قُنْبُلانْ- حَدَثَ هذا في بُيُوتِ الأَشبَاح- الحَلَقَةُ الثَّانِيَة
11 ديسمبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
24 زيارة
كان من المُقرر أن تقوم المظاهرة التي رتّب لها التجمّع الوطني الديمقراطي بالعاصمة المثلثة، أن تتم في عصر نفس يوم مداهمة الطاحونة، في الساعة الخامسة مساءً بالتحديد، و لكن حَدَس ما حَدَس، وتمت المداهمة، و قطعت الطريق أمام قيام المظاهرة.
– و لكن بمن؟ يُمكن لي أن أتصل… و ما حجم المراقبة التي أتعرض لها؟ و هل التأنِّي في اعتقالي مقصود؟ أم هو مجرّد غفلة وهنَّة من هنات أغبياء الأمن ؟ و كيف يمكن للخسائر أن تكون أقل ما يمكن؟
تلك كانت هي الأسئلة التي دارت بذهني، و أنا أرتب حالي، و أستعد لأسوأ الفروض.
بعد أخفائي الوثائق المهمة، و جمع الكتب الماركسية و الأخرى الدائرة في فلكها، في كرتونة و إرسالها إلى مكان آمن، و تمزيق وحرق بعض الأوراق و منها ما هو هام، توصلت إلى قراري التالي:
– (لن أذهب لكائن من كان من الزملاء، تضييقا لمساحة المعلومات التي يُمكن أن تتاح لمصادر جهاز الأمن، و الاكتفاء بذهابي لموقع المظاهرة، في الوقت المحدد لها، بغرض سحب الزملاء و توجيههم في نفس الاتجاه: (أقل الخسائر!)…
و قبل الموعد المضروب، حلقت ذقني، و تهندمت، و تحركت في توقيت مناسب، وفي مسار متعرّج نحو لفة الكلاكلة القبة (اللفة) موقع المظاهرة الإفتراضي.
و قد كان الوالد، حينها بالبيت، يكسوه القلق وتُمسك بتلابيبه (أم هلَّاهلَّا) من حالة (جُوك… جُوك!).
في اللفة، كان عساكر الأمن مبثوثين كحشرات الخريف، بكثافة، و تفيض قماءتُهم وتقبح أشكالهم البائسة زوايا المكان.
و كان الزملاء وأصدقاؤهم قد شعروا بالوجود الأمني الكثيف، و من بينهم كان الأقرب لي، من حيثُ الموقع، الرفيق (مالك سليمان)، فاقتربت من مالكٍ و قلت له:
– اسحب الزملاء يا رفيق، لأن المظاهرة: طرشقت!
و عدت، بعد ذلك الإجراء، فورا إلى بيتنا، منتظرا الأعتقال، و لكنه تأخر مرّة أخرى، و نمت عميقا، إذ كان الفأس قد وقع في الرأس، و أصبح دخولي بيت الأشباح: (مسألة وقت، لا غير!).
وبعد ذلك، و على فترات متقطّعة، و من عدة أشخاص، و بروايات مختلفة… علمت ببعض ما جرى في اللفة و في الحي بأكمله (الكلاكلات)، فيما تبقى من تلك الأمسية من شهر مايو عام 1994م.
و قد تم اعتقال الزميل ناظم، ذلك الطفل السمين، وهو يحمل علبة بمبان، كان قد جاء بها معه من مدينة الشجرة، ليشارك في التظاهرة، ولكن، تم اعتقاله، و تعذيبه، و أودع بيت الأشباح حيث التقينا.
وبعد عدة أيّام، لمحته، وحكيتُ لاحقاً ما حكاه لي ناظمٌ لضابط المدرعات معاش الملازم الساخر (الصادق محمد علي) والذي كان يشاطرني الإقامة في الزنزانة رقم إثنين، وقد أسماه سعادة الملازم السَّاخِر بعد سماعه الحكاية، أسماه: (قُنْبُلان!)…
amsidahmed@outlook.com