تأملات
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
الحرية:
عندما كان جالساً في الحديقة، لاحظ الفيلسوف الدكتور زكي نجيب محمود وجود “أسرة” النخلات الثلاث، وهن أول ما وقع نظره عليهن، وظل ببصره مركزاً فيهن لمدة ليست بالقصيرة، يصعد ببصره مع جذورهن الشامخات الفارهات الممشوقات حتى يصل الي رؤوسهن، ثم يحرك نظره نزولاً من رؤوسهن الي منابتهن على الأرض المعشوشبة بعشبها الأخضر، هكذا، يا سبحان الله؟، أو كما كان يردد، سراً وجهراً، انهن ثلاث نخلات، منتميات الي اسرتهن النباتية، مُشكلات ومكونات أسرة واحدة، وكان فيهن من الشبه أشده.
لكن أنظر! أنظر، كيف ظللتهن الحياة بما يتميزن به من خصائص، فأصبحن متفردات، تتفرد كل واحدة منهن بشيء يميزها عن أختيها؟ يا سبحان الله، ثم يا سبحان الله!، وكان ذلك فيه “حكمة” قائلة، ألا يشبه كائن حي كائن حي آخر، وهي حكمة الخالق في خلقه من الأحياء. وهي أن يكون للكائن الحي فرديته المميزة وميزته المتفردة، حتى ولو تمركزت هذه الفردية المتفردة المتميزة في أصغر التفصيلات الدقيقة الصغيرة التي لا تُرى أو تُرى ولكن بصعوبة شديدة. وتكمن الحكمة، إذا قلبنا الفكر هنيئة، في أنه إذا تشابه كائنان من الأحياء تمام الشبه في كل التفاصيل، كان واحد من الكائنين قد خلق عبثاً، وتعالى الخالق البارئ المصور، أن يجيء بعبث في خلقه.
وهنا السؤال الذي يأخذ له مكاناً، ليقول، هل كان بالإمكان أن تخطر بفكر فيلسوفنا خاطرة كهذه، دون أن تتبعها خاطرة أخرى، لتحدثه قائلة، إذا كانت هذه الأسرة، الأسرة النخلية، على شدة ما بين شخصياتها من شبه، لم يُسلب منها الحق في أن تتفرد بناتها بما يحلو لكل منها أن تتفرد بشيء، وهو تفرد في أعماقه ينم عن شيء من “حرية” تركت لكل واحدة منهن أو لكل نبتة منهن أن تمارسها، حتى تكون قادرة على مقابلة تحديات ومواقف حياتها بما يناسبها وبما يلائمها! فهل يجوز لعائلة ما من بني البشر أن تقولب أبناءها في قوالب حديدية، حتى لا يكون هناك مجالاً أو ألا يكون هناك متنفساً حراً لأي منهم إذا أراد أن يتنفس؟
وأغمض عينيه برهة، واضعاً رأسه على ظهر مقعده، وكان مقعداً مديداً مريحاً من قماش، يتيح للجالس أن يتمدد فيه في وضعية نصف رقاد، فعادت به أفكاره لذكريات مريرة مليئة بالألم، لم يكن صاحبنا يريد لها أن تختار لها مكاناً وأن تنزوي في الذاكرة وسط هذا الهدوء الساكن الجميل. فترك هو الحرية لعينيه، لينشغل البصر بما يراه حوله، فكان أن راي بجانبه، بجانب كرسيه “أسرة” أخرى، ولكن هذه المرة من ست حمامات رماديات اللون، يختلط هذا اللون الرمادي بريشات بيضاء على جناحيهن وحول أعناقهن. ولم يكُن ساكنات هادئات في مكانهن سكون تلك النخلات في مغارسها من الأرض، ولكنهن كُن في حركة دائمة، بعضهن حول بعضهن، بحيث يحتفظن بتكوينهن العام، وهو تكوين شبه دائري. وهذا جعل لهن إطار عام يتميز بالثبات، برغم الحركة الدائبة لهن، والتي أخذت تتحرك كل واحدة منهن على حدة.
ويقول فيلسوفنا، أن كل من تجاوز البحر الأبيض المتوسط الي بقعة من بقاع أوروبا، لا بد أن يلاحظ -في دهشة- كيف لا تخاف الحمائم وتنفر من بني البشر، اذ تعلمت من خبرتها ألا فزع وألا خوف عليها من أبناء آدم فسكنت لهم واطمأنت لهم. يتحرك هذا البني آدم أمامها ووراءها والي جوارها كيف شاء وكيفما يشاء، فلا تفر ولا تنفر ولا تفزع حمامة لتطير. يا سبحان الله!
ويواصل في وصفه، دكتورنا، ولما دققت النظر في أسر النخل، دققته في الحمائم، لأكتشف العبرة أوفي وأشفى وأقوي، بمقدار ما يتميز به حيوان عن نبات، فكل حمامة التزمت صاحباتها، ولم يكن لها خيار في أن تضع ذاتها في طبيعة الحمام! أذ ليس في قدرتها أن تتمرد على طبيعتها، لتكون صقراً أو لتتحول عصفوراً، وبالرغم من كل ذلك، فقد تُرك لها شيء من “حرية” الحركة لتتميز به، ولتتفرد به في مواجهة ما عساها تقابله مما لا يقابل سواها.
وكما ختم حديثه عن النخل، ختمه في كلامه عن الحمامات أو عن الحمام، فتساءل، أتكون هذه الحياة ومعها نواميسها قد أعطت كل حمامة ميزة تتميز بها عن سائر أخواتها، ثم نلحظ جماعات من الانسان من يريد أن يتنكر لهذا الحق الإلهي الذي أراده خالق الأحياء للأحياء، بحيث ترى هؤلاء المتنكرين يريدون لكل انسان معهم أن يلتزم في تفكيره وفي سلوكه بقضبان من حديد لا يفل، صنعوها بأوهامهم، وغرسوها في الأرض بجبروتهم… ووافضيحتاه.. وواخجلتاه!
الديمقراطية:
يشير عبد الرحمن منيف في كتابه (الديمقراطية أولاً.. الديمقراطية دائماً) الي بعض الظواهر الظاهرة التي جعلت الحالة العربية (وتنطبق هذه الظاهرة على الحالة السودانية بامتياز وأكثر) الراهنة متميزة هو ذلك التنافر وذلك التباعد الشديد الذي يبلغ حد القطيعة بين القول وبين الفعل، بين الخيال وبين الواقع، بين الفرد وبين المؤسسة، بين المواطن وبين الدولة.
هذا التنافر أو التباعد لا ينطبق على بلد دون باقي البلدان، ولا على مجموعات معينة دون الأخريات، وكما لا يقف عند جانب واحد من جوانب الحياة، ولكنه، له من الشمول ومن العمق ومن الاتساع، بحيث يعيش في الحياة العربية بمجموعها، ويتعامل مع مصائر الناس والبلد معاً.
ولم تخلق هذه الظاهرة فجأة ولم تأتي من العدم أو من فراغ، ولكنها عبارة عن أو نتيجة لمجموعة من الأسباب التي كانت سابقة لظهورها ولميلادها، بحيث اننا في الوقت الحالي نقف أمام حالة مركبة ومعقدة ومحيرة، وأيضاً مربكة. فنتوه ولا نعرف من أين نبدأ، ويختلط علينا الرئيسي والفرعي، وتضعف عندنا قدرة التفريق والتمييز بين السبب وبين النتيجة، بين الواجب الذي علينا فعله الآن، وذلك الذي علينا تحقيقه غداً. وولد ذلك حالة من الإحباط ومن الياس ومن المرارة ومن التوهان في أزقة الضياع والدهشة، ورافق كل ذلك نزعة الهروب من تحمل المسئولية ورميها على عاتق الأخرين.
وفي خضم ذلك الوضع المليء بالتعقيد وبالخيبة وبالضياع، كيف علينا الافتراض أو كيف علينا أن نتصور، أين تكون البداية، وأين هو الحل، وكيف نحدده؟
وهنا نحن نفترض، نقطة البداية والانطلاق، ونقول ان الحوار، وهو بالذات، الخطوة الأولى في هذا السير الطويل الصعب المليء بالمضبات، اذن، ماذا يعني هذا الحوار الذي نعني؟ هو يعني الاعتراف والاقرار بثلاث بديهيات جوهرية، وهي:
الأولي، وهو الاعتراف بالآخر، وليس الاعتراف الشكلي، ولكنه اعتراف فعلى وواقعي وسلوكي. وبهذا الاعتراف يصبح الآخر جزء من البنية التي تبني المجتمع وتشكله، وهذا يحتم التعايش معه أي مع الآخر والتعامل معه، على أساس، “أنا موجود، اذن، الآخر أيضاً موجود”، وهذا الوجود حق اصيل وليس منحة أو منة أو صدقة، ويكون دائم ويكون مستمر الي أن يرث الله الأرض، ولا يكون نتيجة وضع طارئي مؤقت أو تزييناً لبعض الشكليات الباهتة.
وأما الثانية، فهي تؤمن بأن الحقيقة ليست هي كتلة صلبة صماء، يحتكرها طرف واحد دوناً عن الأطراف الأخرى، والحقيقة نسبية وموزعة، ويستحيل اكتشافها أو بلوغها الا بمحاورة الآخر وفهمه، فحوارنا يكمل نقصنا، والنسبية تشير لنقصنا، لذلك تدعونا للحوار لنكمل هذا النقص. وهذا الحوار يمهد ويعبد لنا سبل الوصول الي الحقيقة الفعلية، الممكنة، والتي تنفخ في العمل روح العقلانية والامكانية والاستدامة.
والثالثة، تشترط أن يكون هذا الاعتراف وهذا الحوار في بيئة صحية من التكافؤ ومن الاعتراف المتبادل، ومعتمداً على الاحترام وعلى الرغبة في التعاون، تمهيداً لبلوغ ما تحتاجه المرحلة.
وهذا الحوار المفترض والمقترح، والذي يحتم ان يمارس على كل وعلى جميع المستويات، ويعالج كل القضايا، ويكون بين كل القوي وبين جميع العناصر. وهو يستند بصورة أساسية وبصورة جوهرية على حقيقة كبرى ينطلق منها، ولازم ولا بد أن يكون له أرضية وله أساس يوجهه، وهذا الأساس وهذه الأرضية هي دائماً: الديمقراطية.
وقبل ذلك وقبل أي شيء وكل شيء، هي عبارة عن ممارسة يومية مستمرة لا تنقطع، هي طريقة في التعامل، وهي تعالج كل مناحي الحياة وجوانبها، بداية بأصغر خلية والي أكبر نقطة هناك في قمة السلطة (الرأس الكبير)، ومن أسخف المسائل وأبسطها الي أكبر القضايا وأكثرها خطورة.
وفي حنايا هذا المناخ الصحي الحر وثناياه، وعلى ضوء مثل هكذا ممارسة، نستطيع أن نتخيل بداية معالجة قضايانا وتناولها، وبلوغ صيغ وقواعد تحكم عملية التعامل بين الأشخاص، وبين هؤلاء الأفراد وبين السلطة، وبينهم وبين الآخرين.
صحيح أن الديمقراطية ليست حُلماً سهل التحقيق، وليست امنية ذهبية سهلت المنال، ولا يمكننا بلوغها بين غمضة عين وانتباهها. وهي ليست، بنفسها، حلاً سحرياً مكتمل الأركان، ولكنها تمثل المناخ الصحي والبيئة المثالية، وهي بداية الوصول الي المعالجات والي الحلول، ومع ذلك علينا أن نقر، ومنذ البداية، بأن أعداءها الذين يقبعون بيننا في الداخل هم كُثر وهم موجودين، وأيضاً هناك في الخارج أيضاً موجودين بكثرة، ولكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في أعداءها من خارجها، ولكن في أولئك الكثيرين الذين يتشدقون بها وينادون بها، وهم غير مؤمنين فيها وغير مقتنعين بها القناعة الكافية الكاملة، ولا يمارسونها هم في حياتهم الصغيرة، ولكنهم يطلبونها ويطالبوا بها في ميدان الحياة الكبير.
وهناك من يؤمن بها نظرياً ولكنه لا يمارسها، أو يمارسها بطريقة خاطئة، وكما أن هناك من هم مستعدين للتساهل كثيراً بمفهومها وبحدودها حين تعني الآخرين، ويعتبر هذا التساهل في الفهم وفي الممارسة هو أحد أهم هذه الأسباب التي تدفع الحكام الي حرمان الشعب منها.
وكما قلنا سالفاً وسلفاً، أن الديمقراطية ليست هي ذلك الحل السحري، وليست هي بعصا موسى ولا هي بهدهد سليمان، ولكنها هي المناخ الملائم أو هي الوسط المثالي الذي يرسخ العقلانية، ويتيح الفرصة لمناقشة كل القضايا تمهيداً لبلوغ أمثل الحلول، وهي تلك الصيغة التي تخلق توازناً تفرضه موازين القوي، دون الغاء الآخر أو عدم الاعتراف به.
وهي، أي الديمقراطية تساهم وتسهل الانتقال الهادئ الرزين والمتدرج والمنطقي، وهذا هو ما يجب أن يستوعبه الجميع، وما يجب أن يفهمونه بوضوح، وفي حالة عجز الجميع أو البعض عن الفهم وعن الاستيعاب، أو لم يتم القبول بها، فالثمن سيكون غالياً وثميناً وربما أيضاً يكون فاجعاً.
الحوار:
ويقول باولو فرايري، أما عن طبيعة أو عن جوهر الحوار في ذات نفسه، فهذا الحوار هو “الكلمة”، وفي البدء كانت الكلمة، ومدلول الكلمة الحقيقي لا يقف عند قيمتها كوسيلة يتم بها تحقيق وإنجاز الحوار، ولكنها تتجاوز ذلك، وذلك لما تتفرد به من بُعدين، بُعد الرؤية وبُعد الفعل، فهذين البُعدين، دائماً، متلازمين، لا يستغني أي واحد منهما عن الآخر.
عموماً، لا يوجد هناك كلمة حقيقية ترفض التنفيذ أو ترفض أن يتم انزالها في واقع الوجود وفي هذه الحياة، ويعود ذلك لما يميز هذه الكلمة الصادقة النزيه، من أنها هي الوحيدة التي لها القدرة على تغيير عالمنا. ولكن عندما يُسلب منها أحدي بُعديها المذكورين آنفاً، فإنها تصير كسيحة وغير قادرة على القيام بمهمتها وبدورها المنوط بها، وتنقلب الي مجرد عبث وثرثرة بدون مضمون ولا طائل. وايضاً، وبذات القدر، فان قيمة الكلمة العملية تكمن فيما بداخلها من رؤية. فأي عمل من دون رؤية يُغّيب جوهر الحوار وحقيقته ولا يُنجز به شيء البتة.
وهنا نستطيع أن نتفوه بملء افواهنا، بأن الوجود الإنساني لا تتاح له الفرصة ليظل صامتاً، وكما لا يمكن له أن ينبض بالحياة بفعل الكلمات الفارغة، فالكلمات التي تحييه، وتستمر في نفخ روح الحياة فيه وتنجح في تغيير الواقع هي تلك الكلمات المفعمة بالرؤية الصادقة، ويقوم على ذلك، أن العيش انسانياً يعني فهم عالمنا ومعرفته والعمل على تغييره، فمجرد أن نفهم العالم ونعرفه تتجلى لنا حقيقته وحقيقة جوهره كمشكلة وكمسالة تحتاج علاجاً وتتطلب حلاً. ويظهر من ذلك، جلياً، غياب الرجال (الرجال هنا ترمز للرجال وللنساء العاملين على التغيير) في عالم الصمت، فالرجال لا نراهم الا في عالم الحوار وفي العمل المتبصر بالوعي وبالفهم وبالإدراك.
ونحن عندما نعلن بأن الكلمة هي الوحيدة التي تستطيع أن تقود الي العمل والي الفعل، الذي يغير هذا العالم، نؤكد في نفس الوقت ونجزم، بأن هذه الكلمة ليست حكراً على جماعة محددة أو معينة من الرجال دوناً عن الآخرين أو نستطيع أن نقول إنها ملك الناس كل الناس، وهذا يعني أن الكلمة الصادقة لا يمكن أن يتفوه بها رجل واحد سواء كان ما يتفوه به كان لذاته أو كان للآخرين، فإصرار مثل هذا الرجل والحاحه الشديد على اسماع كلمته فقط يعني تجريداً للرجال الآخرين من فرصتهم في أن يدلوا بكلماتهم أيضاً، ويكون عندها لا حياة لحوار ولا روح لحوار.
السلام والعدل:
عن السلام والعدل، وكيف السبيل الي بلوغهما، يحدثنا الشريف زين العابدين الهندي، حديث الشجون والأشجان… ((إن السلام إحساس غامر، ينشأ من الشعور بالعدل والرضى بالعدالة، وما يتبعهما من الأمن والاستقرار النفسي والاطمئنان والسعادة، والتمتع بالنسيج الإنساني بلا رُعب ولا تُوجس ولا تضاريس، والمضاء إلى الإنسانية بلا فوارق أو حواجز، والاندماج معها لديمومة كل هذا.
وستظل هذه رؤيا حبيبة ومبتغاة، ونشيد كل العاملين على الشفاه. ولكن طالما كانت مرتبطة بمقاييس العدل المجّرد، لا ما يدعيه الأقوياء، فستظل هدفاً نبيلاً ودعوة خيرة لا يسهل الوصول إليها سريعاً، لأن العدالة جزئيات دقيقة تجوس شرائحها في نفوس الأفراد والشعوب والبلدان كرقائق الإشعاع وخيوط الضياء، وتلتحم في معارك دائمة مع الغرائز والرغبات والميول والأطماع والتعلات.
والعدالة ليست عنصراً قابلاً للهزيمة، ولكن قلّ إن يكتب لها النصر. لذا فكان لها في كل زمان دولة ورجال، ولها في كل مكان حربٌ سجال، إلى أن تلتقي الجزئيات بالكل وتستحيل رقائق الإشعاع فجراً، وتنسج خيوط الضياء إشراقاً ذاخراً لا يكون للعتمة في غمرته من فلول. أما كيف ومتى؟! ذاك ما لا يحتقبه الساعون في زادهم، فعليهم السعي حتى الموت وليس مشروطاً بإدراك النجاح.
ليست هذه رؤيا طوباوية، وليست نظرية بلا ساقين، تشاهد بلا عيون، وهي تقف على حافة العالم الأثيري. وليست غيبوبة انصرافيه تتراقص في غيبة الجهاد المغيب، إنها رؤية الحق لمعنى السلام في مفهومه. فإن صدقت الرؤية مع النفس وطهُرت النفس من علائق النفاق، فإن العدل هو السلام، ولا سلام بلا عدل، إلا إذا كان السلام يعنى المصافحة أو العناق غير الحميم، ويختزل الحياة كلها في (سلام عليكم وعليكم السلام)، ثم يتضح أن الحياة أكبر من أن تختصر أي اختصار، أما إذا كان السلام هو المظهر العام للعدل، والوجه الجميل جمالاً هادئاً منعشاً للعدالة، فهنا يمكن القطع بإجابة جازمة لتساؤل البشرية العتيق، هل يُعم السلام يوماً؟
لأن السلام عندما يكون هو الممثل الشرعي والوحيد للعدل، يُنفذ ركائزه الثلاث بهندسة العدالة كلجنة تنفيذية لتحقيق العدل، العدالة الاجتماعية، العدالة الاقتصادية، العدالة السياسية. وينتفي الظلم ممحوقاً تماماً وتختفي وحدة التوازن التقليدي القديم بكفتي العدل والظلم. ويقطع لسان الظلم المتأرجح بينها بلا ثبات، حيث لا تربوا احداهما مستخفة بالأخرى. ولا تستضيف الأخرى ثقلاً عفوياً تبادل فيه أختها استخفافاً باثنين. بتنفيذ مرتكزات العدل الثلاث يتحول الميزان الي جهاز استشعار حساس ودقيق له مؤشر ضوئي خاطف. وكفته واحدة مصوغة من معدن الرضى. ووحدة القياس مزدوجة الهيكلة، من عنصري الحق والواجب. هنا فقط يكون المجد لله وحده، وبالناس المسرة، وعلى الأرض السلام)) انتهى.
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم