15- أَكاذِيْبُ الحَاجَّة نَصْرَة- الطبعة الثانية من كتاب (رواكيب الخريف- مجموعة قصصيَّة)، .. بقلم: عادل سيد أحمد
8 مارس, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
66 زيارة
اشتُهِرَت (الحَاجَّة نَصْرَة)، وسط نساء الحي، بالبُوْبار، و الفشخرة، والكذب.
وكانت تلك الصفات التي تتصف بها (الحَاجَّة نَصْرَة)، مصدراً لكدرهن، وتأففهن، وسبباً كافياً لابتعادهن عنها، ومجافاة مُجالستها، لدرجة إقتربت من المقاطعة…
كانت تحكي عن جمالها الذي لا يوصف، في صباها، وثروة أبيها التي لا تنضب، وعن بطولاتِ، وشهاماتِ إخوانها، وعلى العموم، فقد كانت تنسب لنفسها، ولأهلها، كلَّ جميل:
– (ما دام البعرفوها ما حضروها!).
وكان عُمرها المُعلن، في هذا المجلس أو ذاك، يتناقصُ، طرداً، مع عددِ العارفاتِ به من الحضور، بحيثُ طابق، ذات مرّة، عمرَ بنتها البكر (إِنْتِصَار!).
– لذلك كلِّهِ، فقد ضِقن بها، و لم يحتملنها!
ولكن، ومع الزمن، وطولِ العُشرة، صِرن يَطِقنها، ويتحملّن وقعَ أكاذيبها عليهن، ويسمحن لها، أو يدنَوْن هُنَّ، من مجلسها، في مناسبات الحي العديدة، أفراحِه و أتراحِه، بل وصرن، رويداً رويدا، يستمتعن بحديثها، ومُبالغاتها، ومُباهاتها بما تملك، ولا تملك، وكانت أكاذيب (الحَاجَّة نَصْرَة) بدورِها، أكاذيبٌ بيضاءٌ، ومُهذَّبة، لا تضُرُّ أحداً، ولا تقحمُ سيرةَ النَّاس في ثناياها، ولا تتضمن إفشاءً لأسرارِهم، ولا تحتوي على أي بذاءةٍ، أو ساقطِ قوْلٍ…
– ومع ذلك، فإن الهفوات، والهِنَات كانت لتحدث، وتنكسرُ الجرّة مرّة، مرّة!
والحقيقةُ إن (الحَاجَّة نَصْرَة)، ومنذ طفولتها، وفي ريعان الشباب، اتصفت بالخيالِ الواسع، وَسُرعة البديهة بين أخواتها، وكانت، قبل الولوغ في الكذب، وإدمانه، كانت تمتلك قدراتٍ مُعترفًا بها، بين الجميع، في الخُروج، أو إخراجِ أترابها، ورفيقات دربها من المآزق التي تتطلب حفظاً لأسرارهن، وتفاديهن عقاب الأهل، وتجنيبهن أكثرَ المواقفِ إحراجاً، وتعقيد، لا سيما في مجتمعس ما فتيءَ يُحاصِر الفتياتِ في الصغيرة، والكبيرة، ويُحصِي عليهن أنفاسِهِن!
ولكن، بناتها اللائي كنَّ على درايةٍ، ومعرفةٍ برأي، وموقف نساءِ الحي من أُمَّهِن، ومن خيالها الجامح، الشاطح، الناطح، ذلك الموقف الساخرُ حِيْناً، منها، والمشفق عليها في أحيان، كُنَّ دائماً ما يخجلن من أمهن، ولها، ويدارينها بحَملِها على الصمتِ، إن كنَّ حاضرات في مجلسها، أو بالاعتذار الملطف، غير المباشر، عن رُشَّاقْ خيالها، ورائش أكاذيبها، وبوبارها، ومباهاتها في أغلب الأحيان، خاصةً إذا ما أصَابَ ذلك البُوْبَار، أو تلك المباهاة كبرياءَ إحدى نساء الحي الحاضرات، أو الغائبات: (في مقتل!).
ومن سلوكِهَا الكذُوب جاءَ، أيضاً، تمارُضُها المُتكرِّر، وادعاؤهَا الدَّائمُ للسقم.
وعندما طعنت في السن،زادت وتائر التمارض، كلما احتاجت لدعمٍ نفسي، أو تحسينٍ في مستوى التغذية، و المعيشة، أو عندما كان يبلغ بها السأم مبلغاً فوق احتمالها، في ابتزازٍ عاطفيٍ مَفضُوحٍ لجميع أفراد الأسرة، وحتى المقربين من المعارفِ، والجيران! وكانت تُجيدُ، في هكذا أحوال، دورَ المريضة، بحيثُ كان أهلُ الدار يعجزون، حقيقةً، عن معرفة حقيقةَ مرضِها من عدمها، ويحتارون، في تقييم نداءاتِها، واستغاثاتِها المُتقنة، أناتجةٌ هي عَن مرض، فعلاً؟ أَمْ هُوَ وهمٌ، ومحضُ ادعاء؟ أم هو كذبٌ صريح؟… بحيثُ خلقت تلك المرأةُ الموهوبة، ما يُمكن تسميته:
– (بِمَسْرحِ الحَاجَّة نَصْرَة!).
ومع ذلك، وبرغمه، وفي كل الأحوال، كانوا يقُومُون بالواجِب، ويحملون شكاواها على مَحمَلِ الجِّدْ!
ولكنهم كانوا يُلجِمُون تماديها في التَّمَارُض، وبالذات حينما كانَ يَدخُلُ الدواءُ، والعلاجاتُ الأخرى، دائرةَ الضُّوء، فقد كانت الأدوية تُخيفها، وتجبرها على أن تُخفِّف من ادعاءِتها، وأكاذيبها،لأنها كانت تتجنبُ أقراصَ الدَّواء، وتهابُ الحُقن وتكرههاكراهية العَمَى! وتقول وصوتها يرتجفُ من الرهبة:
– الإِبَار دِيْلَا، أنَا مَانِي دَايرَاهِن!
وفي فترةٍ طويلةٍ من حياتها، وقبل أن تدهمُها السُّنُون، ويفتُّ عضدَها الزَّمن، ساعدتها سُرعةُ بديهتها، وعدم تورُّعِها عن إطلاق الأكاذيب، ذات الشمال وذات اليمين، ليس في ابتدار أعمالٍ تجاريّةٍ فحسب، بل وفي التوسع فيها، أيضاً، مما سهَّلَ عليها دُخُولَ البيوتِ من أبوابها، وفكَّ الحصار، وإنهاء العزلة، حتى صارت أكاذيبها جُزءًا لا يتجزأ من بضاعتها المتواضعة، وصارت جاراتها ينتظرن مجيئها بفارغ الصبر، لا لشراءِ البضائع وحدها، وإنما للاستماع والاستمتاع بالقصص الخياليّة، من نسج خيالها الواسع، وبموهبتها الجبّارة، وعدم تحرجها عن استباحة الماضي، وماضيها، هي شخصياً بالذات:
– تشذيباً، وتنقيحاً، ومُوُنْتَاج!
وعندما شاخت (الحَاجَّة نَصْرَة)، ضعفت، وبطبيعة الحال، ذاكرتها، وأصابها داءُ النسيان، فصارت تَرْوِي الحدثَ، ذاته، برواياتٍ مُختلفةٍ، لا تتطابق فيما بينها، إن لم تتناقض.
وخلت الروايات، على تعددها، من الكذب الأبيض، اللذيذ، ومن حتى ظلاله، فباخت ونستها، وعازها التشويق، لدرجةِ أنَّ قُدَامَى المُحارِبَات من صديقاتها، وجاراتها المخضرمات، كنَّ يذكرنها بالروايات، و القصص المكذوبة، التي أطلقتها الحَاجَّة نَصْرَة أثناء مجالستهن، لعقودٍ من الزمن، فيلفتن نظرها، قائلات:
– لا يا حاجة نَصْرَة، أنتي الكلام ده نقَّصتيهو، زمان ما قلتي لينا كدي!
فتسرحُ (الحَاجَّة نَصْرَة) بعينيها الهائمتين، شاخصةً بنظراتها إلى نقطةٍ ما، فوق السقف، إن كانت راقدةً، أَوْ وَرَاءَ الأفق إن كانَتْ جالسةً، و تُطقْطِقُ أصابعَها الرقيقةَ، الطويلةَ، المُجعّدة بوهنٍ، وتقولُ لَهِن، بصوتٍ قادمٍ من التاريخ:
– صَدَقْتِنْ، عّدَّاكِنْ العِيْب!
ثم تبدأُ في نسجِ رواياتٍ أُخرى، جديدةً، تحملُ أكاذيباً طازِجَة، كانت تتعرفُ عليها مجالساتُها من نساءِ الحي لأولِ مرَّةٍ، متأوهةً تارةً… فَتَارة، وهي تهمهم:
– آه، يا حِلِيْلَنا نِحْنَا، الزَمَانَّا فات، وغنَّايْنَا مَاتْ!
وَعَندمَا تُوُفِّيَتِ (الحَاجَّةُ نَصْرَة) بعدَ طُولِ عُمْرٍ، وفاضَت روحُها، السَّمَحةُ، إلى بارئِها، نَعتها نِساءُ الحي مِن صَديقاتِها، ومعارفِها، وجَليساتِها، وبعض قريباتها، والجَارَات نعنها وهنَّ يستلهِمنَ كَذِبَها الحُلو في ذِكرِ مَحاسِنها، وتِعدَادِ مَناقبها، وبكين، بدمعْ الدمع، حظَّهُنَّ العاثر في فقدها، وأشفَقْن مِن غيابها الذي سيدوم، في مجالسِهِنّ، أبدًا! .