تحديد الهوية (2)

أما بعد.. فالهوية السودانية تنسب الي السودان، واليمنية نسبة الي اليمن، والسورية نسبة الي سوريا، والمصرية نسبة لمصر، والهوية التونسية تنسب لتونس الدولة. وعلينا أن نعرف بأن الإقليم هو الجغرافيا وليس الدولة، اذ قد تتغير حدود الدولة مثل السودان، ولكن الإقليم لا يتبدل ولا يتغير. ومع قيام دولة جنوب السودان، أصبحت هويتهم هي الهوية “الجنوب سوداني” نسبة الي دولة جنوب السودان. ونقول تمييزاً ووصفاً، سوداني، مصري، تونسي، أردني، سوري، ليبي، تشادي، جنوب أفريقي، عُماني…. الخ.
أما الوطن، فهو يتجاوز الحدود الجغرافية كما عند فُشته، فهو الوطن المثالي، هو الوطن الفكرة، الوطن الروح، فمهما غابت الأرض أو اُستعمرت أو سُلبت أو اُحتلت، فان الروح لا تُحتل. الوطن شقيق الروح، هو وطن المتصوفة، الذي ترجع اليه أرواحهم في عالم الأرواح خارج سجن الأبدان.
فالصراعات في مصر تأخذ شكل العقائد المتباينة مثل السنة والشيعة، والكاثوليك والبروتستانت، والشيعة والسنة والمارونية في لبنان، وهكذا. اذن، الطائفية تنكر الوطنية وتعادي المواطنة، فهي تفرق بين المواطنين على أساس طائفي، مع أن الوطن الواحد يتشكل من عدة طوائف تتساوي في المواطنة.
فالطائفة ولاء ديني تاريخي وليس هوية. والطائفي ليس مسؤولاً عنه أي ليس مسؤولاً عن هذا الولاء الديني، يُخلق فيه ويموت فيه. ولكنه يقدر ويستطيع التحرر منها، من الطائفية، أذا بلغ من العقلانية حداً ومن الرشد كذلك. ونستطيع أن نقول بأن الطائفة ليست رابط ولا هي علاقة بين الانسان وربه. هذا هو الدين وهذا هو الايمان بلا علاقة بين الانسان والتاريخ باسم الله.
قد ولدت الطائفية وترعرعت في التاريخ نتيجةً للخلافات بين المؤمنين ونزاعاتهم وصراعاتهم على السلطة. والجميع الي الرسول منتسب. والايمان، ما هو الايمان؟ هو تجريد الطائفية من التاريخ وتحريرها منه حتى ترجع وتعود صافية رائقة كالدين.
والسؤال الثالث الذي يشرئب ليُرى، هو، هل تنشأ الهوية من الدين؟ فلعلنا واجدين هناك الهوية اليهودية من الدين اليهودي، فاليهودية من خلال تفسيرها الصهيوني هي دين وسياسة، وهي، حقيقةً، سياسة تستغل الدين لتبرير السياسة. أما الصهيونية فهي عبارة عن دين وقومية، أي دين ودولة، وتريد من الآخرين الاعتراف بها ليس فقط كدولة وبس، ولكن كوطن قومي لليهود. فالدول تنشأ وتنهار. أما القوميات الدينية أو الأديان القومية تقوم ولكنها تبقى ولا تنهار.
وعلى نفس المنحى، يُحاجج أهل الدولة الإسلامية بذات المنطق الأعرج واللسان الأخرس، فالإسلام هو دين ودولة، وهو الدين الرسمي للدولة، والشريعة الإسلامية هي دستورها، والحاكمية فيها لله فقط، ومثل هكذا طرح يقلق غير المسلمين ويهدد وجودهم، ويلغي مبدأ المواطنة، ويكون هناك غياب للمساواة في الحقوق وفي الواجبات.
ولكن هناك سؤال مهم جداً وهو، هل ديننا الإسلامي يقر بهذا المفهوم الأيدلوجي المتحجر الماضوي، الذي يمثل دين مختلف عن الدين الصحيح. فلا اكراه في الدين تعني بأن لا سلطة للدين، وتعني أن الدين يقول “أنا لا أحكم”، لأن الحكم يتطلب الإكراه، ويعتمد على الاكراه، والدين لا أكراه فيه.
أما شريعتنا الإسلامية فهي تختلف عن شريعة سيدنا موسي عليه السلام التي كانت حدية، ولا مجال للحركة فيها، حيث يغيب فيها مبدأ الاجتهاد. أما شريعتنا الإسلامية السمحة فهي حدودية وليست حدية، وهذا يعني أن فيها مجال للحركة بين الحدين، الحد الأقصى وحدها الأدنى، وفيها الاجتهاد وله حضور بصورة دائمة ولا يغيب.
وعما يتعلق بالحاكمية، فتقتصر الحاكمية الإلهية على تحديد الحرام، فالله وحده هو من له الحق في التحريم، وذلك لأن التحريم أبدى شمولي، ومثل هذه الأبدية وتلك الشمولية تحتاجان لمن له علم بالغيب، ويكون كامل المعرفة وعلمه مطلق. ونقول بأن الصراع بين العلمانية والإسلامية ليس صراعاً فكرياً بقدر ما هو صراع حول السلطة، بين قوتين سياسيتين متعارضتين، ولا يوْدي مثل هذا الصراع الا الي الانشطار والي التمزق غير المطلوبين وغير الضروريين.
والسؤال الرابع يقول، هل تنشا الهوية من اللغة؟ كما معلوم وكما هو مفهوم لدي الكثيرين فالعروبة من اللغة العربية، فالعروبة ليست بأب وليست بأم، ولكنها هي اللسان، فكل من تحدث بهذه اللغة فهو عربي. ولا تنشأ القومية العربية من العرق، ولكنها تقوم على اللغة وعلى الثقافة وعلى الجوار الجغرافي وعلى التاريخ المشترك، ومن الملاحظ والمعروف أن معظم النحاة العرب كسيبويه وأبي على الفارسي كانوا من الفرس، ولكن نقول عنهم عرب بحق.
وقد كان الاستعمار حريصاً على نشر لغته في البلاد المُستعمرة، فخلقت الفرانكفونية والأنجلوفونية والهسبافونية. وكان من أولياتها القضاء على اللغات المحلية، وهناك أمثلة كثيرة لا يسع المجال لذكرها. ونستطيع أن نقول بأن اللغة عبارة عن أداة اتصال وهي أيضاً أداة تفكير.
خامساً، هل تنشأ الهوية من الثقافة؟ فاذا قلنا بأن هناك هوية إسلامية من الثقافة الاسلامية، فنحن نعني الرابط الذي يربط المسلمين جميعاً في كوكب الأرض على تباين لغاتهم واختلاف أعراقهم وتباعد أوطانهم. وتضم العلوم الإسلامية النقلية والعقلية، الكلام والفلسفة والتصوف والأصول والعلوم النقلية: القرآن والحديث والتفسير والسيرة والفقه، والعلوم العقلية الرياضية: الحساب والفلك والجبر والهندسة والموسيقي، أو الطبيعة: الطب والصيدلة والمعادن والنبات والحيوان. وهي العلوم التي ظلت وما زالت هي الرابط الذي يربط جميع انحاء العالم الإسلامي. ولكن هذا العالمي لا يقبل أن يسجن في إطار محلي او في سجن إقليمي.
فإذن، الهوية إنسانية، وعموماً أو عمومياً، هي تتجاوز الحدودية الجغرافية والعرقية واللغوية والثقافية. هناك دائماً قيم إنسانية عامة ومشتركة كالحرية وكالعدالة، تراضت عليها كل الإنسانية على مدار التاريخ ومساراته. جوهرها من داخلها، من الفطرة ومن الطبيعة، بلا حدود. ومع ذلك فهي وجودية أرضية يحملها الوجود الإنساني ويحققها في الزمان وفي المكان.
وبعد…
… ماذا عن هويتنا؟
وكخلاصة أخيرة ولكنها ليست أخيرة، يحدثنا د. أحمد البشري متفوهاً بأن السودان لم يكن عبر تاريخه القديم الطويل جزيرة معزولة نائية قصية، محصنة ضد المؤثرات القريبة والمؤثرات البعيدة، ولكنه على عكس ذلك كان لطيفاً وكان كريماً ولا يألوا جهداً ولا مجهوداً في الترحيب وفي الاستقبال، فكانت أبوابه لا توصد اطلاقاً ولا تغلق في وجه أي كائن من كان مهما كان غريباً ومهما كان بعيداً عن كل شعور وعن أي أحساس محلي أصيل.
وكانت صلات السودان مع حضارة مصر القديمة حاضرة دائماً ولم تغب ولو لغمضة من الزمن، وكان من طبيعته التفاعل مع مصر القديمة تأثراً وتأثيراً سلباً وايجاباً. وأيضاً كان لوادي النيل دوره المميز الذي لعبه في جذب العديد من المجموعات البشرية من الساحات القريبة منه بسبب التغيرات وعدم الاستقرار المناخي على مر الحقب وعلى مر الدهور، وغيرها من أسباب وغيرها من مسببات.
ونشأت في الساحة السودانية ممالك عديدة ومتباينة، كان أقدمها وكانت أشهرها على الاطلاق مملكة كوش، ويقال عنها بأنها الأقدم في تاريخ البشرية، ومنها كان ميلاد أصل البشرية -والعهدة على كثير من الرواة والعديد من الباحثين ودور الجامعات الغربية-، وغطت كوش وتمددت في رقعة بعيدة الآفاق لا يُعرف الي أين وصل عمقها جنوباً، وكانت نشيطة تجارياً مع شمالها الذي تقع فيه مصر، وكانت تبادل منتجاتها الأفريقية بالمصنوعات المصرية. وما خلفته من آثار كان دليلاً على أن تأثيرها وعلى ان نفوذها بلغ دارفور ووصل كردفان وأجزاء النيل العليا.
ومع دخول كوش في صيرورتها التاريخية، ظهرت مملكة مروي على خشبة المسرح السوداني، وشغلت مروي مساحة امتدت لغاية منطقة السديرة جنوباً. وبعدها نشأت ثلاثة ممالك مسيحية شغلت الناس وشغلت نفس الرقعة من البسيطة، التي كانت تغطيها مروي قبلها.
وبعد سقوط تلك الممالك، ونسبة لانهمار وتدفق القبائل العربية من مصر جنوباً ومن خلال طرق أخرى، وكان ذلك خلال ضعف مصر وهزالها وتفككها وتضعضعها، طفحت على صفحة الوجود مملكة الفونج -السلطنة الزرقاء- التي شملت أواسط السودان وأعماقه وعمت شماله.
وكان هذا التدفق الانسيابي العربي كقبائل وكبطون متدرجاً كجريان نهر النيل العظيم، وحصل هناك تزاوج وحدث هناك اختلاط وتمازج مع العنصر الزنجي أو مع أهل السودان الأصليين. وكان أن تتابع دخول العرب الي السودان أيضاً مع دخول الإسلام ومع انتشاره في الأرجاء وكذلك اللسان العربي فخلق الخليط الذي يعمر معظم اركان وارجاء وزوايا السودان الحالي.
الا أن الطبيعة وأوامرها فرضت على بعض المجموعات الاحتفاظ بطبيعتها وبعرقها واعتذرت الاختلاط وغابت عن التمازج مع العنصر العربي المتدفق الي داخل ساحات السودان الواسعة المترامية الأطراف، فكان نصيب هذه المجموعات الاحتفاظ بثقافاتها الزنجية وبمعتقداتها التقليدية وظلت أبوابها مقفولة ومغلقة وموصده أو مواريه في وجه المؤثرات الخارجية حتى أوائل القرن التاسع عشر.
وبهذا الفهم وبهذا الادراك واعتماداً على ما ذكرناه في صفحاتنا السابقات وفي السطور السالفات، نقول بأن تعدد الاثنيات والثقافات واللغات في هذا البلد المحب، يجب ان ننظر اليه بعين التكافل القائم على الحرية التعاقدية وعلى الفهم والنظام التربوي والاقتصادي الذي يعترف ويقر بهذه التعددية الجميلة، وكل ذلك في مساحة السودان وفي اطاره الموحد الذي لا تعتبر فيه مجموعة من المواطنين أقلية في وطنها وفي بيتها أو أن تُعامل على هذا الفهم وعلى هذا الأساس، بل تكون فيه المساواة التامة حاضرة بين المواطنين كالمساواة في الحقوق وفي الواجبات، والمساواة أمام القانون، والمساواة في فرص العمل من غير تمييز بسبب العنصر أو الجنس أو بسبب الدين، وكل ذلك في إطار الديمقراطية الليبرالية، وبين جنباتها القائمة على التعددية الحزبية، والتعددية الاجتماعية المؤسسة على حق المواطنة المحمية بدستور لا يفرق بين المواطنين بسبب الدين أو بسبب العرق أو الجنس، كافلاً للجميع كل الحريات الأساسية (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية).
ونؤمن بأن كل ذلك يُعبر عنه بأننا سودانيين وكفى، فينا وفي داخلنا التعدد، وفينا وفي داخلنا الاختلافات وتنوعها، فهذا هو حبل وحدتنا السري الذي يشدنا الي بعضنا البعض في وحدة متماسكة قوية راضية رضية مرضية، وهذا هو سر وجودنا وهذا هو سر قوتنا.
من بلادي
وبدافع حبي لها
أناديك أنت، أخي الذي لا غنى عنه
أيها المحترم ((………………………..))
ذو الأصابع الرمادية ،،
اذ بمساعدتك الخارقة
وببيت إثر بيت من الشعر
نبيدُ ………………………………..،
هذا “الرئيس” السفاح. -بابلو نيرودا
………. نواصل
bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …