اندلعت مساء اليوم الأحد مواجهات في محيط القصر الجمهوري في الخرطوم بين قوات الأمن السودانية وحشود كبيرة خرجت للتظاهر في الذكرى الثالثة للثورة للمطالبة بحكم مدني ديمقراطي، وفي حين حذر رئيس الوزراء عبد الله حمدوك من تراجع مسيرة الثورة تعهد رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان باستكمال أهداف الانتقال الديمقراطي.
وقد أطلقت قوات الأمن قنابل الغاز المدمع على المتظاهرين عقب وصول حشود كبيرة إلى محيط القصر الجمهوري، وتحدث ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي عن سعي المحتجين للاعتصام عند القصر.
وكان مراسل الجزيرة أفاد بأن المتظاهرين وصلوا إلى محيط القصر الجمهوري عقب انسحاب قوات الشرطة.
وقبل ذلك، أطلق الأمن السوداني قنابل الغاز المدمع على متظاهرين عبروا جسر النيل الأبيض من أم درمان إلى الخرطوم.
وتحدثت وكالة الصحافة الفرنسية عن عمليات كر وفر بالقرب من القصر الجمهوري.
وفي حين قدرت الوكالة الفرنسية أعداد المتظاهرين بعشرات الآلاف تحدثت وكالة رويترز عن مشاركة مئات الآلاف في مظاهرات الذكرى الثالثة للثورة بالخرطوم.
وبالإضافة إلى العاصمة خرجت مظاهرات في مدن سودانية أخرى، بينها بورتسودان وعطبرة (شمال شرق).
شعارات المحتجين
وقد ردد المتظاهرون -وهم يحملون الأعلام الوطنية- شعارات تندد بإجراءات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان التي اتخذها يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والاتفاق السياسي الموقع بينه وبين رئيس الوزراء عبد الله حمدوك يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها “لا تفاوض ولا شراكة”، و”لا مساومة”، و”لا لحكم العسكر”، و”الشعب يريد إسقاط البرهان”، و”الشعب أقوى والردة مستحيلة”، “والثورة ثورة شعب، والسلطة سلطة شعب”، و”نعم للحكم المدني الديمقراطي”.
وكانت “لجان المقاومة” و”تجمع المهنيين” وقوى سياسية أخرى دعت إلى مظاهرات حاشدة اليوم في الخرطوم ومدن البلاد، رفضا للاتفاق السياسي بين البرهان وحمدوك وللمطالبة بحكم مدني كامل.
وجاءت الدعوة عشية ذكرى انطلاق ثورة 19 ديسمبر/كانون الأول 2018 حين اندلعت احتجاجات عمت المدن والأحياء حتى عزلت قيادة الجيش الرئيس عمر البشير يوم 11 أبريل/نيسان 2019.
استنفار أمني
وقبيل المظاهرات أغلقت قوات الأمن السودانية معظم جسور العاصمة الخرطوم وأقامت حواجز إسمنتية على الطرق المؤدية إلى مطار الخرطوم الدولي، كما أُغلقت المنافذ المؤدية إلى مقر القيادة العامة للجيش.
وطالبت شرطة ولاية الخرطوم المتظاهرين بالتزام السلمية.
من جانبها، حذرت شبكة الصحفيين السودانيين من قطع خدمات الاتصالات والإنترنت اليوم الأحد.
وكان قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك قد وقعا اتفاقا سياسيا في 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي يتضمن عودة الأخير لمنصبه، وتشكيل حكومة كفاءات، وإطلاق المعتقلين السياسيين، وتعهدا بالعمل معا لاستكمال المسار الديمقراطي.
غير أن قوى سياسية ومدنية عبرت عن رفضها الاتفاق باعتباره “محاولة لشرعنة الانقلاب”، متعهدة بمواصلة الاحتجاجات حتى تحقيق الحكم المدني الكامل.
نصيحة أميركية
بدورها، نصحت السفارة الأميركية في الخرطوم موظفيها ورعاياها بتجنب أماكن الحشود والاحتجاجات.
وأضافت السفارة -في تحذير نشرته عبر صفحتها على فيسبوك- أنها تشجع موظفيها على العمل من المنزل، وتجنب السفر غير الضروري.
مليونية التحرير
واستباقا لهذه المظاهرات، قالت قوى الحرية والتغيير- المجلس المركزي إن “مليونية تحرير الخرطوم” استكمال للانتقال المدني الديمقراطي.
ودعت قوى الحرية والتغيير -في بيان- إلى توحيد (قوات) الجيش -بما فيها قوات الدعم السريع- تحت مظلة القوات المسلحة.
وفي السياق ذاته، وصف حزب الأمة القومي مظاهرات اليوم بأنها ملاحم لاسترداد الحكم المدني ومسار التحول الديمقراطي، قائلا “البلاد ترزح تحت انقلاب جديد”.
وعشية إحياء ذكرى الثورة وقّعت نحو 50 كتلة سياسية وتجمعا مدنيا بالخرطوم على إعلان ميثاق سياسي ينادي بالدولة المدنية والتحول الديمقراطي.
وقال مبارك أردول القيادي في تحالف قوى الحرية والتغيير- مجموعة الميثاق الوطني إنه لا بد من مراجعة الوثيقة الدستورية، مؤكدا رفض المجموعة أي تمديد للفترة الانتقالية.
انتقادات الحزب الشيوعي
في المقابل، وجه الحزب الشيوعي انتقادات شديدة لما سماه قيام بعض مكونات قوى الحرية والتغيير بتقديم مشروع سياسي لما تبقى من الفترة الانتقالية، دعما للشراكة بين المكونين المدني والعسكري.
وقال الحزب -في بيان- إن المشروع جاء استباقا لمواكب (مظاهرات) اليوم الأحد 19 ديسمبر/كانون الأول، وبهدف إرباك الساحة السياسية، وفتح ثغرة للقوى المضادة للثورة لإحداث انشقاقات وسط الحركة الجماهيرية الثورية الصاعدة.
ووفقا للبيان، فإن هذا المشروع يعتمد في الأساس على الشراكة مع اللجنة الأمنية لنظام الإنقاذ (السابق) وعلى قوى الانقلاب، وعلى الوثيقة الدستورية التي تجاوزتها حركة الجماهير، وعلى اتفاقية جوبا وجعلها أساسا للسلام، والعودة للسياسات الاقتصادية نفسها التي تسببت في رفع معدلات الغلاء بصورة غير مسبوقة.
ودعا الحزب الشيوعي جماهير الشعب إلى الخروج والمشاركة في مظاهرات اليوم، لإسقاط الانقلاب واستكمال الثورة للوصول إلى غاياتها في الحرية والسلام والعدالة.
وعود السلطة
بدوره، قال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إن السودان يواجه اليوم تراجعا كبيرا في مسيرة ثورته.
وأضاف حمدوك -في كلمة بمناسبة الذكرى الثالثة لثورة ديسمبر/كانون الأول- أن هذا التراجع يهدد أمن البلاد ووحدتها واستقرارها، وينذر ببداية الانزلاق نحو هاوية لا تبقي وطنا ولا ثورة، حسب تعبيره.
وبشأن توقيعه على الاتفاق السياسي الأخير، قال حمدوك إنه لم يأت تحت ضغط من أحد، بل عن قناعة أنه سيؤدي إلى حقن الدماء.
وجدد حمدوك دعوته لكافة قوى الثورة للتوافق على ميثاق سياسي يعالج نواقص الماضي، وينجز ما تبقى من أهداف الثورة.
من جانبه، قال رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان إن السودان على أعتاب عهد جديد، داعيا إلى تجاوز الخلافات والتسامح ووحدة الصف وإعلاء القيم الوطنية حتى تأسيس دولة سودانية قائمة على أسس المواطنة والحرية والعدالة.
وتعهد البرهان بالوصول إلى غايات الانتقال لاستكمال أهداف ثورة ديسمبر/كانون الأول وإقامة الدولة المدنية المنتخبة.
في سياق متصل، قال عضو مجلس السيادة الهادي إدريس إن العام القادم سيشهد إجراء انتخابات حرة ونزيهة، مشددا على ضرورة تحقيق السلام قبل تنظيم الانتخابات.
من جهته، أكد عضو مجلس السيادة السوداني مالك عقار أن الأزمة الحالية هي نتاج أخطاء عديدة ارتكبها العسكريون والمدنيون.
ووعد عقار بتسخير الإمكانيات كافة لإعادة البلاد إلى طريق التحول المدني الديمقراطي.
المصدر : الجزيرة + وكالات
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم