ديموقراطيتنا ولم ولم … بل جلسنا نتبادل اللعنات والانتقادات وخرجت النقابات عن الحكمة فضغطت على التجربة وأنساق بعضنا وراء الإفك فكفر بالديموقراطية ذاتها .
ولكننا نصحو ونعى ….
نحن الآن لانريد عصيانا يسترجع منكم بلدنا ثم نعود سيرتنا الاولى ، بل نحن نريد ان نؤكد اننا فهمنا الدرس جيداً ، درس ان البلد يتطور او ينحدر باهله ومواطنيه ومعرفة حقوقهم القانونية والمالية والسياسة والاساسية واداء واجباتهم كلها قبلها وان الحرية والعدالة والمساواة لا يحرسها جيش ولا تحميها شرطة بل نحميها ونصونها نحن ،وان الديموقراطية ليست مطالب نقابية بلا سقف ولا منطق ولاهى التسيب والاهمال والفوضى فى الشارع ومكاتب والحكومة وشارع النيل وشتم الصادق المهدى والمرغنى فلا الصادق ولا المرغنى ولا غيرهم يستطيع ان يجبرك ان تصوت له فى الانتخابات بل يمكنك انت ان تطيح به من البرلمان والحكومة وكامل المشهد السياسى سلما ان اردت ولا يستطيوا يمنعوك ان تؤسس حزبأ تلتمس فيه اوجاع الناس وتضع لها حلا وأن تحصنوا بالقداسة والمكانة الدينية فدونك فواعدهم بين لهم ما تشاء ووضح لهم كيف انهم مُستغلين ان اردت .
فى مايو اطاح الناس بالنظام وعادوا بيوتهم ولم يغيروا ما بأنفسهم وكذلك قبلها فى اكتوبر وربما كان هذا هو سبب الدائرة الجهنمية الكريهة المكونة من إنقلاب وثورة وبينهما ابتعاد الناس عن شأنهم العام والاكتفاء بموقف المتفرج ليأتينا من يجعلنا نتقطع من الندم .
ربما ينجح العصيان القادم فى ازالة النظام ، و المؤكد انه نجح وسينجح فى إرباك النظام وهزه بقوة كخطوة فى طريق الزوال .
ولكن ، الاهم ان نفهم ان حالة العصيان هذه لا يجب ان تكون ضد النظام هذا وحده بل ضد الكثير من سلبياتنا نحن ، السياسية والاجتماعية والحياتية والفكرية لان لدينا الكثير جدا لنتعلمه ونغيره حتى يتغير حالنا ونخرج من تلك الدائرة التى رسمناها نحن بأنفسنا ، فكان ان أتت بأمثالكم ودفعنا الثمن ، والان على كامل الاستعداد لإيقاف النزيف وبدء العلاج .

iahaleem@hotmail.com
14.12.2016

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً