البَشِيرُ والجَّنَائِيَّةُ: سَيِّدِي زَيْنَ العَابِدِينِ .. التَّهْرِيجُ لَا يَلِيقُ بِمَجْلِسِكُمْ! .. بقلم: كمال الجِّزولي
(2)
(3)
لكن، ولأن مثل هذه التَّطبيقات المؤقَّتة لم تعد تجدي، فقد ارتفعت، هذه المرَّة، أعلى من أيِّ وقت مضى، النِّداءات الدَّوليَّة المطالبة بقضاء جنائي دولي دائم، فانعقد بالعاصمة الإيطاليَّة، بين الخامس عشر من يونيو والسَّابع عشر من يوليو1998م، تحت الضُّغوط الدِّيموقراطيَّة المتواصلة، مؤتمر الأمم المتَّحدة الدِّبلوماسي الذي اعتمد «نظام روما Rome Statute» لإنشاء المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، حيث دخلت حيَّز التَّنفيذ فى الأوَّل من يوليو 2002م، كمحكمة دائمة تختصُّ بمحاكمة «أكثر الجَّرائم خطورة في موضع الاهتمام الدَّولي the most dangerous crimes of international concern»، وتحديداً «الإبادة الجَّماعيَّة Genocide»، و«جرائم الحرب War Crimes»، و«الجرائم ضد الانسانية Crimes Against Humanity»، فضلاً عن جريمة «العدوان Aggression» التي أرجئ تعريفها إلى عام 2011م، لكن لم تُعرَّف حتَّى الآن.
(4)
أمَّا بشـأن «الإبادة الجَّـماعيَّة» فقـد اســتقرَّ الرأي، داخـل مجلس الأمـن، على ترك أمرهـا لتبتَّ فيه المحكمة نفـسها، حسـب توصية اللجنة، كما صرَّح بذلك، لدى زيارته للخرطوم، أواخـر سبتمـبر 2005م، خـوان مانديـز، المستشـار الخـاص للأمـين العـام للأمم المتحدة لمنع الإبادة الجَّماعيَّة (الأيام؛ 27 سبتمبر 2005م).
التَّحقيقات المستقلة التي أجراها الإدِّعاء الدَّولي، شاملة 17 بلداً، وأكثر من 100 شهادة، إضافة إلى الاطلاع على تقرير لجنة التَّحقيق الوطنيَّة التي كانت حكومة السُّودان قد كوَّنتها في وقت سابق، وشكَّلتها برئاسة دفع الله الحاج يوسف المحامي، أحد رؤساء القضاء السَّابقين، تمخَّضت عن توجيه الاتِّهام لعدد من المسؤولين، ابتداءً بأحمد هارون الذي كان وزير دولة بوزارة الدَّاخليَّة، وعلي كوشيب، الذي كان يقود مليشيا الجَّنجويد سيِّئة السُّمعة في ما يتعلق بجرائم الإقليم، وانتهاءً بعمر البشير، رئيس الجُّمهوريَّة، والقائد الأعلى للقوَّات المسلحة، ورئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم. كانت التُّهمتان اللتان وُجِّهـتا لهارون وكوشـيب ارتكاب «جـرائم حـرب» و«جـرائم ضدَّ الإنسـانيَّة»، أمَّا التُّهـم
(5)
إزاء هذه المعطيات تعيَّن على النظام السودانى أن يختار بين طريقين لا ثالث لهما:
هكذا اعتمدت الحكومة خيار المواجهة الخاطئة مع المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة على النحو الآتي:
ج/ وما أن أدركت الحكومة ضعف حُججها بهذا الاتِّجاه، حتَّى تحوَّل خطابها، في واحد من أخطر انقلاباته غير المنطقيَّة البَّتة، بل والعدميَّة تماماً، لا ليحتج «قانونيَّاً»، كما كان الأمر في البداية، على مجرَّد إحالة الملف إلى المحكمة، بل ليشجب المحكمة نفسها «سياسيَّاً»، وبلا هوادة، في كلِّ مناسبة، وكلِّ منبر، وعلى ألسنة كلِّ رسميي الحكومة، وبأقلام جميع صًحفيِّيها وإعلاميِّيها، بزعم أنها محض ثمرة لـ «الاستكبار الدَّولي»، وأداة لـ «الهيمنة» و«التسلط»، ومعول هدم لـ «السَّيادة الوطنيَّة»، استناداً إلى مفهوم «السَّيادة» الذي عفى عليه الزَّمن من عهد «وستفاليا»، وليعلن، من فوق ذلك كله، عن عدم استعداد الحكومة للتَّعاون معها، بل وليُعَمِّد كلَّ من لا يوافق على هذه السِّياسة «خائناً أعظم»! هذا الموقف يثير، من فوره، ملاحظتين غاية في الأهميَّة:
الملاحظة الثانية: أن مجابهة الحكومة مع المجتمع الدَّولي خطت، في هذا الشَّأن، خطوة أكثر وسعاً، وأقلَّ تحسُّباً، لا في المستوى الرَّسمي، فحسب، وإنَّما في المستوى المدني أيضاً! فالمحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة لم تتأسَّس، مطلع الألفيَّة، كمحض عمل من أعمال العلاقات التَّواثقيَّة بين الدُّول، بل، أيضاً، وكما قد رأينا، كتتويج لجهد مدنيٍّ خارق، وحملة شعبيَّة عالميَّة ضارية شارك فيها، على مدى عشرات السَّنوات، ملايين النَّاس من شتَّى البلدان، وآلاف الأحزاب والتَّنظيمات السِّياسيَّة، والمنظمات الطوعيَّة والإنسانيَّة، والمراكز الأكاديميَّة والبحثيَّة، والجَّمعيَّات العلميَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة، والمؤسَّسات الصَّحفيَّة والإعلاميَّة المستقلة، والشَّخصيَّات البارزة، من مختلف المدارس والاتِّجاهات الفكريَّة الدِّيموقراطيَّة. ولا تزال هذه الحملة تتصاعد، في الوقت الرَّاهن، بتنسيق من «التَّحالف الدَّولي لأجل المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة CICC»، للدَّفع باتِّجاه المزيد من الانضمام إلى «نظام روما»، إما بالتَّوقيع والمصادقة، أو باستكمال إجراءات المصادقة، كما كانت حالة السُّودان قبل سحب توقيعه. والأهمُّ إثارة الاهتمام، وخلق الوعي، بضرورة هذه المؤسَّسة العدليَّة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، وجدواها «التَّكميليَّة»، بالنِّسبة للشُّعوب، خصوصاً ملايين المدنيِّين العاديِّين من ضحايا الانتهاكات ذات الطابع الجَّنائي الدَّولي بالأساس، كلما تعذَّر، لأيِّ سبب، تطبيق القوانين الوطنيَّة. تلك هي الحقيقة الابتدائيَّة الأساسيَّة التي ينبغي أن توضع نصب الأعين دائماً، وألا تغيب عن الأذهان لحظة، لدى أيِّ حديث عن هذه المحكمة، كونها مطلباً ديموقراطيَّاً عالميَّا، لا محض مؤامرة «استكباريَّة» دوليَّة!
لا توجد تعليقات
