أنا والسوق
يرويها الأستاذ محمد سيد أحمد الحسن
حررها عادل سيد أحمد
المحرر:
- في السوق هناك ظاهرة الزبون والمزابنة، نسأل عن هذه الظاهرة وزبائنك أنت على وجه الخصوص؟
- الحقيقة أن السوق ليس سوقا واحدا دائما، كانت هناك أسواق، يعني الخرطوم طبعا كان فيه السوق الافرنجي والسوق العربي بالإضافة إلى سوق الحلة (الحي)، وكل سوق كان يختلف عن الآخر، ومعظم الناس يكون عندهم زبائن بسبب أنه لم يكن هناك دخل سوى الماهية (المُرتب)، والماهية تقطع (تخلص) في الثلاثة أيام الأولى من بداية الشهر فيضطر الناس للشراء على الحساب مما يجبرهم على أن تكون هناك جهة محددة يشتري منها.
أنا، بالذات، كان يعجبني السوق الأفرنجي فأنا لا أعرف أفاصل، وطيلة حياتي العملية وفي كل الأشغال التي اشتغلت فيها لم أكن أعرف المفاصلة، وأفضل الكلام الواضح دائما، فكان يعجبني السوق الأفرنجي لأن الأسعار فيه محددة، فكان كل تعاملي في شراء الملابس والمأكولات وغيرها من السوق الأفرنجي.
والناس يفضلون أن يكون عندهم زبائن أما لأنهم لا يحبون المفاصلة، ولأنه في بعض الأحيان يفتقرون إلى الكاش، أو لأنه عميل جيد فيتوقع الحصول على بضاعة جيدة، فيخلق له زبون.
وأنا كان لديَّ زبائن: حلاقين، فكنت أحلق لقرابة العشرين عاما عند حلاق محدد أسمه أحمد المصطفى، لم أحلق عند سواه، وترزية (خياطين) فقد أخيط ملابسي عند ترزي محدد.
وحتى عندما امتلكت البكاسي (Pick-ups) واشتغلت في السوق كنت أفضل الزبائن، يعني ناس محددين، ولم أكن أفضل الوقوف على باب الله بانتظار المشاوير، لا! كنت أخرج من البيت وأنا أعلم إلى أين أنا ذاهب، ولمن، لا أحب المفاصلة والمناداة على طالبي الخدمة بعد أن يغادروا بسبب عدم الاتفاق.
لا أحب هذا، ولذلك كنت أتعامل مع الزبائن.
وكان عندي زبائن من المطاعم، فكنت أتناول الوجبات في مطعم اسمه (مطعم أركويت الأهلي)، وكان العاملين فيه يعرفونني، ويعرفوا أنواع الأكل المفضل عندي. واستفدنا من تجربة هذا الطباخ في البيت، فالفاصوليا في بيتنا جميلة لأنها تطبخ بالضنبية (ذنب الخروف)، ولها طعم خاص، وهكذا.
أيضا الميكانيكية (عمال الصيانة)، ناس ود الأمين، يعني عندما أحتاج لميكانيكي لا أحب أن أذهب هنا وهناك، حتى لو أخطأ زبوني فأنني أنبهه أو أحاول أن أصلح العمل، ولا أغادر، لأنني أثق فيمن أعرفهم وأتعامل معهم وأعرف مستوى أدائهم. ولكن تجد أناس يثورون ويعملوا جلبة: ما هذا؟ من فعل ذلك؟ وهكذا.
فالقصد من الزبون هو الحصول على خدمة جيدة، أو الحصول على خدمة رخيصة أو الحصول على خدمة دفع مؤجل.
لهذه الأسباب أنت تعمل زبون.
وفي السوق، رضيت أم أبيت ستجد نفسك متورطا في هذه المسألة، ومع أنه تجد لافتات كتب عليها (الدين ممنوع) و(ممنوع الإحراج)، إلا أنك وبعد زمن، تجد نفسك استدنت أو دينت.
مثلا جاءك زبون وصار يتعامل بالكاش، ولكنه فجاءة في أحد الأيام اشترى بضائع وقال لك: - والله ما معي قروش.
فلن تستطيع أن ترجع البضائع، وفي نفس الوقت يكون هو قد تعود على الاستدانة، فالدين جزء من العملية التجارية.
والتاجر لا يدين إلا زبائنه، لا يدين أشخاص من الشارع، بل الأشخاص المعروفين له، يعني جاءك زبون وقال لك: - معليش ياخي، قروشي نقصت!
فليس أمامك إلا أن تقول له: - طيب، خلاص أمشي…
يعني هذه المسألة تبعتني إلى أن تركت السوق، لم أكن أحب المفاصلة، بل أحب التعامل الثابت المعروف سلفا دون مجابدات، يعني انا رأيت بعض الناس في السوق يدخلون في مفاصلات، وفي بعض الأحيان يغضبون فيتشاتمون، ويتنابذون: - أنت حرامي! وكذا…
ولكني لم أدخل في مثل هذه المهاترات، وفي أغلب الأحيان يكون سعر ما أقدمه من سلع أو خدمات معروف سلفا.
amsidahmed@outlook.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم