من أكبر الاعتراضات على دعوتي لفتح التحقيق في مذبحة بيت الضيافة (22 يوليو 1971)، الواردة في كتابي “مذبحة بيت الضيافة: التحقيق الذي يكذب الغطاس”، استحالة ان يقوم مثل هذا التحقيق في ظل دولة الإنقاذ القابضة.
وكانت هذه ألحن حجة قال بها بعض من ناقشوا الكتاب والدعوة بمحبة في ندوة طيبة برس بتاريخ 5 مارس 2018. وانحصر ردي عليهم في نقطتين:
1. لقد توافر بانتفاضة ابريل 1985 فضاء ديمقراطي للتحقيق في هذه المذبحة ولكن لم يحدث. ومظهر التعافي الوحيد الذي لاح في تلك الفترة هو بعث السيد الصادق المهدي لجثمان عمه الإمام الشهيد الهادي المهدي لمأرب لم يخف على أحد. واتصل بذلك البعث تحقيق في ملابسات مقتله شملت أصدقاء دارسة من عطبرة الثانوية الحكومية هما محمد المختار طلحة من الشرطة وأحمد حسين من الحكومات المحلية. وتمنيت على السيد الأمام أن لو كان شمل في يومه ذاك توقير كل الجثث مجهولة المقابر والتحقيق في مقاتل كل ضحايا عنف الدولة وغير عنفها مثل مذبحة بيت الضيافة، ومصرع الأستاذ محمود محمد طه. وكثير غيره. ولم يفعل الإمام لتقاصر قامته القيادية دون الوطن الذي اقبل عليه واكتفى بدائرة الأسرة وسياساتها.
2. أما النقطة الثانية فهي أن التحقيق في ملابسات مقتل الزعامات الوطنية وغير الزعامات وقبرهم في مكان قفر لم يطرأ حتى للمعارضين الأشاوس ممن قادوا الانتفاضة في التجمع النقابي والحزبي. واستثني منهم السيدة فاطمة أحمد إبراهيم والسيدة أسماء محمود محمد طه. وسأعود إلى حالتهما من زاوية الموت والجندر في كلمة قادمة. ورددت بؤس حساسية هؤلاء المعارضين إلى حق الموتى علينا، وعائده على سلامة السياسة عندنا، إلى مفهوم ساد فينا منذ عقود يسترخص الحياة من أجل القضايا السياسية والعقدية ويقبل الموت لأجلها فريضة لا محيص منها. وأطلقت على هذه العقيدة “الاقتصاد السياسي للاستشهاد” من فرط ابتذاله.
وتأسس هذه الاقتصاد بيننا بثورة أكتوبر 1964 التي عصفت بنظام الفريق إبراهيم عبود (1958-1964) إثر تشييع شهيد اغتاله النظام بجامعة الخرطوم. فأصبحت النظم العسكرية المتعاقبة تحرص على التكتم على جثث قتلاها ودفنهم في البراري القصية خشية العاقبة. ومن الجهة الأخرى، أصبح معارضوها يتربصون بها الدوائر ويتحينون سقوط شهيد برصاص النظام يؤذن بذهابه كما حدث في أكتوبر حذو النعل بالنعل. والاستشهاد ضريبة معروفة في الفداء بالطبع. ولكن ما ابتذله عندنا رهان الحكومة والمعارضة معاً على شهيد “يشنقل الريكة” على بينة دُبرية في ثورة أكتوير. فلم يعد الاستشهاد إرادة طرية غراء بل ارتهان لماض. فالمعارضة جعلت من الجسد سنارة لصيد “الحرية” الثمين. بينما ارتعبت منه الحكومة القاتلة ورأت فيه “عملاً” من فكي المعارضة فأبطلت مفعوله بدفنه في البراري الموحشة.
واضرب لكم مثلاً حياً سمعه مني من سمعني بإحسان عن فظاظة هذه الاقتصاد وحلكته. ففي خاتمة 1988 قامت مظاهرات ضد حكومة السيد الصادق المهدي التي ائتلف فيها حزبه، حزب الأمة، والجبهة الإسلامية القومية، وسياستها الاقتصادية. وكان من ورائها التجمع النقابي وسائر اليساريين الذين زادهم ضيقاً على ضيق تمكن الإسلاميين من توجيه الحكم تجاه أسلمة الدولة والترفع عن مساعي السلم مع القوميين الجنوبيين. وكنت من شهود هذه الواقعة الكأداء من اقتصاد الاستشهاد السياسي. فجاءنا من شارع الجامعة، ونحن مجتمعين بالميدان الشرقي بجامعة الخرطوم، من حملوا جنازة قالوا إنها لطالب بتلك الجامعة. ثم اتضح بعد التحقق أن الطالب المذكور حي يرزق لم يستشهد. وأمغصتني زهادة من حملوا الجثمان ومن حولهم في الشهيد بعد أن اتضح لهم أنهم حملوا شهيداً لا ميسم لجامعة الخرطوم عليه. وألقوا بعنقريب الجثمان على طرف من الاجتماع. وثار أحدهم لهذا الدرك الأخلاقي فصاح من المنبر: “إلا ان يكون من الجامعة لنعده شهيدا”.
ورجعت إلى صحف الفترة فوجدتها وثقت لهذا الواقعة انقل عنها مُلخصاً بياناً بالعمل:
الأيام (30 ديسمبر 1988)
سقط شهيد بضرب رصاص في موكب الأمس ضد زيادات السكر. فنقلته عربة إسعاف إلى المشرحة بمستشفى الخرطوم. فاقتحمت الجماهير المشرحة وحملوا القتيل مشتبهين أنه طالب بجامعة الخرطوم. وحملوه إلى الميدان الشرقي بالجامعة الذي انعقد فيه تجمهر معارض للتجمع النقابي وأساتذة الجامعة. ثم تأكد للطلبة أنه ليس طالب الجامعة المقصود. وصار قتيلاً غير معروف الهوية.
الأيام 1 يناير 1989
جرى التعرف على هوية قتيل تظاهرة 29 ديسمبر وهو طارق الشاذلي عضو الأمانة العامة لحزب الشباب الاتحادي الديمقراطي من عد حسين. وأبلغ عبد الناصر المجذوب مكي (28 سنة) تاجر بالسوق الشعبي أن المرحوم الشهيد توفي إثر طلقة من العربة 581 بيضاء اللون أطلقت النار على المتظاهرين بغير فرز. وسلمت السلطات جثته لأهله، وتتحرى كيف أدخلته المستشفى المشرحة بغير الأرنيك المخصص.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم