(٠٨) تَخْرِيْمَاتٌ وَ تَبْرِيْمَاتٌ فِي الحَالَةِ السِّيَاسِيَّةِ السُّودَانِيَّةِ: الزَّعَامَةُ وَالدَّسْتُورُ وَالسُّلْطَاتُ .. بقلم: فَيْصَلْ بَسَمَةْ

سلام

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيْمِ وَ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَ أَتَمُّ التَّسْلِيْمِ عَلَىَٰ سَيِّدْنَا مُحَمَّدٍ وَ عَلَىَٰ آلِهِ وَ صَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ وَ عَلَيْنَا.

لِتَسْيِيْرِ حَيَاةِ الأَفْرَادِ وَ المُجْتَمَعِاتِ وَ الدُّولِ لَا بُدَّ مِنْ نُظُمٍ وَ قَوَانِيْنَ تَسْتَنِدُ عَلَىَٰ مَرْجَعِيَّةٍ وَ أَفْكَارٍ وَ قِيَمٍ وَ مَبَادِئَ تَلْتَفَ حُولَهَا الجَمَاهِيْرُ تُؤمِنُ بِهَا وَ تُدَافِعُ عَنْهَا ، وَ مِنْ أَجْلِ تَحْقِيْقِ تِلْكَ الأَهْدَافِ وَ الغَايَاتِ فَلَا بُدَّ مِنْ زُعَامَاتٍ وَ قِيَادَاتٍ تُحَفِّزُ وَ تَقُودُ جَمَاهِيْرَ الأُمَّةِ إِلَىَٰ طُمُوحَاتِهَا وَ غَايَاتِهَا ، وَ يَجِبُ أَنْ تَتَوَفَرَ فِي تِلَكَ الزَّعَامَاتِ وَ القِيَادَاتِ مُكَوِنَاتُ الرِّيَادَةِ وَ القِيَادَةِ: كَقُوةِ الشَّخْصِيَّةِ وَ وُضُوحِ الأَهْدَافِ وَ الصِّدْقِ وَ الأَمَانَةِ وَ الشَّفَافِيَّةِ وَ المَقْدِرَةِ عَلَىَٰ الإِبْتِكَارِ وَ إِلهَامِ الآخَرِيْنَ وَ رَحَابَةِ الصَّدْرِ ، فَالقِيَادَةُ الَتِّي يُحْتَذَىَٰ بِهَا هِيَ الَتِّي تَتَحَمُلُ المَسْئُولِيَّةَ وَ النَّقْدَ وَ المُحَاسَبَةَ وَ هِيَ أَيْضاً الَتِّي تَتَّبِعُ سَيَاسَةَ الأَبْوَابِ المَفْتُوحَةِ وَ تَتَقَبُّلُ التَّغْيِيْرَ وَ التَّنَوعَ وَ الرَّأَيَّ الآخَّرَ وَ هَذَا عَيْنُ مَا إِفْتَقَدَتْهُ قِيَادَاتُ الأحْزَابِ السُّودَانِيَّةِ بِكُلِّ أَطْيَافِهَا ، فَالأَحْزَابُ السُّودَانِيِّةُ بُنِيَتْ غَالِبِيَتُهَا حَوَلَ الزَّعِيْمِ وَ عَلَىَٰ الوَلَاءِ: الدِّيْنِيِّ أَو الطَّائِفِيِّ أَو الشَّخْصِيِّ لِلزَّعِيْمِ وَ جُبِلَتْ عَلَىَٰ تَقْدِيْسِهِ كَمَا فِي حَالَةِ الأَحْزَابِ الإِتِّحَادِيَّةِ وَ حُزْبِ الأُمَّةِ وَ لَمْ تَفْلُتُ مِنْ ذَٰلِكَ التَّقْدِيْسِ لِلزَّعَامَاتِ حَتَّىَٰ الأَحْزَابُِ اليَسَارِيَّةُ وَ الأَحْزَابُ ذَاتُ الأَدْيُولُوجِيَّاتِ ، وَ أَغْلَبُ هَذِهِ الزَّعَامَاتِ كَانَتْ مَعْزُولَةً وَ مَحْجُوبَةً عَنْ الجَمَاهِيْرِ إِمَّا بِسَبَبِ القُدْسِيَّةِ الدِّيْنِيَّةِ وَ إِدْعَاءِ الإِنْتِمَاءِ إِلَىَٰ العِتْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيْفَةِ كَمَا فِي حَالَةِ الطَّرِيْقَةِ الخَتْمِيَّةِ وَ الأَحْزَابِ الإِتِّحَادِيَّةِ أَو بِإِدْعَاءِ الْحَقِّ التَّارُيْخِيِّ فِي الزِّعَامَةِ بِسَبَبِ الإِرْثِ النِّضَالِيِّ لِلجِدِّ الإِمَامِ الثَّائِرِ كَمَا فِي حَالَةِ حُزْبِ الأُمَّةِ وَ عَائِلَةِ الإِمَامِ مُحَمَّدْ أَحْمَدْ المَهْدِيِّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَو بِِإِدِعَاءِ التُّقَدِمِيَّةِ وَ الحَقِّ الطَّلِيْعِيِّ وَ الرِّسَالَاتِ الخَالِدَةِ كَمَا فِي حَالَةِ أَحْزَابِ اليَسَارِ الشِّيُوعِيَّةِ وَ القَومِيَّةِ العَرَبِيَّةِ البَعْثِيَّةِ وَ الإِشْتَرَاكِيَّةِ ، وَ يَبْدُوا أَنَّ اليَسَارِيِيْنَ وَ التَّقَدُمِيِيْنَ قَدْ وَجَدُوا فِي تَعْصُّبِهِمْ لِبَعْضِ قِيَادَاتِهِمْ التَّارِيْخِيَّةِ وَ الدِّيَالِكْتِيْكْ دِيْناً جَدِيْداً وَ سَلْوَىَٰ وَ تَعْوِيْضاً عَمَّا يَفْتَقِدُونَهُ مِنْ الرُّوْحَانِيْاتِ وَ المَرْجَعِيَاتِ الدِّيْنِيَّةِ كَمَا لَدَىَٰ أَهْلِ الجَمَاعَةِ وَ السُّنَّةِ وَ الصُّوْفِيَّةِ أَو أي مِنْ الفِرَقِ الدِّيْنِيَّةِ وَ الأَحْزَابِ الطَّائِفِيَّةِ الأُخْرَىَٰ ، أَمَّا النُّظُمُ العَسْكَرِيِّةُ الدِيْكْتَاتُورِيَّةُ فَقَدْ إِتَّجَهَتْ إِلَىَٰ الرَّئِيْسِ (القَائِدِ) (الزَّعِيْمِ) (المُلْهِمِ) فِي بِزَتِهِ العَسْكَرِيِّةِ وَ نَيَاشِيْنِهِ لِيَكُونَ رَمْزاً وَ مُجَسِداً لِآمَالِ الأُمَّةِ وَ سِيَادَتِهَا.
كَانَتْ إِخْفَاقَاتُ (الزُّولْ) السُّودَانِيِّ فِي السِّيَاسَةِ وَ الحُكْمِ مُتَعَدِدَةً فَقَدْ فَشَلَتْ كُلُّ الأَنْظِمَةِ الَّتِي تَعَاقَبَتْ عَلَىَٰ الحُكْمِ فِي السُّودَانِ فِي الحِفَاظِ عَلَىَٰ الخِدْمَةِ المَدَنِيَّةِ وَ فِي إِيْقَافِ الحُرُوبِ الأَهْلِيَّةِ وَ الحِفَاظِ عَلَىَٰ وُحْدَةِ البِلَادِ وَ فِي تَحْقِيْقِ التَّنْمِيَّةِ وَ التَّطُورِ وَ الرَّفَاهِيَةِ لِلمُواطِنِ البَسِيْطِ بَلْ عَجِزَتْ تَمَاماً حَتَّىَٰ عَنْ الإِيْفَاءِ بَأَبْسَطِ مُقَوِمَاتِ الحَيَاةِ كَالأَمِنِ وَ الصَّحَةِ وَ التَّعْلِيْمِ ، وَ أَخْفَقَتْ فِي إِصْدَارِ دَسْتُورٍ دَائِمٍ لِلبِلَادِ يُجَسِّدُ قَيَمَ وَ تَقَالِيْدَ وَ مَبَادِئَ الشَّعْبِ السُّودَانِيِّ وَ يَعْكِسُ تَنَوَعَهُ وَ يُعْبِّرُ عَنْ آمَالِهِ وَ تَطَلُعَاتِهِ فِي النُمُوِ وَ الإِزْدِهَارِ تَحْتَ مَظَلْةِ دَولَةِ الحُرِيَّةِ وَ العَدَالَةِ وَ المُسَاوَاةِ ، عِوَضاً عَنْ ذَٰلِكَ تُرِكَ أَمْرُ السِّيَاسَةِ وَ الحُكْمِ وَ التَّشْرِيْعِ لِلمُغَامِرِيْنَ مِنَ العَسْكَرِ وَ بَعْضٍ مِنَ السَّاسَةِ المَدَنِيِيْنَ الأَرْزَقِيَّةِ وَ أَصْحَابِ المَصَالِحِ الشَّخْصِيَّةِ مِنْ المُشَرِّعِيْنَ القَانُونِيِيْنَ مِنْ مَاسِحِيِّ الجَوخِ الطَّامِعِيْنَ فِي المَنَاصِبِ وَ الإِمْتِيَازَاتِ يُفَصِّلُونَ لَوَائِحَ وَ مَرَاسِيْمَ إِسْتِبْدَادِيَّةً لَا تُمَثِّلَ إِلَّا طُمُوحَاتِهِمْ الشَّخْصِيَّةَ ، قَوَانِيْنٌ وَ مَرَاسِيْمٌ تُكَرِّسُ لِزَعَامَةِ وَ تَسَلُطِ وَ طُغْيَانِ (السَّيِّدِ الرَّئِيْسِ القَائِدِ) وَ تَمَسُكِهِ وَ حِزْبِهِ الطَّلِيْعِيِّ بِزِمَامِ الأُمُورِ وَ المَوَارِدِ وَ تَضْمَنُ طُولَ بَقَاءِهِمْ فِي السُّلْطَةِ وَ كَذَٰلِكَ تُؤَمِّنُ مَصَالِحَ الرِّفَاقِ وَ الأَخْوَانِ فِي التَّنْظِيْمِ ، وَ قَدْ إِسْتَثْمَرَ بَعْضٌ مِنْ الطُّغَاةِ كَجَعْفَرْ النُمِيْرِي فِي الإِرْثَيْنِ الشِّيُوعِيِّ وَ الإِسْلَامِيِّ لِإِطَالَةِ أَمَدَ حُكْمِهِ أَمَّا عُمَرْ حَسَنْ أَحْمَدْ البَشِيْرْ وَ جَمَاعَةِ الأَخْوانْ المُسْلِميْنَ (الكِيْزَانْ) فَقَدْ تَاجَرُوا سِيَاسِيّاً فِي الدِّيْنِ وَ الإِرْثِ الإِسْلَامِيِّ لِلشَّعْبِ السُّودَانِيِّ وَ اسْتَغْلُوا سَمَاحَتَهُ وَ فِطْرَتَهُ السَّلِيْمَةِ وَ كَذَٰلِكَ سَذَاجَتَهُ السَّيَاسِيَّةِ وَ الدِّيْنِيَّةِ فَأَصْدَرُوا قَوَانِينَ مَسْخاً تُأَطِّرُ لِحُكْمِ الفَرْدِ وَ العُصْبَةِ وَ الفَسَادِ وَ تَحْمِيهُمْ مِنْ المُسَآءَلَةِ وَ تُرَسِّخُ أَرْكَانَ حُكْمِهِمْ وَ سُلْطَتِهِمْ ثُمَّ نَسَبَوا هَذِهِ القَوَانِيْنَ إِلَىَٰ الإِسْلَامِ وَ نَصَّبُوا أَنْفُسَهُمْ مُمَثِلِيْنَ لِلَّهِ فِي الأَرْضِ يَتَحَكَّمَُونَ فِي شِئُونِ العِبَادِ وَ البِلَادِ بِإِسْمِ الدِّيْنِ فَفَسَدُوا وَ أَفْسَدُوا وَ قَتَّلُوا.
