مشهد كاريكاتوري يلوح في الأفق: البرهان وحميدتي في ضيافة سيّد البيت الأبيض. يبتسمان للصحافيين، ويتعرّضان لسيلٍ من تهكمات ترامب ونزوعه لاغتيال الشخصيات أمام الكاميرات… لمَ لا؟ ألسنا في عصر الصفقات الغريبة، حيث تُقدَّم الحروب على مائدة المفاوضات كما تُقدَّم أطباق العشاء الفاخر؟
أميركا التي جرّبت الحشود الدبلوماسية وخرجت ببيانات لا تُشبع ولا تُسمن، قررت أن تمشي وحيدة في الميدان السوداني. لا تريد صخب الحلفاء، ولا ازدواجية القوى التي تميل تارة إلى الجيش وتارة إلى الدعم السريع. مبعوثها، مسعد بولس، جلس ثلاث ساعات مع البرهان في سويسرا، ويتهيأ الآن للجلوس مع حميدتي نفسه.
ترامب يرى الفرصة أمامه: سلام سوداني على طريقته، يضاف إلى “قائمة إنجازات” تشمل أرمينيا وأذربيجان، الهند وباكستان، وحتى ملفات روسيا وأوكرانيا، وإسرائيل وغزة. طموح جائزة نوبل يلمع في عينيه، لا كغنيمة سياسية فحسب، بل كإرث شخصي، حتى لو كانت الطريق إليها مفروشة بحرائق المدن ونزيف الشعوب.
هل يريد حقاً حل الأزمة، أم أن الصورة أهم من الحقيقة؟
اللقاء بين البرهان وبولس كان من المفترض أن يبقى في الظل. لكن، كالعادة، في الشرق الأوسط لا تبقى الأسرار طويلة في الأقفاص. سربٌ يبيع الأمل، وسربٌ آخر يبيع التشويش. ثم تتوالى الأخبار: حميدتي نفسه في سويسرا. مشاورات. مقترحات لوقف النار. ووعود بفتح أبواب المساعدات الإنسانية.
واشنطن تقول إنها تريد علاقات مباشرة مع السودان، وتحولاً ديمقراطياً بقيادة مدنية، وعودة للتعاون في مكافحة الإرهاب، وتأمين البحر الأحمر. لكن خلف الكلمات تكمن حسابات معقدة: رباعية كانت تضم السعودية ومصر والإمارات وأميركا نفسها فشلت في الاتفاق على دور الجيش، فأُجّل اجتماع واشنطن إلى أجل غير مسمّى. الخلاف نفسه يشطر الداخل السوداني: البرهان يرى الدعم السريع خارج السياسة، وقوى مدنية تريد حلاً شاملاً لا يستثني أحداً.
الخرطوم عادت إلى يد الجيش، والمعارك تمددت إلى شمال دارفور وكردفان. حميدتي يعلن عن حكومة موازية في نيالا، فيرتفع منسوب الاستقطاب، ويعلو الهمس عن تقسيم البلاد. تحالفات كـ”صمود” بقيادة حمدوك ترحب بالمبادرة الأميركية، وتدعو للقاء الرجلين “في أقرب وقت”، كإرهاصٍ بأن اللحظة السياسية لاتزال قابلة للترميم !
واشنطن تقدم أطروحات سياسية، لكنها تقف عاجزة عن فتح أبواب التنفيذ على الأرض. الإرادة غائبة، والعراقيل تتربص بها في كل زاوية، من قوى إقليمية لن ترضى بمقاربة خارج هواها.
التحركات الأميركية تلمّح إلى بزوغ عملية سياسية، لكنها ليست ضمانة للنجاح، إنما فراغاً يُملأ وسط مشهد سوداني غارق في الخمول، حيث المبادرات متكسرة والخلافات مستعصية، وكأن البلاد تنتظر محض الصدفة، أو ما ستتمخض عنه الحرب الفاصلة بين الجيش وقوات الدعم السريع في الفاشر، حيث تتقاذف ألسنة النيران الشوارع والساحات، وتتصاعد أصداء المعارك الضارية بين الجبال، لتترك المشهد على حافة الانتظار والرعب معاً.
لهذا، لا يُفرِط المراقبون في التفاؤل. الأزمة في السودان تشبه نفقاً بلا نهاية، حيث العقوبات الأميركية على الجنرالين لم تُحدث فرقاً، بدت رمزية أكثر منها فعالة، وجزرة واشنطن ما زالت مذاقاً مجهولاً لا يُتوقّع أن يغيّر مسار اللعبة.
بينما تشتعل المعارك في الفاشر وكردفان، تظل أي مقاربة أميركية مشروطة بإيقاف الحرب أولاً، لوقف نزيف الدم وإطعام الجوعى… قبل أن تتحول اجتماعات مسعد بولس في سويسرا أو غيرها، إلى مهرجان إعلامي لرئيس أميركي يبيع الانتصارات قبل أن تتحقق، ولا يترك سوى صدى أزمة حقيقية بلا بوصلة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم