هيئة علماء السودان .. الدمج او التسريح ! .. بقلم: محمد موسى حريكة
1 أبريل, 2021
المزيد من المقالات, منبر الرأي
68 زيارة
يعود تأسيس هذه الهيئة الي عشرينيات القرن الماضي كمؤسسة دينية إسلامية تقوم بدور الافتاء في شئون المسلمين وما يتصل بأمر عباداتهم من ذكاة وحج وامور شرعية ، ورغم انها لم تكن منفصلة عن الشأن السياسي والعام بصورة مطلقة الا ان دورها تعاظم مع التطور السياسي حتي أسفرت عن دورها الحقيقي كرافد من روافد الاسلام السياسي عقب اعلان النميري لقوانين سبتمبر 1983 وتوجت دورها العلني لتصبح حالة مركزية في السياسة والحكم بعد ان استخدمها الاخوان المسلمون كفصيل سياسي وذراع ديني (باطش)عقب وصولهم للسلطة في انقلاب يونيو 1989.
استطاعت تلك الهيئة الانغماس في السياسة بل انها أصبحت الموجه والقائد في اقدم صراع سياسي واستطاعت ان تحول المشكل السوداني الي صراع ديني في تلك الحرب الجهادية التي أدت في نهاية المطاف الي انفصال جنوب السودان نتيجة لما خلفته تلك الحرب الدينية من مرارات فى وجدان الانسان الجنوبي العادي نتيجة لاستهدافها لمعتقداته وثقافته ووجوده ، ولم تزل تمتد رؤية تلك الهيئة
القاصرة لتسهم في تاجيج الصراع وتمزيق الدولة في النيل الأزرق وجنوب كردفان.
يمكن القول ان تلك الهيئة هي بمثابة (كتيبة جنرالات) يستخدمها النظام الاستبدادي لتمرير مشاريعه السياسية مستخدما المسوغ الديني حسب الطلب وبما تقتضيه المناورة السياسية في عالم تتداخل فيه السياسة وتعقيداتها التي يمكن تمييعها باستخدام العقائد والقفز علي الحقائق بالمسوح الديني ومغازلة الوجدان العقائدي حسب الراهن ومزاج السلطة.
قد نصاب بالدهشة اذا علمنا انه في احد الندوات التي اقامها اتحاد الكتاب السودانيين في عهد المخلوع البشير حول قضية التكفير ومن اجل طلاء مساحيق زائفة علي الديكتاتور ونظامه وصف الأمين العام لهيئة علماء السودان ابراهيم الكاروري العلمانية بانها (ليست سيئة) وقال ان الانفصام الكاذب هو الذي يرفضها !
مشيرا (ان حديثه ليس تبريرا للعلمانية وإنما تحريرا وتوظيف للنص القرآني من غير ان يؤثر التناقض علينا)
لاحظ قمة التبرير والانتقال الممرحل في حضرة الاستبداد وخداع الرأي العام المحلي والدولي وذلك الاعتراف الصريح بتوظيف النص القرآني حسب الطلب .
لقد ظلت تلك الهيئة غائبة تماما عن مشكلات وقضايا الانسان السوداني من قتل وانتهاك للحريات واغتصاب في تلك الحروب الضروس التي دارت في ارض السودان من نمولي الي كجبار ومن بورتسودان الي الطينة اللهم الا تقديم بعض قادتها قتلي في أتون تلك الحروب (محجوب حاج نور )ولكنها ظلت حاضرة في مآدب وليالي الديكتاتور المخملية حينما افتت للديكتاتور بالتخلص من ثلث شعب السودان للإبقاء علي مجد السلطة .
اوليس عبد الحي يوسف هو احد كهنتها الذي يقتات من فتات السلطة ليقيم تلك الإمبراطورية المليارية من عطايا الواهب الرزاق المشير البشير ؟
ظلت الهيئة ترمي بثقلها في الدفاع عن رغائب النظام وسدنته وهي تغبش الوعي وتناهض كلما يخرج السودان من عزلته في شكل تلك المواثيق الدولية المرتبطة بحقوق الانسان وكرامته. والتزمت علي الدوام الحط من قيمة الانسان.
ناهضت ولم تزل كل القوانين التي ترمي الي اخراج المرأة من كهوف التخلف والإذعان (سيداو) و تجريم ختان الإناث ، وفي الذاكرة فتوي النائب البرلماني في برلمان المخلوع والداعية الديني دفع الله حسب الرسول وهو مناهضا لحملة (سليمة) النثوية المناهضة لختان الإناث حيث قال (المرأة غير المختونة عفنة) ! علينا فقط ان نتصور ان هذا هو أقصي وعي احد أساطين تلك الهيئة مستخدما حاستي الشم والذوق للوقوف امام مشروع انساني اممي يتعلق بسلامة الانسان ، وهو ينتسب لهيئة توظف النص القرآني لسعادة البشرية كما تقول ديباجتها .
هيئة علماء السودان هي في الواقع كتيبة من الجنرالات الدينيين يزودون عن الدولة الدينية من وراء (قلعة) تم تصميمها وبناءها من حجارة معتقداتنا الكريمة ، وهم مجرد شخوص تحركهم مصالحهم الدنيوية ، ويستبسلون في استدامة أركانها باستخدام فتاوي دينية حسب العرض والطلب.
ونحن الان في عصر ثورة التغيير من اجل سودان ينهض من تحت الركام ، لم تزل تلك الهيئة ذاتها تعمل علي صد رياح التغيير والانتقال الي دولة المواطنة بديلا عن دولة عقود الاذعان والذل .
وخرجت في عجلة من امرها واجزم انها لم تقرأ حتي نصوص اتفاق المبادئ بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية ولم تعقد جمعيتها العمومية ، خرجت بذلك البيان الحجري واصفة البرهان الذي وقع نيابة عن الحكومة السودانية بانه (تجاوز حدود ما أنزل الله ).
ذلكم هو خلاصة فكرها وأقصي حدوده في نظرتها لكتاب الحرب والسلام والتقدم والتخلف في بلاد السودان.
وبما ان هذه الجماعة وفيما يبدو انها مجرد كتيبة جنرالات دينيين ، ينبغي تسريحها او اعادة دمجها في مجمع الفقه الإسلامي وذلك وفقا للترتيبات الامنية. والغريب في الأمر ان البرهان لم يتقدم للنائب العام لفتح بلاغ في تلك الهيئة التي افتت بانه خارج حدود ما انزل الله ، وحتي كتابة هذه السطور !!