ويسألونك عما وراء (القطط السمان) .. بقلم: م. عادل خلف الله
28 يوليو, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
30 زيارة
abukalf47@gmil.com
في ديسمبر من العام الماضي، وقبل مباركة المجلس الوطني لموازنة (العجز والافلاس)، شن رئيس النظام هجوماً ضارياً على من أسماهم مخربي الاقتصاد الوطني، عقب خروجه من اجتماع ما سمي (بالمجلس الاقتصادي)، حسب عناوين الصحف الصادرة في حينها، وركز الهجوم على (تجار العملة)، والذين عزا لهم تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، وتوعد الرئيس، في تصريحه، ملاحقة الكبار وليس (السريحة). وفور إعادة تعيينه مديراً لجهاز الأمن، أطلق الفريق قوش تصريحات نارية عن محاربة الفساد التي ستطال (القطط السمان)، أينما كانوا، معززاً جديته بالتأكيد في تصريح آخر بأنه (ليس هنالك كبير على القانون ). من ديسمبر من العام الماضي، وحتى أواخر يوليو الجاري، ظل الرأي العام يسمع جعجعة حول محاربة الفساد، ولا يرى طحينا، وأطل برأسه جراء ذلك، مما بين (السريحة) و(القطط السمان) سؤال مركب مفاده: ( ماهو الفساد الذي تعنيه الإنقاذ؟ وهل بالإمكان محاربته، واجتثاث جذوره بواسطتها، ولو بالوكالة، كأن ينفرد واحداً من أجهزة أمنها بذلك كما يصور الآن؟ ).
واحداً من دواعي إطلالة هذا السؤال، الانتقال الاضطراري من الإنكار المطلق للفساد، الى الإقرار المشروط به، والمعني بذلك تصدي المقربين لدكتور الترابي، لإفادته في إحدى المؤتمرات بأن (9% من الاسلاميين أفسدتهم السلطة) بالتبرير والشروح التي أفسدت معني صريح وواضح. كان ذلك في التقدير، الميلاد العلني للاصطفاف داخل حركة الترابي ونظامها، الذي أفضى لاحقاً إلى ما عرف بمفاصلة رمضان. وصولاً إلى وصف العديد من مسئولي النظام ب( كلام ساكت) لأي حديث عن الفساد، حتى وصلت إلى مرحلة التهديد المبطن على لسان رئيس النظام (مافي حاجه اسمها فساد… العندوا أدلة ووثائق يقدما لي مباشرة !!).
أعقب ذلك صدور قرار بتكوين مفوضية مكافحة الفساد، وتسمية أبو قنايا مسئولاً عنها، إلا أنها لم ترى النور.
في غضون ذلك، رفض المجلس الوطني، الذي هلل أعضاءه وكبروا لموازنة 92% من إيراداتها ضرائب مباشرة وغير مباشرة، واستدانة من الجهاز المصرفي، رفض المصادقة على قانون رفع الحصانة، كسابقة يمكن اعتبارها إضافة ثامنة إلى عجائب الدنيا السبع. فيما افتى نائب الرئيس، بأن (البلاد خالية من الفساد، وإشاعات الفساد أفرزتها الحرية المطلقة). مع تصاعد حملات الاعتقال ومصادرة الصحف، ومنع الصحفيين بالكتابة، لمجرد الكتابة أو النشر عن قضايا الفساد، من لدن الجهاز الذي أعلن مديره (لا كبير على القانون )!!
الانتقال من الإنكار المطلق إلى الإقرار التكتيكي بالفساد، لايمكن عزله من عدة مؤثرات
منها:
1/ الاستفراد بالحكم ومركز صنع القرار، لأكثر من ثلاثة عقود، في إطار دكتاتوري وهيمنة قوى رأسمالية طفيلية، بلور مراكز قوى تتصارع حول النفوذ والثروة وصنع القرار.
2/ انكشاف حقيقة محدودية الثروات المتصارع حولها، بعد حدثين هامين، أولهما دخول النظام مرحلة التحلل والتفسخ، وثانيهما زلزال انفصال الجنوب عن الشمال، بكل تداعياته النفسية، الاقتصادية الاجتماعية، الأمنية ….. الخ.
3/ الاستيلاء على السلطة بالانقلاب، استناداً على حزب عقائدي مشبع بتمثيل مصالح الرأسمالية الطفيلية، التي غلف عرابها د. حسن الترابي، توجهاتها الدنيوية ونهمها للثروة والاستفراد بالحكم، بغطاء فكري فضاض (المشروع الحضاري)، واختصار خطواته العملية بإيحاءات دينية رسالية (التمكين).
4/ الفساد الأكبر في (التمكين) امتلاء إخوان الترابي، كما يسميهم فريق من الإخوان المسلمين في مصر، المطلق بالأنا، التي اختزلت الدين وفهمه في حدود مشيئة التنظيم، بينما هنالك، وسطهم، من يختزل الاختزال في (الشيخ). هذا الاختزال كون، نفسياً وفكرياً، إطاراً حركياً وسلطوياً ينفي مشروعية وجود الآخر، ومن ثم مشروعية الحق في الاختلاف، وعلى نسق شمولية فوكيما (في نهاية التاريخ)، ابدل المشروع الحضاري (نهاية فوكيما) ببداية التمكين. وهنا يتجلى فساد (التمكين) بأشنع صوره حينما يوهم شيعته بأنهم الممثل الوحيد للبدء في كل شئ.
دون إطالة، هذه النفسية الذهنية، هي التي تقف خلف كل ما هو (منبت) وغريب في السلوك السياسي والاجتماعي والقيمي الذي خلخل ودمر وتناقض مع السواد الأعظم من نظم وتقاليد الحياة السودانية، الشعبية والرسمية.
5/تزاوج (التمكين) بالتوجهات الرأسمالية الطفيلية، ولد متلازمة الفساد والإفساد.
فلكي تحقق الرأسمالية الطفيلية مصالحها المقترنة بالتنافس فيما بينها؛ لا تجد غضاضة في التحايل والالتفاف أو تحطيم كل ما يعترض طريقها، بما في ذلك تطويع الدين وتاريخه ليكون في معيتها، ونضرب مثلاً بذلك بالتحلل، الإبتلاء، التجنيب، الاستسلام للقوى الاستعمارية، تزكية المجتمع، أسلمة الاقتصاد……. إلى عدم جواز الخروج عن الحاكم .
6/ بهذا التزاوج فتحت قوي النهب الرأسمالي المحلية وتحالفاتها وامتداداتها الخارجية، شهيتها لتفترس موارد وثروات ومقومات الاقتصاد الوطني من موقع الاستفراد بالسلطة، التي لم توظفها للاستحواذ والحماية فحسب، وإنما بتراجع وانسحاب (الدولة) من العملية الاقتصادية والاجتماعية عبر القطاع العام وبتوازن مع القطاعات الأخرى، والتخلي شبه الكامل عن واجبها في التعليم والصحة وخدماتها. وفي أكبر عملية سرقة واحتيال، تحولت مؤسسات الدولة وأصولها إلى نخب الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة والمنتفعين من توجهاتها باسم سياسات التحرير والخصخصة، وتشريد الآلاف من العامليين، وهضم حقوقهم.
في هذا المقام، يقدر السودانيون للرأسمالية غير المرتبطة، مساهماتها في ارتياد مجالات الانتاج الصناعي والزراعي، ويذكرون الصروح التي شيدوها في التعليم من مدارس ومعاهد، والصحة من مشافي ومراكز صحية ونقاط غيار، التي لا تخلو مدينة أو قرية على طول البلاد منها، وفي صمت رزين، فيما لم يكتف دهاقنة الإنقاذ الطفيليين، طيلة سنوات حكمهم العجاف، بعدم تشييد صرح واحد منها، وإنما اجتهدوا في إهمالها وتحطيم غالبها، لتحل مكانه أنشطتهم الخاصة في هذين المجالين.
7/ أدى ذلك إلى تضخم الأنشطة الخاصة التي تستحوذ على عصب ومفاصل الاقتصاد، وخارج ولاية وزارة المالية وديوان المراجع القومي إلى إنشاء أجهزة خاصة (الأمن الشعبي، الدفاع الشعبي، الشرطة الشعبية، أمن المجتمع، الأمن الطلابي، الكتائب الجهادية، الدعم السريع، التعديلات المستمرة في قانوني الأمن والصحافة والمطبوعات …)، مع إضعاف ممنهج للقوات المسلحة. اللافت للنظر هنا، أن لأي من هذه الواجهات أنشتطها المالية والتجارية، التي لا تدخل إيراداتها في الموازنة العامة وقنوات الدولة الرسمية، ولا تخضع للمحاسبة ولا المراجعة العامة. فيما يخصص لها ولمنسوبيها نصيب الأسد من الموازنة العامة التي يتحمل عبئها المواطنين والمنتجين من خلال الضرائب المباشرة وغير المباشرة، التي تشكل أكثر من 68% من إيرادات موازنة هذا العام.
ودون إغفال ممارسة (الموظف العام)، بدءاً من مؤسسة الرئاسة وليس إنتهاءً بالوزير، الوالي، المعتمد، قادة القوات النظامية، وقيادات الخدمة العامة…..) للنشاط الاقتصادي الخاص، حيث يجمع الموظف العام، بوظيفته في الدولة وما لا يحصى من عضوية في مجالس إدارات المصارف، والشركات، والمؤسسات المالية، والتجارية، والتعليمية، والصحية الخاصة، وعلى عينك يا تاجر!!
8/ نلاحظ هنا أن الوصول للسلطة بالانقلاب بمتلازمة الفساد والإفساد، أدى إلى انقلاب في المفاهيم والقيم والمجتمعية؛ فالانقلاب على التعددية ونظامها الديمقراطي (مشروع حضاري)، وسرقة المال العام (ثراء)، وخيانة الأمانة (اعتداء)، واستغلال الوظيفة (شطارة)، حتى لم يعد الحلال بين من الحرام.
9/ توسع نهب التجنيب للحد الذي لا يعلم فيه وزير المالية أين، وكم هي إيرادات النفط والذهب ؟ومن يتولى طباعة النقود، إلى من استلم بعض القروض، وأين ذهبت، وهنا تنبغي الإشارة إلى ما ذكره وزير المالية السابق، وأمام البرلمان، عن قرض بقيمة 680 مليون دولار (ضل طريقه)، وهو مثال لغيض من فيض مما سلط عليه ضوءاً من الإعلام. وما خفى أعظم، قياساً بذلك. إضافة إلى الاتفاقيات والعقود التي تم توقيعها بموجب قانون الاستثمار ، واتفاقات قسمة الانتاج في مجالي البترول والذهب والمعادن الأخرى.
10/ ما أفرزه (التمكين) في الفصل من الوظيفة والإحالة لما سمي (الصالح العام)، وإحلال (أهل الولاء) بديل للكفاءة والمخالفين في الرأي، وهجرة العقول والخبرات، ودون غض النظر عن الذين تمت تصفيتهم، أو تعذيبهم، أو اعتقالهم، والملايين من الذين نزحوا من موطنهم لأطراف المدن، أو هاجروا قسراً إلى ما وراء البحار، أو امتهنوا وظائف وأعمال لا تليق بمؤهلاتهم وخبراتهم أو بحقهم في الاستخدام… وهم ثروة لا تقدر بثمن.
لكل ما سبق، ولمرور أكثر من نصف عام على الإقرار المشروط بالفساد، يتضح أن ما تم ما هو إلا محاولة للبحث عن (كبش فداء)، جراء احتدام الصراع داخل تركيبة النظام المتهالك، حول مركز صنع القرار، للبقاء ولو بما خف وزنه، بإلهاء الرأي العام بدراما سمجة تتجاوز اختزالها في حيز ضيق (السريحة والقطط السمان)، لم تنطلي على وعيه وليد معاناته، ونضاله الدؤوب لبديل (من خارج صندوق التمكين ومن لف لفه وحوله).
وبذا، فالفساد منظومة قيمية تولتها خطة (التمكين) بالسهر والحمى، وهي أعمق وأشمل من أن يتولى اجتثاثها، ومن جذورها، فخذ من بطونها، وفي إطار ركائزها السلطوية.
فقد تولى عهد الانبياء والرسل، وهو ما أكده السعي المحموم لإسكات صوت الجهر بالحق في مواجهتها. وفي التقدير، لقد كان النفي لوجود 120مليون دولار في حاوية بالسامراب، التي ذاع صيتها بعد اعتقال مسئول الدائرة السياسية في جهاز الأمن، بمناسبة النعي في تكتيك محاربة (القطط السمان) كما أن انتظار حدوث المعجزة لاحداث ذلك، لايقل بشاعة عن ما فعله سوس الفساد والإفساد في بنية المجتمع، وهدر الموارد وتبديد فرص التقدم والازدهار .
وكما ينص منطق علم الأحياء، فالسمكة لا تفسد من ذيلها، وإنما من رأسها.