دكتور محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk
ليس من السهل قراءة المشهد السوداني هذه الأيام وكأنه مجرد حرب أهلية عابرة، أو صراع تقليدي على الكراسي. ما يجري أشبه بانسداد تاريخي طويل، تتداخل فيه أزمات الدولة المزمنة، وإرث العنف، والتدخلات الإقليمية، في وقت يبدو فيه العالم مشغولًا بحروب أخرى أكثر حضوراً على شاشات الأخبار. والحرب، وقد أوشكت على دخول عامها الرابع، تظل الأسئلة أكبر من الإجابات، والاحتمالات متضاربة إلى حد الإرباك.
ما قاله الدبلوماسي الأميركي السابق ألبرتو فيرنانديز عن “التجاهل الدولي” لم يأتِ من فراغ. السودان يمر بواحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم اليوم، لكنه يكاد يكون غائباً عن خريطة أولويات المجتمع الدولي، المنشغل بغزة وأوكرانيا وملفات أخرى تبدو أكثر إلحاحًا على حساباته. وهذا الغياب لا يعني فقط قلة المساعدات أو ضعف التغطية الإعلامية، بل يعني أيضاً أن التطورات الداخلية تجري دون رقابة جادة أو ضغط حقيقي، ما يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لسيناريوهات قاسية.
حسم عسكري… ونصر بلا دولة؟
أحد الاحتمالات المطروحة بقوة هو أن يمضي الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان نحو محاولة حسم المعركة كلياً. هذه الفكرة ليست وليدة لحظة، بل تعكس قناعة راسخة داخل المؤسسة العسكرية بأن النصر بات قريبًا، وأن أي هدنة الآن قد تعني التفريط بثماره. تصريحات بعض القادة الميدانيين، مثل ياسر العطا، تكشف هذا المزاج بوضوح.
لكن السؤال المُلِح هنا: ماذا بعد هذا النصر؟ التجارب السابقة تقول إن جيشاً يخرج من حرب دمّرته وأرهقته، ومجتمعاً على حافة الهاوية، واقتصاداً شبه ميت، لا يمكنهم ببساطة تحويل الانتصار العسكري إلى استقرار سياسي دائم. الخطر الأكبر أن يعيد الجيش إنتاج الدولة القديمة بتحالفاتها نفسها، ما يعني عودة النفوذ الإسلامي إلى الواجهة عبر أبواب الجيش الخلفية، ولو بصيغٍ جديدة.
دولتان في بلد واحد؟
على الجانب الآخر، قد لا يستطيع أي من الطرفين حسم المعركة بشكل نهائي. هنا يبرز سيناريو “الأمر الواقع”: تحتفظ قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو بسيطرتها على أجزاء من غرب السودان، خصوصاً دارفور، وتحاول عبر أي اتفاق لوقف إطلاق النار أن تحصل على اعتراف غير مباشر بوجودها.
هذا الوضع قد يرضي بعض القوى الإقليمية التي تبحث عن استقرار محدود يضمن مصالحها، لكنه على المدى الطويل يعني تفكك الدولة وتحول السودان إلى كيانين أو أكثر. كارثة بكل المقاييس، لأنها تعمّق الانقسامات الإثنية والجغرافية وتجعل الحديث عن وحدة البلاد مجرد شعار بلا مضمون.
تسوية مفروضة لا ترضي أحدًا
الاحتمال الثالث هو التوصل إلى تسوية سياسية، ليس لأن الأطراف مقتنعة بها، بل تحت ضغط إقليمي ودولي. هنا قد يتوقف القتال مؤقتاً ، وتُطرح ترتيبات انتقالية يشارك فيها المتحاربون.
لكن المشكلة مزدوجة: أولًا، الثقة بين الطرفين معدومة. ثانيًا، داخل الجيش نفسه هناك تعقيدات كبيرة، خصوصاً مع وجود التيارات الإسلامية التي أشار إليها فيرنانديز. قيادة الجيش تجد نفسها بين مطرقة الضغوط الخارجية التي ترفض عودة الإسلاميين، وسندان حاجتها إليهم في ساحات المعركة. المنتظر، في أفضل الأحوال، ليس سلاماً حقيقياً ، بل هدنة هشة قابلة للانفجار في أي لحظة.
الانهيار الشامل؟
بين هذه السيناريوهات كلها، يبقى الاحتمال الأكثر ظلمة هو انزلاق البلاد إلى فوضى مفتوحة، بانهيار كامل لمؤسسات الدولة وتحول مناطق واسعة إلى ساحات نفوذ لمجموعات مسلحة متعددة. السلاح متوفر، الاقتصاد مدمر، والسلطة المركزية غائبة. السودان قد يجد نفسه نموذجاً جديداً للدول المنهارة، بما يحمله ذلك من تداعيات لا تقف عند حدوده.
الإسلاميون… نهاية دور أم إعادة تموضع؟
وسط كل ذلك، تبرز مسألة الإسلاميين كأحد المفاتيح الحاسمة لفهم ما يجري وما قد يأتي. لم يعد الأمر مجرد حضور داخل المؤسسة العسكرية أو تأثير في القرار، بل يتعلق بمستقبل دورهم السياسي برمته.
الوقائع التي تراكمت منذ اندلاع ثورة ديسمبر جعلت قطاعاً واسعاً من السودانيين، فضلاً عن القوى الإقليمية والدولية، ينظر إلى الإسلاميين باعتبارهم جزءاً أصيلاً من الأزمة لا من الحل. فقد ارتبط اسمهم، في الوعي العام، بسلسلة من الأحداث الدامية والانتهاكات، التي لم تبدأ عند فض اعتصام القيادة العامة، ولم تنتهِ مع اندلاع الحرب الحالية، بل يُنظر إليهم بوصفهم أحد العوامل التي أسهمت في إشعالها واستمرارها.
من هنا، تبدو فرص عودتهم إلى الحكم، بصيغته التقليدية، شبه معدومة. ليس فقط بسبب الرفض الشعبي، بل أيضًا نتيجة لتحولات في المزاج الإقليمي والدولي، الذي لم يعد يقبل بإعادة إنتاج التجربة ذاتها. ما قد يحدث، على الأكثر، هو محاولات لإعادة التموضع داخل مؤسسات قائمة، أو العمل من خلف الستار، لكن دون قدرة حقيقية على الإمساك بزمام السلطة كما كان في السابق.
الخلاصة: بين الداخل والخارج
كل هذه السيناريوهات تشترك في حقيقة واحدة: أن مستقبل السودان لم يعد شأناً داخلياً خالصاً . التوازنات الإقليمية ومواقف القوى الكبرى كلاهما يلعبان دورًا حاسمًا في ترجيح كفة احتمال على آخر. وفي المقابل، يبقى الداخل السوداني – بقواه المدنية المنهكة والمهمشة – الحلقة الأضعف، رغم أنه المعني الأول والأخير بكل ما يجري.
الحرب اليوم لم تعد مجرد خلاف بين جنرالين، بل تعبير عن أزمة دولة لم تُحسم أسئلتها الكبرى منذ الاستقلال. بين رغبة الجيش في النصر، وسعي الدعم السريع إلى البقاء، وضغوط الخارج، وتعب الداخل، يظل السودان معلقًا بين احتمالات قاسية، قد يطول هذا … وربما يُحسم فجأة. لكن الأكيد أن ما يجري الآن ليس سوى فصل جديد من قصة قديمة، لا نعرف بعد كيف ستُكتب نهايتها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم