بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الأولى
اللهُ أكبرُ.. اللهُ أكبرُ.. اللهُ أكبرُ وللهِ الحمد.
الحمدُ للهِ والصّلاةِ والسلامِ علَىَ حبيبنا محمد، وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ هو القائل: “اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ”.
أحْبَابي فِي اللهِ وأخوانيِ فيِ الوطنِ العزيز،
أبارك لكم حزمة من البركات: موسم الحج، وعيد الأضحى، وعيد العبور الوطني.
لقد شقي وطننا بنظام: آفة الشرق حاكمٌ معبودٌ وشعوبٌ تذلهنَّ قيودٌ. ويخوض وطننا الآن مرحلة تاريخية جديدة تأذن بإقامة ولاية الأمر على رضا الناس، فلا مشروعية لولاية لا تقوم على المشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة حكم القانون.
في عيد الأضحى الماضي فصلنا المظالم التي ارتكبها الأعداء في حق أمتنا.
اليوم أذكر ظلم أمتنا لنفسها بموجب ثالوث مقيت هو الجمود الفقهي، والركود الفكري، والركون للاستبداد.
قال صاحب جوهرة التوحيد مؤسساً لهذا الجمود:
ومالكٌ وسَائرُ الأئِمَّة وأبو القاسمْ هُداةُ الأمَّة
فواجبٌ تَقليدُ حَبْرٍ مِنهُمُ كَذَا قَضَى القَوْمُ بِقَولٍ يُفْهَمُ
والتبلد الفكري أسسه تغييب العقل البرهاني بقولهم:
العِلمُ ما كانَ فيهِ قالَ حَدَّثَنا وَما سِوى ذاكَ وَسواسُ الشَياطينِ
وقولهم: من تمنطق فقد تزندق. المنطق تمرين عقلي رابط بين المقدمات والنتائج ولا علاقة له بالمعتقدات.
أما الركون للاستبداد فقد قال ابن حجر العسقلاني: لقد أجمع الفقهاء على طاعة المتغلب والقتال معه دعماً للملك العضوض بمعنى إذا خالفته عضك. مع أن نبي الرحمة قال: “إذَا رَأَيْتَ أُمَّتِي تَهَابُ الظَّالِمَ أَنْ تَقُولَ لَهُ: إِنَّكَ ظَالِمٌ، فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ”.
في هذا المناخ غابت المقاصد عن كثير من الشعائر، ووجب التذكير بها فمقاصد الحج ترسيخ عقيدة التوحيد، واستنزال رحمة الله، ومناجاته، والرمز لوحدة الأمة، وتجريد الناس من مظاهر الفوارق بينهم، وإتاحة المجال للتعارف بين الناس، (لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ).
خروجاً من هذا المستنقع نكرر الدعوة للحرية الفكرية (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ)، وكفالة حرية العقيدة (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ)، وكفالة الاجتهاد الفقهي فالأحكام تتغير مع ظروف الزمان والمكان والحال، وكما قال الإمام عليه السلام لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال.
أما الخلاف السني الشيعي فعلينا أن نقبل بعضاً ملة واحدة تؤمن بالتوحيد لله وبالنبوة وبالمعاد وبمكارم الأخلاق وبالأركان الخمسة. ما عدا ذلك اختلاف مذهبي لا يلزم بعضنا الآخر. قدمنا “نداء المهتدين” لتحقيق ذلك.
والحج لمن استطاع إليه سبيلاً. أما الحج الإداري الممول خارج نطاق الاستطاعة فهو علاقات عامة لا عبادة.
والأضحية سنة مؤكدة، ويجب أن تكون قرباناً يقدمه المستطيعون بلا مشقة على أنفسهم، خالياً من العيوب، وأمرها كما جاء في التنزيل: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْۚ).
وفي كل هذه الشعائر ظهرت مستجدات توجب الاجتهاد لتحقيق المقاصد.
أحْبَابي فِي اللهِ وأخوانيِ فيِ الوطنِ فيِ العزيز
الحروب التي تشتعل في منطقتنا كما في اليمن، والتوتر بين الأشقاء في الخليج، والاقتتال في سوريا وليببيا، والإعداد لمواجهة دامية بين أهل السنة والشيعة؛ تفتح أبواب مضرة لكافة أطرافها ولا بد من احتوائها. قال الرئيس الأمريكي السابق نكسون في كتاب بعنوان “نصر بلا حرب”، قال مشيراً للحرب العراقية الإيرانية في القرن الميلادي الماضي إنها حرب نرجو ألا يكون فيها منتصر، أي الرجاء أن يدمر الطرفان بعضهما الآخر.
فريق يضمني مع عدد من الحكماء سوف يتصل بأطراف النزاع المعنية في هذه المجالات داعياً لمصالحة سنية شيعية، ومصالحة خليجية، ومصالحة يمنية.
هنالك حاجة ماسة لتجنب تدابير الهيمنة الدولية، وتوجيه الموارد لنهضة الأمة، ولمشروع تنموي بين ضفتي البحر الأحمر، ولإبرام اتفاقية أمنية ثلاثية الأضلاع: عربية، إيرانية، تركية؛ تقوم على التعايش السلمي وعدم التدخل في الشئون الداخلية.
الاحتراب الحالي والاستعداد لاحتراب أوسع لا يجدي، بل يلحق الضرر البشري والمادي بكافة أطرافه فالدين، والقومية، والوطنية، بل الإنسانية تلزمنا أن نعمل على إخماد هذه الحرائق وحقن هذه الدماء وتجنب مقولة:
يَكْفِيكَ أَنَّ عِدَانَا أَهْدَرُوا دَمَنَا وَنَحْنُ مِـنْ دَمِنَا نَحْسُو وَنَحْتَلِبُ
أحْبَابي فِي اللهِ وأخوانيِ فيِ الوطنِ فيِ العزيز
في عالم اليوم عوامل تلزم عقلاءه العمل بجدية على بسط السلام وتجنب الاحتراب هي:
أولاً: صار للدول إمكانات دمار نووي شامل سوف يؤدي في حالة الحرب لدمار الكوكب.
ثانياً: الاحتباس الحراري ينذر بشهادة علماء البيئة بجعل الأرض فرناً، والزحف الصحراوي يهدد أكثر من بليون شخص في العالم خاصة في حزام السودان العريض وغربي آسيا، ويتطلبان عملاً أممياً جاداً لسلامة البيئة.
ثالثاً: الغلو والإرهاب المصاحب له لا يحارب بالوسائل الأمنية وحدها لأن له أسباباً تتطلب علاجاً وإلا استمر واتسع في العالم.
رابعاً: يعاني العالم من انفجار سكاني يتطلب وعياً بمخاطره والتصدي لها.
خامساً: ترك بلاد تعاني الفقر وويلات الاحتراب سوف يزيد حتماً من الهجرات غير القانونية لحيث الأمن والرخاء.
سادساً: قضايا الاتجار بالبشر، والمخدرات، والسلاح، وغسيل الأموال وكافة أشكال الجريمة متعدية الحدود تحتاج لتناول محيط.
سابعاً: قضية المياه الدولية والنزاعات المتعلقة بحروب المياه يتطلب حلها إطاراً شاملاً.
هذه العوامل تتطلب حوكمة واعية بعيدة النظر في العالم، وإلا فالكل سوف يدفع الثمن. لقد تناولت اجتهاداتنا اقتراح حلول لهذه القضايا. حلول نرجو أن يتبناها السودان الحر.
أحْبَابي فِي اللهِ وأخوانيِ فيِ الوطنِ العزيز،
لقد استنهضت الثورة المباركة شعبنا لا سيما النساء والشباب، وشارك فيها بحماسة السودانيون بلا حدود المقيمين خارج الوطن. وعبرنا نحو مرحلة جديدة عبر عنها الاتفاق على الإعلانين السياسي والدستوري، تشكل بداية الطريق نحو بناء سودان الحرية والديمقراطية والعدالة والسلام. مرحلة حققنا فيها الممكن في ظروف الواقع. مرحلة استشهد وجرح في الطريق إليها أعزاء كتبوا بدمائهم وتضحياتهم صفحات في فلاح الوطن، ألا رحم الله شهداءنا وعجل بشفاء المصابين. ولا بد أن يكشف التحقيق المستقل العادل حقيقة ما حدث، والقصاص من الجناة.
قلنا: الواجب أن يسند لجهة اختصاص بيان كل الأحداث الظالمة التي لحقت بالبلاد منذ استقلالها. لقد ارتكبت جرائم حرب أثناء الحروب التي وقعت في البلاد، وهنالك جرائم بطش ارتكبها طغاة اليسار أثناء ولايتهم في النظام المايوي، وجرائم بطش ارتكبها اليمين الإسلاموي في العهد المباد، جرائم تتطلب بيان الحقائق وإنصاف الضحايا.
قيام الحكم على المشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة حكم القانون في العهود الديمقراطية عصم الحكام من سفك الدماء وسرقة الموارد، ومع ذلك ينبغي أن يشمل التحقيق كافة العهود لتبرئة الأبرياء وإدانة الآثمين.
وعلى أية حال يرجى أن يشفع التزام الصالحين من أمتنا فتنجو وتصير قدوة لمن يقتدي، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ).
اللهم أهدنا واهد أبناءنا وبناتنا، وأرحمنا وأرحم أباءنا وأمهاتنا، وتقبل دعاءنا واستغفارنا نحن إلى رحمتك فقراء ووعدت صادقاً: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء).
بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الثانية
الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر ولله الحمد
الحمد لله القائل: (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ) والصّلاةِ والسلامِ علَىَ حبيبنا محمد، وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ القائل: “أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةَ حقٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ”.
أحْبَابي فِي اللهِ وأخوانيِ فيِ الوطنِ فيِ العزيز
عيد بكل جديد عدت يا عيد ومضى عهد تدجّـلُ فيه الأكاذيبُ
السودان وطن ذو خصائص. قال المؤرخ الصقلي اليوناني ديودورس: يجمع المؤرخون أن السودانيين هم أول الخليقة من البشر، وأول من عبد الله وقرب القرابين، وأول من خط بالقلم.
وكانت كوش وعاصمتها كرمة، ثم مروي، مؤسسة لأطول حضارة عمران بلغ ألف عام من القرن السادس قبل الميلاد إلى القرن الرابع الميلادي.
بعد ذلك تنصر السودانيون سلمياً، وأقاموا ثلاث ممالك منيعة استعصت على الفاتحين. ثم أسلم السودانيون سلمياً وأٌقاموا ممالك مستقلة إلى أن تعرضت البلاد للغزو.
قاوم السودانيون الغزاة في أروع ثورة تحرير في القرن التاسع عشر، ثورة وصفها مؤرخ منصف هو عبد الودود شلبي بأنها جسدت تطلعات أهل القبلة في زمانها، مقولة سبقتها على نفس المنوال مقولة أحمد العوام أحد زعماء الثورة العرابية المصرية.
وفي القرن العشرين حقق أهل السودان بالقوة الناعمة أروع حركة استقلالية رائدة في القارة الأفريقية. قال المؤرخ السوداني حسن أحمد إبراهيم عن الإمام عبد الرحمن إنه اتبع أسلوباً ناعماً مكنه من تحقيق أهدافه سلمياً ما استحق معه أن يوصف بأهم سوداني في القرن العشرين
اشتهر السودانيون في تقدير كثير من عاشروهم بصفات سماها الأمير الحسن بن طلال في اجتماع في عمان في عام 1987م، إنسانيات سودانية فريدة، وعدد منها تقديس الكرامة، والتسامح، والتواضع وغيرها مما فصلته في كتابي “إنسانيات سودانية وقضايا اجتماعية “.
بعد الاستقلال مارسنا ديمقراطية لبرالية كاملة الدسم، ونهجاً خارجياً مستقلاً خالياً من المحورية.
وفي بلادنا أطيح بالديمقراطية ثلاث مرات.
كانت الإطاحة الأولى على يد رئيس وزراء منتخب ضاق ذرعاً بممارسات حزبية فسلم السلطة للجيش برغم رفض مجلس إدارة حزبه للفكرة، ثم ندم على ما فعل وشارك في معارضة النظام العسكري.
كانت المرة الثانية من فتل تنظيم “الضباط الأحرار” بدعم ناصري، مشوب بمشاركة شيوعية والت الشعب الأعزل ببطش دبابات وطائرات سودانية وغير سودانية قصفت العزل في الجزيرة أبا وودنوباوي في مذابح لم يشهد السودان مثلها في التاريخ الحديث، وانتهى المدبرون إلى الندم على ما فعلوا، ومَنْ أَعَانَ ظَالِمًا سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وقد كان.
وكانت المرة الثالثة على يد اتجاه أخواني أذاق الناس ويلات الاستبداد الدموي والفساد المتغلغل والاستعلاء العنصري، ثم انقسم على نفسه وندم بعض المدبرين على ما فعلوا وصاروا ضحايا للنظام الذي أقاموه.
ولكن روح التسامح الأصيلة في الشعب السوداني سمحت للحزبين رغم التجارب المرة بالوجود في الجسم السياسي السوداني. ولو تدبروا الأمر لراجعوا منطلقاتهم الإقصائية وانخرطوا بصدق في هندسة بناء الوطن، ولكن تصرفات بعضهم الآن تدل على عرقلة المسيرة الوطنية الديمقراطية، تشدهم أشواق الشمولية الإقصائية المغلقة.
أحْبَابي فِي اللهِ وأخوانيِ فيِ الوطنِ فيِ العزيز
إن مسيرة التاريخ لبناء وطن السلام والديمقراطية سوف تمضي إن شاء الله. ونحن حداة هذه المسيرة بقدر ما ساهمنا في مقاومة النظام البائد قد عزمنا الاستعداد بكل شروطه لحماية مكاسب شعبنا التاريخية لبناء السلام والديمقراطية والعدالة الانتقالية مهما كلفنا ذلك. وقد أعددنا “مصفوفة الخلاص” التي ترصد ملامح العزم المطلوب في أكثر من عشرين ملفاً من ملفات الأجندة الوطنية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم