السودان بين الأمس والغد: نحو عقد وطني جديد

بقلم: أ. عمر النعيم

منذ عقود والسودان يراوح مكانه بين انقلاب وآخر، بين حكم عسكري يفرض نفسه بالقوة، وتجارب مدنية تتعثر قبل أن تكتمل. واليوم، في 2025، يقف الوطن عند مفترق طرق، إذ تتجاذبه حكومتان: إحداهما رسمية تحاول صون مؤسسات الدولة من الانهيار بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان والدكتور كامل إدريس، وأخرى موازية تفرض وجودها على الأرض بقيادة قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” متحالفة مع عبد العزيز الحلو ومحمد حسن التعايشي. وبين هذين القطبين، يقف المواطن السوداني مثقلًا بالجراح لكنه لا يزال متشبثًا بالأمل.

هذا الانقسام لا يعني انقسام الوطن ذاته، بل هو انعكاس لأزمة القيادة والرؤية، أزمة طالما تكررت منذ انقلاب 1989 وما تلاه من انسدادات.

تحديات راهنة

الأزمة السودانية مركبة:

اقتصاد متداعٍ تنهشه البطالة والتضخم.

نسيج اجتماعي متصدع، تغذيه النزاعات الإثنية والقبلية.

دولة فقدت مرجعيتها الدستورية، ومؤسساتها تآكلت.

موارد طبيعية تُستنزف بدل أن تكون رافعة للتنمية.

وكما يقول الحق سبحانه: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم» (الأنفال: 46).

دروس من التاريخ

أوروبا لم تنهض إلا بعد أن وضعت الحروب وراء ظهرها بمعاهدة وستفاليا.

جنوب أفريقيا لم تخرج من الفصل العنصري إلا بالمصالحة الوطنية.

رواندا، بعد الإبادة، نهضت وأضحت نموذجًا في البناء.

فلماذا لا يتعظ السودان؟ وهو أولى، بما يملكه من ثروات وطاقات بشرية، أن يجعل التنوع مصدر قوة لا سببًا للنزاع.

سيناريوهات المستقبل

  1. الاستمرار: انقسام بين حكومتين وتعدد لمراكز النفوذ، مع صراع منخفض الحدة.
  2. التسوية: تدخل إقليمي يفرض تقاسمًا للسلطة، لكنه يظل هشًا بلا عقد قومي.
  3. الحسم العسكري: انتصار طرف على آخر، لكنه مؤقت ويزرع بذور أزمات جديدة.

نحو خطة استراتيجية

منذ انقلاب 1989 والبلاد في مسار أزمات متواصلة، وحان الوقت لرسم خطة تمتد لربع قرن قادم:

2025–2030: مرحلة احتواء الانهيار
وقف القتال، إطلاق حوار وطني، وتوظيف الموارد في خدمة الشعب لا السلاح.

2030–2035: مرحلة إعادة الهيكلة
بناء نظام فيدرالي عادل، دمج تدريجي للقوات، إصلاح اقتصادي من الإنتاج لا الجباية.

2035–2049: مرحلة البناء المستدام
تنويع الاقتصاد، بناء البنية التحتية، وصياغة عقد اجتماعي جديد قائم على المشاركة والشفافية.

رسائل للفاعلين

للسياسيين: منطق الغالب والمغلوب طريق مسدود؛ السودان يحتاج شراكة لا إقصاء.

للحكومة الرسمية: بقاء مؤسسات الدولة أولوية، فلا تجعلوها رهينة للتجاذبات.

للقوى الموازية: السيطرة على الأرض لا تصنع دولة، بل العقد الوطني وحده.

للقوى الإقليمية: استقرار السودان ضمان لاستقراركم.

للمجتمع المدني: أنتم الضمير الحي، نظموا صفوفكم بعقلانية.

للمجتمع الدولي: ادعموا السودان بما يعزز وحدته لا ما يكرس انقسامه.

خاتمة

السودان أمام مفترق طرق: إما أن يعيد إنتاج أزماته، أو أن يؤسس لعقد وطني جامع. الصورة قد تبدو قاتمة، لكن الفجر يولد من رحم الليل. لقد نهضت شعوب أكثر بؤسًا حين وجدت القيادة الراشدة والإرادة الجماعية.

إن العقود القادمة (2025–2049) يمكن أن تكون عهد البناء والوحدة إذا تغلبت الحكمة على نوازع القوة، وإذا جعلنا الدولة إطارًا للعدل لا غنيمة للتنازع. فالسودان، إن وعى دروسه، قادر أن يستعيد مكانته وطنًا للحرية والكرامة.
mazmmoum@gmail.com

عن عمر النعيم عمر عمر النعيم عمر

عمر النعيم عمر عمر النعيم عمر
Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.