يا حـزمةَ ضـوءٍ فى عَتمةِ ليلٍ دهـرىْ! .. بقلم: البروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد
فوجئت وأنا على فراش المرض بنعى رجل من أنبل الرجال بذلا وعطاءا فكريا وعملا تنظيميا. مفكر نادر وناشط فاعل. حمل السودان فى سويداء فؤاده وكان أحد أعمدة تكوين حركة حق. وحكم عليه الوضع الراهن أن يعيش غربة فى المنافى منتقلا من بلد إلى آخر. ولكنه ظل وفيا لوطن يعيشه فى نبضه فيكرم وفادة كل سودانى تطأ اقدامه بريطانيا. ومن ذلك الحب الجارف حمل قلبه حباً جماً لكل البسطاء والمقهورين والمظلومين فأفرد جهدا مضاعفا من أجل أهله النوبيين الذين حكمت عليهم الأقدار وظلم النظم السياسية المتعاقبة الحياة فى تيه وضياع من يوم وقف الخديوى توفيق يعلن بناء سد أسوان عام 1890 فكان التشريد تلو التشريد والترحيل والتهجير الذى أقتلع النوبيين من أرضٍ ظلت معطاءة منذ فجر التاريخ كأول تجمع بشرى حضارى فى العالم. فأنذوت قدراتها وشرد أهلها وصرعتهم الأمراض والأوبئة والكوارث ودمرت حضارتهم وقبرت أمالهم. فهب جمع من أبنائهم لإستراد حقوقهم والدفاع عنها وبعث حضارتها “من أجل بعث جديد لمجد تليد”. فكان أن جمعنا الهم النوبى والجهد من أجل تحقيق ذلك الحلم. وكان الدكتور جيلى مصطفى فرح من المبادرين والساعين لتكوين “الكيان النوبى الجامع” جمعا للشمل وتوحيدا للرؤى والمصير. فعمل بجد رجل متجرد: سافر إلى كل أصقاع الأرض النوبية وأجتمع مع أهلها فى القرى والبيادر وفى الشتات حتى قيام المؤتمر التأسيسى وإنطلاق الكيان كقوة فاعلة. فكان القلب المحرك والعطاء غير المحدود. ولكن أراد الله أن يختاره إلى جواره. فوقع علىَّ الخبر وقع الصاعقة وجرت هذه الأبيات معبرة عن أعزازى لأخ وصديق ورفيق درب وشريك هم. ألا رحمة الله تغشاك يا جيلى ونعاهدك على أن نظل على العهد حتى يسترد رب الروح أمانته. فنم قرير العين أخى؛ وإنا لله وإنا إليه راجعون.
لا توجد تعليقات
