المنعطفُ الأخطرُ وسيناريوهاته

يمر السودان في اللحظة الراهنة بأخطر منعطفٍ في تاريخ استقلاله الإسميِّ الشكليِّ، الذي بلغ، حتى الآن، سبعة عقودٍ من الزمان. ولابد من القول هنا، إن ما نعيشه الآن من نكبةٍ بالغةِ العِظَم، إنما هو نتاجٌ لهذه الحقبة العقيم، التي لم تنتج سوى الخراب والتخلف والمآسي التي ظل بعضُها يأخذ برقابِ بعضٍ، طيلة هذه العقود الطويلة. فالحقبة الممتدة منذ استقلال البلاد في عام 1956، وإلى الآن، حقبةٌ قامت، في مجملها، على إطارٍ مفاهيميٍّ واحد. وقد يستغرب البعض هذا الحديث بحجة أن هذه الحقبة قد شهدت أنظمةَ حكمٍ عسكريةٍ وأخرى مدنية، ولا يمكن، من ثَمَّ، المساواة بينهما في الإضرار بالبلاد. وهذا، في تقديري، منطقٌ شكلي.
الشخص الذي لا يرى أن هناك تماثلاً بنيويًّا وجوهريًّا بين فترات حكم الديمقراطيات الثلاث وممارساتها، ونظام الفريق إبراهيم عبود وممارساته، ونظام المشير جعفر نميري وممارساته، ونظام الترابي/البشير وممارساته، شخصٌ، لم يدرس حقبة ما بعد الاستقلال، كما ينبغي. فعدم القدرة على رؤيةِ وحدةَ البنيةِ المفاهيميةِ التي وقفت وراء كل هذه الأنظمة؛ من مدنية وعسكرية مما سبق أن جربته البلاد، إنما تعكس ضمورًا في الوعي الدستوري والحقوقي والسياسي لدى صاحبها. وعلى سبيل المثال، لا الحصر، فقد واجهت كل هذه الأنظمة، بلا استثناء، مطالب الجنوبيين، منذ فجر الاستقلال، بإنكار خصوصيته، وبقمع المطالب العادلة بعنفٍ مفرط، قاد، في نهاية المطاف، إلى انفصال الجنوب عن الدولة الأم. كما مارست هذه الأنظمة نفس الاستعلاء الثقافي والتهميش وإنكار الخصوصية على بقية الأقاليم ذات الطبيعة المختلفة.
أيضًا، باستثناء نظام الفريق إبراهيم عبود، تمسَّحت كل هذه الأنظمة التي حكمت البلاد؛ من مدنيةٍ وعسكريةٍ بالدِّين، رافضةً علمانية الدولة، متبنِّيةً شعار تطبيق الشريعة الإسلامية على كل البلاد، بصورةٍ أو بأخرى. لكن، ما من شكٍّ أبدًا أن نظام الترابي/ البشير قد كان الأسوأ ضمن هذه المنظومة التي أدارت البلاد منذ الاستقلال. فهو النظام الذي أوصل الدولة الآن إلى الانهيار. أيضًا، انحازت كل هذه الأنظمة للنخب التجارية النيلية؛ من سياسية، وعسكرية، وتجارية، وموظفي خدمة عامة، ومكنتها من مفاصل الاقتصاد. وحصرت التنمية والخدمات، إلى حدٍّ كبير، في الحواضر والأرياف النيلية. كما أصرَّت على إدارة الدولة بصيغٍ مركزيةٍ قابضةٍ، بقيت قابضةً حتى حين يجري التَّمسُّح بشعار اللامركزية. فالذين يتحدثون عن تفكيك ما أسموه “دولة 56” محقُّون كل الحق فيما يقولون. ولسوف لن ينهض السودان قط ما دامت هذه البنية المختلة قائمة.
المجتمع الدولي: المطامع والحلول السريعة
تتجه الأنظار في اللحظة الراهنة إلى واشنطن ترقُّبًا لما ستسفر عنه المباحثات المقبلة. غير أن الدول المنخرطة في هذه الوساطة لها أجنداتٌ مختلفة. فهناك أجنداتٌ إقليميةٌ تسعى إلى خدمتها كلُّ من مصر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة. ولهذه الدول الثلاث أجندات جيواستراتيجية واقتصاديةٌ متضاربةٌ في السودان. كما أن للولايات المتحدة الأمريكية أجندتها الخاصة في القرن الإفريقي، وفي منطقة البحر الأحمر، وفي عموم الجزيرة العربية، إضافةً إلى رعايتها الدائمة لأمن إسرائيل. وفي ظل نكبةٍ ماحقةٍ كالتي يعيشها الشعب السوداني الآن، إضافةً إلى تزايد نُذُرِ تفكك الدولة وانهيارها، وما يمثله ذلك من تهديد جدِّي لأمن الإقليم، بل وللسلام العالمي، فإن احتمال أن يتجه مسار الحل إلى الصيغة المسماة “الإصلاح السريع”، “”Quick fix، كبيرٌ جدا. فصيغة الإصلاح السريع، المجربة في أماكن عديدة، تصنع سلامًا واستقرارًا هشًّا ومؤقَّتًا، ولا تذهب إلى معالجة جذور الأزمة، الأمر الذي يقود إلى إعادة إنتاجها من جديد، في وضعٍ أكثر تعقيدا.
بين قبول الرضوخ وعصا المجتمع الدولي
ما يجري في السودان الآن من مذابحَ جماعيةِ وتطهيرِ عرقيٍّ وتجويعٍ، ليس أمرًا جديدًا في تجارب الشعوب. ومن أقرب الأمثلة لتجربنا الكارثية الجارية الآن، ما جرى في تسعينات القرن الماضي في يوغسلافيا. ولأن يوغسلافيا تقع في الوسط الأوروبي وفي نطاق مسؤولية حلف الناتو، فقد جرى فرض الحل فيها في أقاليم البوسنة والهرسك وكسوفو عبر تدخُّلٍ عسكريٍّ قويٍّ، وضغوطٍ دبلوماسيةٍ، إضافة إلى مهامٍ لحفظ السلام على الأرض. غير أن حدوث هذا ليس مُرجَّحًا في السودان، لأنه لا يمثل لحلف الناتو، من أيِّ ناحيةٍ، ما تمثله منطقة البلقان. ولذلك، ربما تتجه الضغوط الغربية والإقليمية إلى اسطحاب الإسلاميين، بصورةٍ ما، ضمن صيغة الحل. خاصةً في حالة أن يتجه الحل نحو إبقاء الدولة السودانية موحَّدةً، مع إنشاء نظام حكمٍ مدني. ولقد أوضحت هذه الحرب أن الجيش هو المفضل لدى كلٍّ من مصر والسعودية لرسم السياسات في السودان. وقد تغاضى هذان البلدان عن سيطرة الإسلاميين على الجيش لاعتباراتٍ تخصهما. وتشير إضافة دولة قطر، الراعية للإسلاميين في العالم العربي، لتصبح رديفًا لآلية الوساطة، إلى احتمال إدراج الإسلاميين، بصورةٍ ما، في صيغة الحل.
لقد حكم الإسلاميون وجيشهم السودان، حتى الآن، لستة وثلاثين عامًا متصلة. وقد استطاعوا خلالها، عبر إمساكهم بمفاصل السلطة والثروة، وحماية الجيش وجهاز الأمن والجهاز القضائي المُسيَّس، لهم، أن يعيقوا ثورة ديسمبر، وأن يشلَّوا حكومة الدكتور عبد الله حمدوك، بل وأن يبعدوها كليًّا عن الملعب. لذلك، فإن أي حديثٍ عن حكومةٍ مدنيةٍ، تكون فيها تركيبة الجيش الحالي والإسلاميين حاضرةً، سوف يجعل وجود هذه الحكومة المدنية ديكوريًّا، لا أكثر. وهذا، في تقديري، هو ما سوف يفضي إليه، بالضرورة، موقف الحياد في المعركة السياسية والعسكرية الراهنة الذي اتخذه تحالف “صمود” بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك. فإن حدثت هذه الصيغة، فإنها لن تكون سوى إعادةٍ وشرعنةٍ لانقلاب 25 أكتوبر 2021.
أهمية أن يكون لـ “تأسيس” موقفٌ صحيح
لقد فشلت الحرب التي خطط لها الإسلاميون وقادة الجيش والنظام المصري في القضاء على قوات الدعم السريع. لذلك، شرع الإسلاميون من جانبهم، في هذا الحلف الثلاثي المتنافر، المتربِّص ببعضه، في مغازلة قوات الدعم السريع بغرض إيقاف الحرب، وإنشاء شراكة ثنائية لاقتسام السلطة والثروة، وإقصاء المدنيين، مثلما كان الحال عقب إنقلاب 25 أكتوبر. لكنَّ، الحديث الذي نشرته صحيفة “الشرق الأوسط” لمستشار الدعم السريع، الأستاذ، محمد مختار النور، أكَّد أن قوات الدعم السريع لن تتجه لأي تفاوضٍ حول الحل بمعزلٍ عن تحالف تأسيس. ويشمل تحديد الموقف على هذا النحو، في تقديري، كلًّا من الإدارة الأمريكية والإسلاميين، معا. فقد طالب محمد مختار النور المسؤولين الأمريكيين الذين خاطبوا قوات الدعم السريع بضرورة التواصل عبر خطابٍ رسميٍّ مُعنونٍ باسم تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)، وليس باسم الدعم السريع. وأضاف أن التحالف يضم طيفاً واسعاً من القوى العسكرية والمدنية، إلى جانب قوات الدعم السريع. كما طالب أن يحدد المسؤولون الأمريكيون في خطابهم أجندة الاجتماع المزمع عقده. وهذا موقفٌ صحيحٌ ينبغي الالتزام به بصرامة، لأنه يقفل الباب أمام أي محاولاتٍ لفصل قوات الدعم السريع عن تحالف تأسيس وجرِّها خارجه.
أهمية استعادة الإرادة الوطنية
ما ظل مُفتَقَدًا في السودان، منذ فجر الاستقلال، وإلى يومنا هذا، لهو الإرادة الوطنية الصادقة. والإرادة الوطنية الصادقة هي وضع المصالح الوطنية العليا للبلاد والمواطنين فوق كل شيءٍ آخر. بعبارةٍ أخرى، وضعها فوق إملاءات الأجنبي الذي يريد أن يفرض عبر الإملاء والضغوط المختلفة أجندته على البلاد. وأهم من ذلك، أن يكون الممسكون بدفة الأمور في البلاد مهتمِّين حقيقةً بالصالح العام، لا متاجرين بشعاراتٍ زائفةٍ يجري إدعاء خدمته من خلالها. أي، أن يكونوا قادرين على لجم شهوتي السلطة والثروة في أنفسهم.
تمر بلادنا الآن بمنعطفٍ بالغ الخطورة. لكن، رغم كل فظائع هذه الحرب اللعينة وعذاباتها، فقد أصبحت في يدنا فرصةٌ ذهبية. وتتمثل هذه الفرصة الذهبية في أن الملعب غدا مهيأً، ولأول مرة، منذ الاستقلال، لإعادة وضع السودان على منصة التأسيس. وفي تقديري، الذي أرجو أن يكون صحيحًا، فإن هذه الفرصة في يد تحالف تأسيس، أكثر مما هي في يد من أي فاعلٍ سياسيٍّ آخر. لكن، يقتضي هذا أن يملك تحالف تأسيس الإرادة الوطنية، والقدرة على قول “لا” في وجه القوى الدولية والإقليمية، حين يكون توجُّهها مضرٌّ بمصالح البلاد وباستقلاليو قرارها، وباستقرارها، وبفرص ازدهارها. ومن المهم في هذا المنعطف من الانتباه إلى ألاعيب “الكيزان” التي ظلوا يمارسونها على مدى 36 عامًا، ولا يزالون، كما هو واضحٌ من حديث أحمد هارون، رئيس المؤتمر الوطني، المطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية. فهو يريد الإبقاء على انخراط الجيش في السياسة وهيمنته على سلطة القرار في البلاد. والغرض هو أن يكون الجيش هو مركبة الإسلاميين للعودة إلى السلطة من جديد، عبر انتخاباتٍ مزيفةٍ، يشرف عليها الجيش وجهاز الأمن والمخابرات.
أتوقع أن تحفل الفترة المقبلة بتبدُّل المواقف وسط مختلف الفاعلين السياسيين، خاصةً بعد إعلان “حكومة السلام”، من مدينة نيالا في غرب البلاد. وغالبًا ما يتجه قادة الجيش والإسلاميون، كدأبهم، نحو زعزعة استقرار حكومة السلام بإرسال المسيرات. وهو ما سيفاقم من أوار الحرب، وربما من نقل المعارك إلى مناطق الوسط والشرق والشمال، وأيضًا من ازدياد اضطراب الأحوال في البلاد، ومن معاناة المواطنين. لكن، هذا مفترقٌ حاسم لا ينبغي أن تجري فيه أي مساوماتٍ مع أي جهةٍ؛ داخليةٍ كانت أم خارجية، من شأنها أن تُبقى البلاد في قبضة الإخوان المسلمين، وفي تلافيف برادايم 1956 العقيم.

elnourh@gmail.com

عن د. النور حمد

د. النور حمد

شاهد أيضاً

جرعة التضليل الأخيرة (9)

النور حمدأكذوبة “جيشٌ واحد شعبٌ واحد”إن أكثر الشعارات تضليلاً لهو شعار “جيشٌ واحدٌ شعبٌ واحد”، …