وَ هُنَا يَطْرَأُ السُّؤَالُ:
مَا هِىَ الخِيارَاتُ المُتَاحَةُ الَتِّي يُمْكِنُ الرُّجُوعُ وَ اللُّجُوءُ إِلَيْهَا لِلحُكْمِ فِي بِلَادٍ تَسَودُهَا الأُمِّيَّةُ وَ الجَهْلُ وَ القَبَلِيَّةُ وَ الجَهَوِيَّةُ كَالسُّودَانِ؟
دَلَتْ التَّجْرُبَةُ السِّيَاسِيَّةُ فِي بِلَادِ السُّودَانِ عَلَىَٰ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُثْمِرْ اللُّجُوءُ إِلَىَٰ الدَّيْنِ يَكُونُ البَدِيْلُ هُوَ اللُّجُوءَ إِلَىَٰ القَبَلِيَّةِ وَ الجَهَوِيَّةِ فَكَانَتْ الإِدَارَاتُ الأَهْلِيَّةُ هِيَ المَلَاذَ لِلأَفْرَادِ وَ الجَمَاعَاتِ وَ الأَحْزَابِ السِّيَاسِيَّةِ وَ النُّظَمِ العَسْكَرِيَّةِ تَسْتَقْوَىَٰ بِهَا عَلَىَٰ خُصُومِهَا ، وَ يَبْدُوا أَنَّ النِّظَامَ المَدَنِيَّ وَ الحُرِّيَّةَ وَ الدِّيْمُقْرَاطِيِّةَ فِي بِلَادٍ مِثْلَ بِلَادِ أَهْلِ السُّودَانِ غَيْرَ مَرْغُوبٍ فِيْهَا بِدَلِيْلِ تَعَاقُبُ مُمَارَسَاتِ الأَحْزَابِ العَبَثِيَّةِ وَ الإِنْقِلَابَاتِ العَسْكَرِيَّةِ المُتَكَرَرَةِ ، وَ كَمَا فِي التَّجْرُبَةِ السُّودَانِيِّةِ فَغَالِباً مَا يُوصَمُ الحُكْمُ المَدَنِيُّ بِالعَلْمَانِيَّةِ وَ الإِلحَادِ وَ مُعَادَاةِ دِيْنِ الإِسْلَامِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ البَعْثَةُ المُحَمَّدِيَّةُ وَ كَذَٰلِكَ بِالإِرْتِهَانِ لِلغَرْبِ ”الصَّلِيْبِيِّ الكَافِرِ“ مِنْ قِبَلِ الأَرْزَقِيَّةِ مِنْ الدُّعَاةِ المُدَّعِيْنَ وَ السِّيَاسِيِيْنَ المُتَأَسْلِمِيْنَ ، وَ ذَٰلِكَ هُوَ مَا أَدَىَٰ إِلَىَٰ حَلِّ الحِزْبِ الشِّيْوعِيِّ السُّودَانِيِّ وَ طَرْدِ نُوابِهِ مِنْ البَرْلَمَانِ إِبَانَ حِقْبَةِ الدِّيْمُقَرَاطِيَّةِ الثَّانِيَّةِ فِي سِتُيْنَاتِ القَرْنِ العِشْرِيْنِ ، وَ هُوَ ذَاتُ مَا رَوَجَتْ لَهُ وَ أَفْتَتْ بِهِ جَمَاعَةُ الإِنْقَاذِ المُتَأَسْلِمَةِ وَ مَنْ لَفَ لَفَهُمْ مِنْ غُلَاةِ المُتَطَرِّفِيْنَ وَ بَعْضٌ مِنْ المُنْسَاقِيْنَ لِتَبْرِيْرِ الإِنْقِلَابِ عَلَىَٰ الدِّيْمُقْرَاطِيَّةِ فِي السُّودَانِ فِى نِهَايَاتِ القَرْنِ العِشْرِيْنِ ، وَ هُوَ ذَاتُ الهَرَجِ وَ المَرَجِ وَ الهَوسِ الدَّائِرِ فِي السَّاحَةِ السِّيَاسِيَّةِ فِي بِلَادِ السُّودَانِ الآنَ فِي القَرْنِ الحَادِي وَ العِشْرِيْنِ.
وَ يَرَىَٰ بَعْضٌ مِنْ المُفَكِرِيْنَ وَ السَّاسَةِ فِي المُجْتَمَعِاتِ القَبَلِيَّةِ الرَّعَوِيَّةِ وَ البَدَوِيَّةِ المُتَجَانِسَةِ التَّكْوِيْنِ العِرْقِيِّ وَ ذَاتِ المَصَالِحِ وَ الطُّمُوحَاتِ المُشْتَرَكَةِ وَ الَتِّي يَسْهَلُ ضَمَانُ وَلَاءِهَا البَدِيْلَ الإِدَارِيَّ المُنَاسِبَ لِلحُكْمِ عَلَىَٰ مُسْتَوَىَٰ القَوَاعِدِ وَ الأَفْرَادِ ، وَ حُجَّتُهُمْ فِي ذَٰلِكَ هُوَ أَنَّ لِلقَبَائِلِ إِرْثُهَا وَ أَعْرَافُهَا المُجَرَّبَةُ فِي الحُكْمِ وَ تَسْيِيْرِ الأُمُورِ الحَيَاتِيَّةِ وَ فِي فَضِّ النِّزَاعَاتِ دَاخِلَ القَبِيْلَةِ وَ مَعَ القَبَائِلِ الأُخْرَىَٰ ، وَ القَبِيلَةُ هِيَ الحَكَمُ وَ الرَّاعِيَةُ وَ المُدَافِعَةُ عَنْ مَصَالِحِ وَ طُمُوحَاتِ أَفْرَادِهَا عِنْدَ عَجْزِ وَ قُصُورِ الإِدَارَاتِ الحَكُومِيَّةِ عَنْ القِيَامِ بِوَاجِبَاتِهَا ، لَكِنْ مِنْ مَسَالِبِ ذَٰلِكَ النِّظَامِ إِنْحِيَازُ القَبِيْلَةِ لِأَفْرَادِهَا وَ مَصَالِحِهَا حَتَّىَٰ وَ لَوْ كَانَ ذَٰلِكَ خَصْماً عَلَىَٰ العَدَالَةِ وَ أَمْنِ الدَّولَةِ وَ حُقُوقِ قَبَائِلِ أُخْرَىَٰ ، تَسْلُكُ القَبِيْلَةُ فِي ذَٰلِكَ شَتَّىَٰ السُّبْلِ أَوَّلُهَا العُنْفُ وَ الإِقْتِتَالُ وَ تَارِيُخُ البَشَرِيَّةِ القَدِيْمِ وَ الحَدِيْثِ حَافِلٌ بِالأَمْثِلَةِ كَحَرَبِ البَسُوسِ وَ دَاعِسِ وَ الغَبْرَاءِ أَمَّا فِي السُّودَانِ المُعَاصِرِ فَمَا زَالَ المِثَالُ القَبَلِيُّ قَائِماً وَ مُتَجَسِداً نِزَاعَاتٍ وَ إِقْتِتَالاً عَلَىَٰ المَرَاعِي وَ الأَرْضِ وَ مَصَادِرِ المِيَاهِ وَ تَشْهَدُ عَلَىَٰ ذَٰلِكَ الحُرُوبُ القَبِيْلَةُ وَ الأَهْلِيَّةُ فِي الوِلَايَاتِ الجَنُوبِيَّةِ وَ وِلَايَاتِ دَارْفُورْ وَ وِلَايَاتٍ أُخْرَىَٰ فِي بِلَادِ السُّودَانِ.
وَ رَغْمَ ذَٰلِكَ فَقَدْ تَكَرَرَتْ حَدِيْثاً الصَّرَخَاتُ المُنَادِيَّةُ أَنْ لَيْسَ لِلمُوَاطِنِ السُّودَانِيِّ سِوىَٰ القَبِيْلَةُ تَحْمِيْهِ وَ تَرْعَىَٰ مَصَالِحَهُ وَ إِسْتِقْرَارَهُ!!! وَ كَانَ لِهَذِهِ الصَّرَخَاتُ صَدَىً فِي السُّودَانِ وَ فِي دُولٍ فِي الإِقْلِيْمِ يُظَنُّ أَنَّهَا مُسْتَقَرَةٌ تَحْكُمُهَا الأُسَرُ المَسْنُودَةُ بِالقَبَائِلِ ، وَ قَدْ فَاتَ عَلَىَٰ بَعْضٍ مِنْ المُغَنِيِيْنَ بِمَحَاسِنَ تِلْكَ الأَنْظِمَةِ وَ المُنَادِيْنَ إِلَىَٰ ذَٰلِكَ النَّوعِ مِنْ الحُكْمِ أَنَّ الإِسْتِقْرَارَ السَّطْحِيَّ وَ التَّنْمِيَّةَ المَظْهَرِيَّةَ الإِسْتِهْلَاكِيَّةَ فِي تِلْكَ البُلْدَانِ مَا هِيَ إِلَّا غِشَاءً لِبَرَاكِيْنَ تَغْلِي تَحْتَ السَّطْحِ ، وَ أَنَّ الإِسْتِقْرَارَ الظَّاهِرِيَّ كَانَتْ ضَمَانَتُهُ: القَمْعَ وَ إِسْتِغْلَالَ وَ تَوظِيْفَ الدِّيْنِ سِيَاسِيّاً وَ أَهَمَّ مِنْ ذَٰلِكَ كُلِّهِ كَانَ تَوظِيْفُ عَائِدَاتِ الزَّيْتِ المُجْزِيَّةِ فِي شَرَاءِ الذِّمَمِ وَ وَلَاءَاتِ القَبائِلِ.
وَ كَانَ اللُّجُوءُ إِلَىَٰ القَبَلِيَّةِ وَ الجَهَوِيَّةِ هُوَ عَيْنُ مَا انْتَهَجَتْهُ وَ احْتَمَتْ بِهِ الأَنْظِمَةُ المُخْتَلِفَةُ الَتِّي تَعَاقَبَتْ عَلَىَٰ حُكْمِ دُولَةِ السُّودَانِ المُعَاصِرِ وَ ذَٰلِكَ حَتَّىَٰ تَحْمِي مَصَالِحَهَا وَ تَشَبُّسَهَا بِالسُّلْطَةِ وَ كَرَاسِيْهَا ، لَكِنَّ النِّظَامَ الإِنْقَاذِيَّ المِتَأَسْلِمَ وَ دَولَةَ الكِيْزَانِ وَ حُلَفَاءَهُمْ مِنْ الأَرْزَقِيَّةِ السِّيَاسِيِيْنَ بَذَّوا كُلَّ مَنْ سَبَقُوهُمْ إِلَىَٰ السُّلْطَةِ فِي إِسْتِغْلَالِ وَ إِسْتِخْدَامِ الدِّيْنِ وَ القَبِيْلَةِ وَ الجِهَةِ لِتَكْرِيْسِ أَرْكَانَ سُلُطَةِ الكَيْزَانِ حَتَّىَٰ تَمَّ لَهُمْ القَضَاءَ عَلَىَٰ مَا تَبَقْىَٰ مِنَ الدَّولَةِ السُّودَانِيِّةِ.
فِي المُجْتَمَعِاتِ المُتَحَضِرَةِ مُتَنَوِعَةِ الأَجْنَاسِ وَ الأَعْرَاقِ تَنَوَّعَتْ وَ انْصَهَرَتْ المُكَوَنَاتِ عَبْرَ الزَّمَانِ وَ تَشَارَكْتْ فِي القِيْمِ وَ الرُّقَعِ الجُغْرَافِيَّةِ وَ تَشَابَكَتْ المَصَالِحُ فَكَانَ لَا بُدَّ مِنَ التَّحَاكُمِ إِلَىَٰ نَمْطٍ جَدِيْدٍ مِنْ الحُكْمِ غَيْرَ حُكْمِ القَبِيْلَةِ فَاهْتَدَتْ وَ تَوَافَقَتْ تِلْكَ المُجْتَمَعِاتُ المُتَمَدِّنَةُ عَلَىَٰ أَنْظِمَةٍ مَدَنِيَّةٍ فِي الحُكْمِ تُوجَدُ فِيْهَا أَرْبَعَةُ سُلُطَاتٍ تُفَعِلُّ دَوْلَةَ العَدْلِ وَ المُسَاوَاةِ وَ تَضْمَنُ لِلمُوَاطِنِ أَمْنَهُ وَ رَفَاهِيَتَهُ ، أُوْلَىَٰ هَذِهِ السُّلْطَاتُ هِيَ السُّلْطَةُ التَّشْرِيْعِيَّةُ وَ هِيَ إِخْتِيَارُ الشَّعْبِ الحُرِّ لِمُمَثِيْلِيْهِ فِي البَرْلَمَانِ وَ النَّاطِقِيْنَ بِإِسْمِهِ عَنْ طَرِيْقِ الإِقْتِرَاعِ ، وَ يَسْتَصْحِبُ هَٰؤُلَاءِ المُمَثِلُونَ البَرْلَمَانِيْونَ الدَّسْتُورَ وَ الأَعْرَافَ وَ كَرِيْمَ المُعْتَقَدَاتِ حِيْنَ يُشَرِّعُونَ وَ يُصْدِرُونَ القَوَانِيْنَ وَ اللَّوَائِحَ كَمَا يُرَاقِبُونَ السُّلْطَةَ التَّنْفِيْذِيَّةَ المُنْتَخَبَةَ مِنْ قِبَلَ الشَّعْبِ الحُرِّ ، وَ السُّلْطَةُ التَّنْفِيْذِيَّةُ هِيَ الثَّانِيَةُ فِي تَرْتِيْبِ السُّلْطَاتِ وَ هِيَ الَتِّي تَشْرِفُ عَلَىَٰ: أَمْنِ وَ صَحَةِ وَ تَعْلِيْمِ وَ تَنْمِيَّةِ وَ رَفَاهِيَّةِ الشَّعْبِ ، أمَّا القَضَاءُ المُسْتَقِلُ العَادِلُ فَهُوَ السُّلْطَةُ الثَّالِثَةُ وَ الأَهَمُّ فِي تَرْتِيْبِ السُّلْطَاتِ فَهُوَ الحَارِسُ لِلدَّسْتُورِ وَ القَوَانِيْنَ وَ القَيِّمُ عَلَىَٰ إِنْفَاذِ حُكْمِ القَانُونِ وَ الضَّامِنُ لِحُقُوقِ المُوَاطِنِ تُسَانِدُهُ أَجْهِزَةٌ عَدْلِيَّةٌ تَنْفِيْذِيَّةٌ تَضْمَنُ العَدَالَةَ وَ تُؤَمِّنُ المُجْتَمَعَ ، وَ الصَّحَافَةُ الحُرَّةُ النَّزِيْهَةُ وَ المُحَايَدَةُ هِيَ السُّلْطَةُ الرَّابِعَةُ الَّتِي تُرَاقِبُ السُّلْطَاتِ الثَّلَاثْ الأُخْرَىَٰ وَ الَتِّي لَا بَدَّ أَنْ تَتَقَيَّدَ بِالمَهِنَيَّةِ حَتَّىَٰ تَسْتَطِيْعُ القِيَامَ بِأَدْوَارِهَا المُنَوَطَةَ بِهَا عَلَىَٰ أَكْمَلِ وَجْهٍ تَفْعَلُ ذَٰلِكَ وَ عَيْنُهَا عَلَىَٰ المُوَاطِنِ وَ حُقُوقِهِ ، كَمَا أَنَّ هُنَالِكَ مُنَظَمَاتُ مُجْتَمَعٍ مَدَنِيَّةٍ مِنْ طَبِيْعَةِ وَ صَمِيْمِ عَمَلِهَا الإِنْحِيَازُ الطَّوَاعِيُّ إِلَىَٰ المُوَاطِنِ تُسَاعِدُهُ عَلَىَٰ التَّغْيِيْرِ وَ تَطْوِيْرِ ذَاتِهِ وَ تُعِيْنُهُ عَلَىَٰ التَّغَلُبِ عَلَىَٰ مَصَاعِبِ الحَيَاةِ.
الطَّرِيْقُ إِلَىَٰ الأَمَامِ:
فِي نِهَايَةِ هَذِهِ التَّخْرِيْمَاتِ وَ التَّبْرِيْمَاتِ الَتِّي تَبْدُو قَاتِمَةً يَقْفِزُ السُّؤَالُ أَيْنَ يَقَعُ طَرِيْقُ السُّودَانِ إِلَىَٰ المُسْتَقْبَلِ وَ البِنَاءِ؟
تَبْدُو الإِجَابَةُ وَ الحَلُّ النَّظَرِيُّ بَسِيْطاً فَهُوَ فِي إِرْسَاءِ أَرْكَانِ دَولَةِ: القَانُونِ وَ المُؤَسَسَاتِ وَ الحُرِيَّةِ وَ العَدَالَةِ وَ المُسَاوَاةِ وَ ذَٰلِكَ كَفِيْلٌ بِضَمَانِ التَّنْمِيَةِ وَ أَمْنِ وَ رَفَاهِيَّةِ الشَّعْبِ لَكِنْ تَكْمَنُ الصُّعُوبَةُ فِي التَّنْفِيْذِ فَالتَّطْبِيْقُ شَآقٌّ وَ العَثَرَاتُ تُلَازِمُ كُلَّ السُّبُلِ لَكِنْ الرِّهَانَ عَلَىَٰ الشَّبَابِ وَ طَاقَاتِهِ وَ عَلَىَٰ إِيْمَانِهِ بِحَتْمِيَّةِ التَّغْيِيْرِ وَ بِالنَّجَاحِ ، وَ قَدْ قِيْلَ أَنَّ ثُورَةَ التَّغِيِيْرِ تَبْدَأُ مِنْ الذَّاتِ:
(إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)
صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيْمُ
وَ يُؤمِنُ كَثِيْرُونَ أَنَّ البِدَايَةَ فِي تَرْبِيَةِ النَّشءِ وَ الأُمَّةِ السُّودَانِيِّةِ عَلَىَٰ القِيَّمِ الرَّفِيْعَةِ وَ فِيْهَا الأَسَاسِيَاتُ كَالصِّدْقِ وَ الأَمَانَةِ ، وَ فِي تَقَبُلِ النَّقْدِ وَ الرَّأَيِ الآخَرِ وَ التَّسَامُحِ ، وَ فِي فَنِّ الحِوَارِ وَ نَبْذِ العُنْفِ وَ فِي التَّنَازُلَاتِ وَ التَّسْوِيَاتِ وَ فِي العَدَالَةِ وَ القَانُونِ وَ حِفْظِ العُهُودِ:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَ أَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ)
(وَ السَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)
صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيْمُ
وَ فَوقَ ذَٰلِكَ كُلِّهِ يَأَتِي الصَّبْرُ عَلَىَٰ المَكَارِهِ وَ لَا تَبْلُغُ الدُّولُ وَ النُّظُمُ رُشْدَهَا فِي (رَمْشَةِ عَيْنٍ) أَو بَيْنَ لَيْلَةٍ وَ ضُحَاها كَمَا أَنَّ زَمَانَ النُّبُوَاتِ وَ المُعْجَزَاتِ قَدْ إِنْقَضَىَٰ ، وَ عَلَىَٰ الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ وُقُوعَ المُعْجَزَاتِ لَيْسَ بِعَزِيْزٍ عَلَىَٰ اللَّهِ سُبْحَانُهُ وَ تَعَالَىَٰ إِلَّا أَنَّهَا نَادِرَةُ الحُدُوثِ.
وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ وَ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَ أَتَمُّ التَّسْلِيْمِ عَلَىَٰ سَيِّدْنَا مُحَمَّدٍ وَ عَلَىَٰ آلِهِ وَ صَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ وَ عَلَيْنَا.

فَيْصَلْ بَسَمَةْ

fbasama@gmail.com
/////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً