المثقف والسياسي: المثقف والجيش وخلاصات عامة

(٣-٤)

د. عمرو محمد عباس محجوب

العلاقة بين المثقف و الجيش في السودان كانت دائمًا متوترة، متشابكة، ومليئة بالتناقضات. أضع لك تحليلًا منظمًا:

الخلفية التاريخية منذ الاستقلال (1956) ظل الجيش لاعبًا مركزيًا في السياسة السودانية، عبر الانقلابات العسكرية المتكررة (عبود 1958، نميري 1969، البشير 1989). كان المثقف السوداني، بحكم حضوره القوي في الحركة النقابية والطلابية (اتحاد الطلاب، اتحاد العمال، نقابة الأطباء، المعلمين)، كان غالبًا صوتًا نقديًا ومعارضًا للسلطة العسكرية.

كانت طبيعة العلاقة تتلخص في (١) علاقة صراع: فالمثقف السوداني (شيوعي، يساري، قومي، إسلامي نقدي) كان يرى في الجيش أداة استبداد تُغلق المجال العام والجيش كان ينظر إلى المثقف باعتباره “محرّضًا” على الفوضى أو تهديدًا للاستقرار. هذا الصراع تجسد في القمع، السجون، الإعدامات وغيرها. (ب) علاقة تحالف/اختراق: بعض المثقفين انخرطوا في مشاريع السلطة العسكرية، خاصة في حقبة الإنقاذ (1989–2019) حيث لعب مثقفو الإسلاميين دور “العقل الأيديولوجي” للنظام لكن بعد مفاصلة الترابي (1999)، انكشفت هشاشة هذا التحالف، إذ استغل العسكريون الفكر لتثبيت سلطتهم ثم تخلصوا من بعض “المفكرين” حين لم يعودوا مفيدين.
(ج) علاقة شد وجذب: في ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985، لعب المثقفون والنقابيون دورًا مركزيًا في إسقاط العسكر، لكن الجيش سرعان ما عاد ليحكم عبر انقلاب جديد.العلاقة إذن أشبه بحلقة مفرغة: عند حدوث الثورة بمشاركة المدنيون (المثقفون) يحدث مايسمى انحياز وتدخل الجيش وتؤدي بعد فترة في إعادة إنتاج الاستبداد.

في الثورة السودانية (2018–2019) لعب المثقفون (الأكاديميون، الكتّاب، قادة لجان المقاومة) دورهم وصاغوا الشعارات الكبرى: حرية، سلام، وعدالة. الجيش دخل على الخط بعد سقوط البشير ليحافظ على مصالحه الاقتصادية والسياسية (شركات الجيش، الدعم السريع) وكانت النتيجة الصدام الدموي بين طموحات المثقف المدني وواقعية “السلطة العسكرية” التي لا تريد مغادرة المشهد.

الإشكاليات الجوهرية في علاقة المثقف والجيش يمكن تلخيصها في الشرعية: المثقف يستند إلى الشرعية الأخلاقية والفكرية، بينما الجيش يستند إلى القوة المادية و”الأمن”. المشروع: المثقف يبحث عن دولة مدنية ديمقراطية، والجيش يبحث عن بقاء سلطوي بأي صيغة. التوازن: غالبًا ما ينجح الجيش في قمع المثقف، لكنه لا يستطيع القضاء على أفكاره؛ فيعود الفكر ليتحول إلى ثورة جديدة.

العلاقة بين المثقف والجيش في السودان هي علاقة تصادم بنيوي: المثقف يرى الجيش كعقبة أمام الدولة المدنية الحديثة. الجيش يرى المثقف كتهديد لسلطته ومصالحه. في بعض المراحل ظهر تحالف ظرفي (كما مع الإسلاميين)، لكن النتيجة دائمًا كانت أن الجيش يستعمل الفكر كغطاء ثم يفرض منطقه الخاص. لذلك يمكن القول إن جوهر الصراع السياسي السوداني منذ الاستقلال حتى اليوم هو صراع بين “سلطة العسكر” و”مشروع المثقف المدني”.

المثقف والسياسي: المثقف العسكري (٤-٤)

د.عمرو محمد عباس محجوب

احد ملامح العلاقة كانت في بروز مايمكن تسميته “المثقف العسكري” في السودان، أي الضباط الذين لم يكونوا مجرد قادة جيش، بل حملوا مشروعًا فكريًا أو أيديولوجيًا. ومنذ الاستقلال (1956) ظل الجيش السوداني فاعلاً مركزيًا في المشهد السياسي، ليس فقط عبر السيطرة المباشرة بالانقلابات، بل أيضًا من خلال استيعاب المثقفين أو مواجهتهم. وفي هذا السياق ظهرت فئة مميزة يمكن تسميتها بـ”المثقف العسكري”، أي الضابط الذي لا يكتفي بدوره المهني بل يحاول حمل مشروع فكري أو أيديولوجي. هذه الظاهرة، وإن كانت محدودة، تكشف التوتر العميق بين منطق الفكر ومنطق القوة في السودان.

الضباط الشيوعيون ومحاولة 19 يوليو 1971 برزت تجربة بابكر النور، هاشم العطا، وفاروق حمد الله كأبرز مثال للضابط المثقف في التيار اليساري. فقد ارتبط هؤلاء بالحزب الشيوعي السوداني، وتأثروا بالفكر الماركسي وحركة التحرر العالمية. في انقلاب 19 يوليو 1971 حاولوا إقامة سلطة مدنية ذات توجه اشتراكي، لكن المحاولة انهارت خلال ثلاثة أيام فقط، وأُعدم قادتها. يشير المؤرخ محمد سعيد القدال إلى أن هذه التجربة “كشفت استحالة الدمج الكامل بين المؤسسة العسكرية المحافظة وبين مشروع فكري ثوري يقوم على المشاركة الشعبية والديمقراطية”¹. فالفكر هنا ظل هامشيًا أمام سطوة السلاح.

الإسلاميون داخل الجيش (1989–2019) مثّل انقلاب 30 يونيو 1989 تحالفًا استثنائيًا بين الجيش والحركة الإسلامية بقيادة حسن الترابي. إذ لعب “المثقف العسكري” دورًا مهمًا في تنفيذ المشروع الحضاري الإسلامي، حيث كان كثير من الضباط مرتبطين بالحركة الإسلامية تنظيمًا وفكرًا. لكن مع مرور الوقت، هيمن منطق القوة والسلطة الاقتصادية داخل الجيش، بينما تراجعت الأيديولوجيا. وقد وصف منصور خالد هذه المرحلة بأنها “تجربة استتباع للفكر لصالح البندقية، سرعان ما انتهت بابتلاع العسكر لحلفائهم المدنيين”².

الضابط المثقف الفرد من خارج الأطر الحزبية، برزت أسماء بعض الضباط الذين حملوا نزعة فكرية أو كتبوا مذكرات نقدية، محاولين الجمع بين الروح الوطنية والتفكير المدني. لكن هذه المحاولات بقيت فردية، ولم تستطع منافسة صلابة المؤسسة العسكرية التي ترفض التغيير الداخلي.
كما يوضح عبد الخالق محجوب، فإن “الجيش كمؤسسة لا يمكن إصلاحه من الداخل بالفكر الفردي، لأنه يقوم على الانضباط والتراتبية، لا على الحوار والنقاش”³.

التجربة الشيوعية: أظهرت أن المثقف العسكري قد يُهزم سريعًا إذا حاول فرض مشروع ثوري داخل مؤسسة محافظة. التجربة الإسلامية: برهنت على قدرة الجيش على استيعاب الفكر ثم تجاوزه لصالح منطق البقاء في السلطة. التجارب الفردية: أبرزت محدودية المثقف العسكري في ظل قوة المؤسسة. وعليه، يمكن القول إن ظاهرة “المثقف العسكري” في السودان لم تؤسس لمسار جديد، بل بقيت إما واجهة أيديولوجية أو محاولة عابرة انتهت بالهزيمة أو التهميش. وما تزال العلاقة البنيوية قائمة على صراع بين المثقف المدني الذي يطمح إلى دولة ديمقراطية، والمؤسسة العسكرية التي تحتكر القوة وتعيد إنتاج الاستبداد.

خلاصات

المثقف والسلطة: بين الشراكة والمواجهة: في أغلب المراحل، ظل المثقف السوداني في موقع المعارض للسلطة العسكرية، سواء في عهد عبود أو نميري أو البشير. لكن بعض التيارات (الشيوعيون مع نميري 1969–1971، الإسلاميون مع البشير 1989–1999) دخلوا في شراكات تكتيكية مع السلطة، سرعان ما انتهت بصدام دموي أو إقصاء. السمة المشتركة: كلما اقترب المثقف من السلطة فقد استقلاليته، وكلما ابتعد عنها دفع ثمن المواجهة بالقمع والنفي.

المثقف والتيارات الأيديولوجية: اليسار (الشيوعيون والنقابيون): كانوا الأكثر وضوحًا في بناء مشروع فكري للتغيير، لكنهم تعرضوا لأقسى ضربات القمع (إعدامات 1971). تركيزهم على النقابات جعلهم قوة شعبية كبيرة، لكن غياب الحماية السياسية جعلهم عرضة للعسكر. الإسلاميون: نجحوا أكثر من غيرهم في بناء تحالف مع الجيش، عبر تنظيم “الجبهة الإسلامية القومية”. لكن تحالفهم مع البشير أظهر أن العسكر يستوعب الفكر الإسلامي ثم يفرغه من مضمونه. القوميون العرب: شاركوا أحيانًا مع الجيش (مايو 1969 في بداياتها)، لكنهم تراجعوا مع صعود الإسلاميين. المثقفون الليبراليون والمستقلون: غالبًا ما تبنوا خطاب الحريات والحقوق، وكانوا الأكثر استمرارية في الموقف النقدي، لكنهم ظلوا أقل تنظيمًا، وبالتالي أقل قدرة على التأثير المباشر.

المثقف والجماهير: السمة المميزة في السودان أن المثقف لم يكن “نخبويًا” فقط، بل لعب دورًا جماهيريًا واسعًا عبر النقابات والطلاب. ثورتي أكتوبر 1964 وأبريل 1985، وكذلك ديسمبر 2018، أثبتت أن المثقف السوداني قادر على تحريك الشارع عبر الخطاب والشعارات. لكن في المقابل، عجز المثقف عن حماية الثورة من تدخل الجيش، لأن مشروعه لم يكن متكاملًا في إدارة السلطة.

المثقف كأداة شرعنة: استخدمت السلطات المختلفة بعض المثقفين لإضفاء شرعية فكرية على حكمها نميري استعان باليسار ثم بالإسلاميين. البشير استند إلى الإسلاميين. لكن كل هذه التجارب انتهت بانقلاب السلطة على المثقف، مما خلق ذاكرة سودانية بأن المثقف إذا تحالف مع السلطة “يُستَعمَل ثم يُستبعَد”.

ملامح مشتركة عامة: التوتر البنيوي: بين المثقف الباحث عن المعنى والقيم، والسلطة العسكرية الباحثة عن القوة والاستقرار. التقلب: المثقف السوداني جرّب التحالف مع السلطة والانقلاب عليها، لكنه لم ينجح في فرض معادلة استقرار. القدرة التعبوية: المثقف في السودان لعب دورًا جوهريًا في تعبئة الشارع وصياغة الشعارات الثورية. غياب المشروع البديل: رغم النقد العميق، لم ينجح المثقف في صياغة مشروع متكامل للدولة المدنية يحصّن الثورة من الانقلابات.

من واقع التجربة السودانية يمكن القول إن المثقفين — مهما اختلفت تياراتهم — يشتركون في ثلاث سمات أساسية: الحضور الجماهيري عبر النقابات والطلاب. الصدام المتكرر مع السلطات العسكرية والمدنية على السواء. التقاطع المرحلي مع السلطة، حيث يُستَخدم المثقف لتبريرها، ثم يُقصى عند انتفاء الحاجة إليه. بالتالي فإن العلاقة بين المثقف والسلطة في السودان ليست خطية، بل هي علاقة دائرية: مقاومة → شراكة مؤقتة → إقصاء → مقاومة من جديد.

الهوامش والمراجع

  1. محمد سعيد القدال، تاريخ السودان الحديث 1820–1956، دار الجيل، بيروت، 1992.
  2. منصور خالد، النخبة السودانية وإدمان الفشل، دار الأمين، القاهرة، 2003.
  3. عبد الخالق محجوب، حول البرنامج: دراسات في قضايا الثورة السودانية، دار الفكر الاشتراكي، 1967.
  4. محمد سعيد القدال، الإسلام والسياسة في السودان، دار الجيل، بيروت، 1992.
  5. عبد الله علي إبراهيم، الثقافة والديمقراطية في السودان، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، 1996.

عن د. عمرو محمد عباس محجوب

د. عمرو محمد عباس محجوب

شاهد أيضاً

جورج سوروس: من المضاربات المالية إلى تمويل الديمقراطية في العالم (١-٢)

د.عمرو محمد عباس محجوب سأتناول موضوع جورج سوروس وتأثيره لأنه كثيرًا ما يُخلط فيه التحليل …