ومضات من أيام الراحل د . محمد عثمان الجعلي .. بقلم: عبدالفتاح عبدالسلام*
23 مايو, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
37 زيارة
سأحدثكم اليوم عن أيام عشناها مع ذلك الراحل النبيل ، الذي كان بيننا يوما و رحل كهفيف النوار مخلفاً “أحدوثة حسنة” .
كتبه التي أصدرها قبل رحيله بسنوات قليلة تشي بالكثير ، عن حبه للمعرفة و الأدب . و ما رائعتيه “رحيل النوار خلسة” عن علي المك و “روّاس مراكب القدرة” عن الطيب صالح و روايته “ترميم الذاكرة” إلا بعض من نفسه . و كم حز في نفوسنا حينها في أواخر التسعينات حين دعا الراحل العزيز نفرٌ منا في جمعية “شرفات الثقافية” في مدينة الرياض للكتابة في مجلته الوليدة “شقيش” و التي لم تعمر ، أو بالأحري رأت خيوطا خافتة من النور ثم اختفي أثرها.
و لكني ساحكي لكم في هذه العجالة عن صفحات أخري ، ربما غابت عن كثيرين ، ألا و هو اعتزازه بفن غناء أهل السودان.
و كان يقول ساهمت “هنا امدرمان” ، عن قصد أو بدونه في توحيد وجدان أهل السودان حول غناء شعوبه المتعددة . و أتحف مطربو (الأغنية الحديثة) تحديدا و رفدوا هذا الوجدان الثري بروائع الإيقاع و النغم . و يضيف “كنت تري اخوتنا من الجنوب منتشين بسماع – يا اسير الغرام – لصلاح بن البادية، أو أهلنا في درافور الهائمين بصوت جابري النصف الثاني من الخمسينات “شغلني ما شغل قلبه **** مخير هو في حبه”.
و يضيف الدكتور لمستمعيه الكثر “الأغنية السودانية التي بثتها إذاعة امدرمان كانت في زمنها الجميل بمثابة (قوة ناعمة) وحدت وجدان السودانيين أولا ، ثم جلبت لهم من حيث لا يدرون محبة الجيران القريبين الذين يشبهوننا ، من اثيبوبيين و ارتريين و تشاديين و نيجريين ، بل جلبت لنا حتي حب الكثيرين من المغاربة – أي مغرب الرباط و طنجة و كازا البيضاء و أغادير ، و مالبث أحد الحاضرين أن وقف و قال:
– نعم يا دكتور أنا نفسي كنت مسافرا في قطار يشق أوروبا متجها إلي المانيا في عقد السبعينات عندما كنت طالباُ و صدف أن دخل إلينا في القمرة في مدينة بلغراد ثلاثة مغاربة، امرأتان و رجل ، و طفقنا نتبادل الحديث معهم ، وفجأة انبرت احدي الامرأتين بصوت عذب تغني “يا وطني يا بلد أحبابي” لسيد خليفة.
و كنا نعلم حبه لعثمان حسين و هيامه بــ “حارم وصلي مالك” و لكني استوقفته يوماً و أشرت لـــ “عارفنه حبيبي” . و المشكلة كانت وقتها إننا لم نعثر عليها بتسجيل “نظيف” ، أي تسجيل الإذاعة الأصلي عندما غناها أبو عفان في بواكير الستينات ، و ذكرت له أن بعضهم قالوا إن اللحن لمحمد عثمان وردي .
و ردد الدكتور متذكرا ” فعلا تلك الأغنية كانت تصيبني بشجن شفيف و …. حزن غريب” . قلت له إن الشجن يكمن أيضا في موسيقاها و ليس في صوت عثمان حسين و أداؤه لها فحسب ؛ بل في صوت الساكسفون الخفي الممزوج بنغم الكمانات و ظلال العود.
كان الدكتور مستمتعا بتلك الونسة و كرر بأسي ” الناس في السودان يجهلون موسيقاهم و براعة فنانيهم”.
و مرة قال “هل انتبهتم إلي وردي في “أمير الحسن؟” وبراعته في أداء المقطع التالي:
يحسدون يالناس في حبي
كم عزول روّج إشاعة
و باشارة من عيونك
قلبي قال سمعا و طاعة
كان تركيز الدكتور واضحا علي ما تحته خط أعلاه و وبالتالي مقدرة وردي علي تطويع صوته وأدائه بسلاسة لا توجد عند كثير من المغنيين.
ذلكم هو الدكتور محمد عثمان نواتي العلوم الإدارية طويل الباع ، ابن الخرطوم البحرية ، الذي انتقل إلي رحاب السموات في مدينة دبي أواخر شهر يناير المنصرم من هذا العام.
و عندما كنا نسترجع إبداعات مصطفي سيد احمد مثل:
أنا زي عوائد الشعر فارس
شد خيل الكلمة ليك
مصلوبة في ضهر البداية
القالوا آخر (ها) بين ايديك
انتفض محمد عثمان مبهورا و هتف ” دا غنا جديد … دا تاريخ جديد في الأداء ….. الأداء المذهل”
وظللنا نستعيد المقطع مثني و ثلاث و رباع ، وهو يستزيد و يترنم وحده .
و عندما أعلنت له أنني لا أطيق (أحيانا كثيرة) غناء الحقيبة (لأنني لست من أمدرمان !!!) ، وضع يده علي زر المسجل و أسمعني:
يا ليل ابقا لي شاهد
علي نار شوقي و جنوني
بصوت كرومة .
حينها استدركتُ: “ولكني أحب هذا المطلع بصوت أولاد شمبات ، فبادرني: “ولكن اللحن و الفن لكرومة”. كان مغرما بالحقيبة و حافظا لدررها و أسماء شعرائها فردا فردا ، غرامه بالمتنبي و فطاحل شعراء العربية. و كنا نتجادل زمنا في أن “للتقنية” أي تقنية التسجيل دور في رونقة الأداء – و كان رأيه أن لاستوديوهات أمدرمان الجديدة بعد 1958 و بروز عازفين و موسيقيين فنانين في نفس الوقت كبرعي محد دفع الله و موسي محمد ابراهيم و احمد زاهر و حسن بابكر و عبدالله عربي وعبدالماجد خليفة و عمر الشاعر و غيرهم اليد العليا في تجويد الغناء والأداء ، و لذلك ، يقول الدكتور ، يتخذ الكثيرون فترة الستينات و رديفتها السبعينات مرجعاً لإزدهار الفن السوداني. و من كلماته في الذاكرة إشادته غير المسبوقة بعازفي الايقاع بالاذاعة (اولئك الجنود المجهولون) . “لقد طوروا هذا الفن في ابداع جديد ، تأملوا ايقاعات الستينات و السبعينات ، لم يكن هناك مثيل يضاهيها من قبل و لا من بعد ، كان الايقاع المتنوع الغني و المزخرف هو ديباجة الأغنيات.
و كان للراحل أراء متميزة عن تاريخ الغناء و كان يشيد بــ “عبقرية هنا أمدرمان” و يقول لم يكن بمقدور من لا يملك صوتا مبدعا عن سابقيه أن يقتحم أسوار الإذاعة ، “أنظروا إلي فرادة أصوت محمد ميرغني ، أبو عركي ،عثمان مصطفي ، زيدان أو عبدالعزيز المبارك : تجدون كلا منهم مدرسة مع إنهم من جيل واحد”.
و يضيف “لقد تعهدتهم الاذاعة و رعت موهبتهم و أتاحت لهم ملحنين و عازفين مهرة ، وكذلك فنيي تسجيل و استوديوهات غاية في الابداع” . و يتحسر الدكتور وهو يقول: بانهيار البلد انهار كل شيء ، و ما الفن و النغم إلا انعكاس لحيوية المجتمع و حبه للخير و الجمال. وكان يقول بألم ممض ، و كأنه يستشرف قدوم الواتساب فيما بعد: “انظروا ما حل بنا – تدورالآن نكات سمجة يرويها أنصاف المتعلمين من مثل (واحد رباطابي عمل وقال) أو (واحد شايقي مرته قالت ليه و و و) أو (واحد جعلي كراعه انكسرت و و و) ” ، و يضيف الدكتور : “لم ننشأ علي هذا السخف. أمهاتنا و آباؤنا و المدراس التي ارتدناها و نحن أطفالا ويافعين و شبابا علمتنا احترام كل شعوب السودان بدوه و حضره لوطن حر و شعب مستنير”.
اختفت حكايات محمد عثمان بعد أن غادرنا إلي أبوظبي ، و لكنا دائما نستذكره في علمه و أدبه
و تلك الحكايات مازالت حية في آذاننا ، و كلما إزداد الكون كآبة كنا نستعيد أقواله و حكاياته ، بل كنا نستذكر الإنسان النبيل الذي صعدت روحه السمحة إلي جنبات السماء ، الدكتور محمد عثمان الجعلي.
Fattah71@gmail.com