د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
نبذة عن الطرق الصوفية
لقد دخلت الطرق الصوفية السودان أثناء حكم الفونج عن طريق الحجاز، ولما كانت العلاقات الخارجية الأساسية والرئيسية قائمة بين السودان والحجاز، فقد كان من الطبيعي أن يتأثر السودان بالاتجاه السائد هناك، وهو اجلال الأئمة وأهل الصلاح من الطرق الدينية.
وتعزو الجذور التاريخية لميلاد الطوائف الدينية الي التصوف والي تطوره، فقد غدا جهاد النفس عن طريق الزهد في عرض الدنيا الزائل هو البديل عن الجهاد لغزو العالم وتغيير الكون ونشر العقيدة الإسلامية. وبالنسبة للمتصوفة أو للصوفي فانه ليس هناك من إله سوى الله فحسب، بل ليس هناك شيء سوى الله كذلك، على ان التصوف من الناحية الفعلية هو مذهب وهو منهج في الحياة، يعبر عن نفسه بالتطهر وبالترفع عن الصغائر والدنايا وعن عرض الدنيا الزائل.
وكان المتصوفة أو المتصوفون الأوائل يجوبون أرجاء وأنحاء العالم الاسلامي من أجل تنظيم أتباعهم ومريديهم في شكل أنظمة أطلق عليها فيما بعد اسم “الطرق”، بيد أن هذه الطرق لم يكن المراد بها أن تحتل أو تحل مكان النظم الدينية التقليدية أو تلك الرسمية، ولكن كان ينظر اليها باعتبارها مراكز لبث أرقى وأصفى درجات التطور والصفاء الروحي، تحت قيادة وارشاد أحد ذوي الصلاح والعناية الالهية.
وعلى غير ما يرى الكثير من الناس من أن الطائفية في السودان كانت كلها وبالاً، الا أننا نرى لها، أيضاً، وجهاً مشرقاً، وذلك هو وجه الطائفية الدينية غير السياسية. فهذا السودان الواسع المترامي الأطراف المتعدد القبائل المختلف العادات والتقاليد، لم يحفظ وحدته، على ضآلتها، غير رجال الطوائف الدينية، وذلك على عكس الطوائف الدينية السياسية التي ساهمت وساعدت على تمزيق هذا الشعب بما بثته من كراهية بين أنصارها وتنافس الحكم، فالطوائف الدينية –غير السياسية– هي التي عملت على احياء نار القرآن وساهمت في فتح الخلاوي في كل ارجاء المعمورة.
وفي هذه الخلاوي تعلم الناس القرآن، وتعلموا أن كلمة “لا إله الا الله” هي العروة الوثقي التي تربط أبناء الشعب السوداني الواحد، وكان أنصار كل طائفة ومريديها موزعين ومنتشرين في مختلف المناطق وفي مختلف الأرجاء، وكانوا متحابين في الله وبالتالي تحابوا في الوطن.
وقبل قيام الطوائف السياسية الدينية استطاع الامام المهدي ونجح في أن يجند الشعب السوداني كله في ثورة فريدة انتزعت حرية السودان باسم الدين وباسم الوطنية السودانية وأقام دولة وطنية سودانية، ولكنها في ذات الوقت كرست دور الطائفية السياسية التي لم يعرف السودان في ظلها غير التناحر والتنافر والتشاجر والاختلاف.
وقد أدرك الانجليز هذه الحقيقة، أي حقيقة العروة الوثقى الإسلامية، لذلك اجتهدوا وعملوا جهدهم ألا يصل وألا ينساب الاسلام في جنوب السودان، بل حاربوا كل ما هو اسلامي في الجنوب، فأصدروا قانون المناطق المقفولة ليحول دون اتصال المسلم الشمالي بأخيه في جنوبنا الحبيب.
مفهوم الطائفية السياسية
الطائفية السياسية لا تعني ولا نقصد بها شخص ما، ولا نعني بها جماعة محددة، أو بيت ديني معين، ولكننا نقصد بها محاولة هذا الشخص، أو تلك الجماعة، أو ذلك البيت الديني اقتحام البيت السياسي بصفته الدينية، فارضاً سيطرته ووصايته أو سيطرتها ووصايتها على الأحزاب السياسية، والعمل من خلال هذه الأحزاب لحماية مصالحه أو مصالحها الخاصة، والتي تتعارض وتصطدم بمصالح الأغلبية الساحقة من الكادحين، الذين يعانون ما يعانون بسبب الجهل والفقر وبسبب الجوع والمرض.
لذلك تصيغ هذه الطائفية برنامجاً سياسياً -ان سميناه كذلك- يخدم طبقة معينة من الانتهازيين ومن النفعيين، ولا تعمل على أن يكون هذا البرنامج معبراً عن وجدان الانسان السوداني، وعن همومه وعن قضاياه. ونتيجةً لهذه الأنانية أو هذه الأنوية وتلك الدناءة الطائفية يصبح الحزب السياسي مشلولاً كسيحاً أخرساً، مفتقراً للديمقراطية، غريباً عن التنظيم، وبعيداً عن المؤسسية وعن العلمية، ويتقذم ويتقذم أكثر وأكثر، فتهجره العقول النيرة المستنيرة، والكوادر الوطنية المؤهلة.
ونحن هنا لا نعني بالطائفية الأخيار الأطهار من رجال الطرق الصوفية، من مؤسسي العقيدة الاسلامية في الديار، الذين لم يخلطوها بالتسيس ولم يعتريها التسوس، ولم يمارسوا القرع علي أبواب السلاطين، حفظة الحق، وأركان الدين القويم، صوامو الهواجر، وسهاد الليالي، جفاة المضاجع، ساكنو الفلوات، خمص البطون، مقرحو الأجفان، هداة البشر في مظانهم المختلفة، وانما نعني بالطائفية، الطريقة الصوفية التي حولها شيخها من المقاصد، وسار بها وراء أهواء المصالح، وأخيراً ترك سجادتها فارغة في سابقة هي الأولى في تاريخ الحركة الصوفية في السودان.
الحركة الاتحادية والطائفية
أشرقت شمس الحركة الاتحادية من كبد الجمعيات الأدبية الوطنية، التي زينت العقول، وأحيت القلوب، وأيقظت الأحاسيس، وألهبت المشاعر، ومزجت الأدب بالسياسة، والسياسة بالفكر الحر، وكانت الحرية مبتغاها وهدفها. ومن هنا بدأت المسيرة الاتحادية الفتية، وتخلقت في أحزاب متنوعة، وتجمعت تحت سماء نادي الخريجين، وفي قلب المؤتمر، فكانت هي القيادة الحكيمة، وهي النور المضيء، الذي أنار عقول الناس، فوعوا حقوقهم، وعرفوا واجباتهم، وكانت هي صوتهم الصادق الحر، وقلبهم النابض الحي، فتكاتفوا وتعانقوا تحت رايتها المؤمنة، فقاومت الاستعمار في شجاعة، وحاربت مؤسساته في تجرد، وسارت في طريق الحرية والاستقلال، وفي دروب العزة والكرامة، فكان لها ما أرادت مع تنفس الصباح الأول من يناير 1956م، فأتمت مرحلة التحرير في اكتمال وفي تمام، فتحرر الانسان، وابتسم الزمان، وتجمل المكان، وارتفعت الرؤوس شموخاً، وامتلأت المقل دموعاً فرحة، وازدحم الكون حبوراً وسعادة، ونظرات ثاقبات متأملات وارتسم الأفق ابتسامة حلوة، مبشرة بخير كثير، وبمستقبل أكثر اشراقاً، ومتدفقاً أفراحاً.
وفجأةً أتت الرياح بفئة أصابتها الغيرة، وعمى بصيرتها الحسد، فبدلت الابتسامة جراحاً، والفرح أحزاناً، وأطلق سيدان عدوان دعوات باطلات، فدعا الي قيام حكومة قومية، فكان لهما ما أرادا، ولم يكتفيا بذلك، فنفوسهم كانت تحمل الكثير المميت المقيت، فخرجت القيادة الطائفية عن الحزب الوطني الاتحادي، مكونة حزب الشعب الديمقراطي، دون توضيح “لماذا”. ومنذئذ عاشت “لماذا” في النفوس يتيمة.
واستمر الخزي وتواصل التآمر بتكالب حزبي الشعب الديمقراطي والأمة وأسقطا الحكومة آنذاك، وكونا حكومة السيدين بقيادة الأميرالاي عبدالله بك خليل، ودشنت أعمالها بقبولها للمعونة الأمريكية المشروطة دون أدنى احترام لسيادة السودان ولهيبته، ودبت الخلافات والمكايدات بينهما، واختفت الثقة وتلاشت بين النقيضين، وضاعت البلاد، وتاه العباد، وعم الظلام الأركان، وكشر الباطل عن أنيابه السامة، وبدلت الأفاعي كساها، ودقت طبول الزيف والوهم، وقرعت دفوف الخيانة والجريمة، وانقلب الباطل على نفسه، وجاء عبود غير مصدق، وخَلٌف كل هذا الوهم، وكل هذه الأكذوبة، سيداً يافعاً، قفز دون هدى علي مسرح السياسة السودانية لأول مرة، ليغرد، في نشاز، ببيان والده المؤيد لانقلاب عبود، وكان هذا هو الثدي الذي رضع منه اليافع فنون السياسة الطائفية، واحتلب أشطرها غيرةً وحقداً علي كل ما هو وطني اتحادي، ووصل السقوط ذروته، وحزب الشعب الديمقراطي يقدم مذكرة كرام المواطنين، محرضاً الحكومة علي زعامات الجبهة الوطنية المتحدة وعلي رأسهم الرئيس الأزهري، ووصفتهم بالخونة وبالمارقين.
وجاءت اكتوبر الثورة، وقاطع الشعب الديمقراطي انتخابات 1965م، واصفاً الانتخابات بالجريمة وبالخيانة، وداعياً الي مقاطعتها بحجة بطلانها، وعدم تمثيلها للشمال وللجنوب، فعمت الفوضى البلاد، واعتدى بعض الدهماء على الناخبين في بعض المناطق، فسقط بعض القتلى، وأصيب آخرين، ولغرابة الأقدار أن يأتي الذين قاطعوا انتخابات 1965م بحجة أنها دعوة لفصل الجنوب عن الشمال، بعد ثلاثة عقود ويجلسون مع قرنق، ويتفقوا معه على تقرير المصير، أترون كيف انقلب الحال، وكيف يتبدل الرجال، عجبي!
وتقع الكارثة في غفلة من عمر الزمان، ويتعاشر حزبي الوطني الاتحادي والشعب الديمقراطي، مخلفين وليداً أسطورياً (الحزب الاتحادي الديمقراطي – نوفمبر 1967م).
ومنذ ذلك الميلاد دخلت الحركة الاتحادية أنفاقاً مظلمةً ظالمةً كئيبةً، وقبعنا نغوص في أهوالها، ونختنق في تيهها، ونتألم في ضياعها، واسودت الصورة على سوادها، والميرغني يخرج علينا في آخر الزمان متفوهاً ومتشدقاً بأن الوحدة الاتحادية تمت فصولها في ذلك التاريخ الكارثة، وعلى الخارجين والمتمردين والعاقين العودة الي حظيرته، طائعين خاضعين، مقطوعي اللسان، غائبي العقل، مسلوبي الارادة، طالبين العفو والغفران، مبايعيه رئيساً دائماً، وأبنائه ورثةً شرعيين.
ونسى الميرغني، أو تناسى عمداً أنه أول من تنكر لهذه الوحدة المزعومة، ووقف منشقاً على الشاطئ الآخر مؤيداً وداعماً ومشاركاً النظام المايوي البغيض، منذ ميلاده الأول والي لحظة تشييعه الي مثواه الأخير، ودونكم البرقيات المتتالية التي كان يرسلها ومنها “أضربوا بيد من حديد على أعداء الثورة”. وأيضاً ما ردده الدكتور أحمد السيد حمد في صبيحة الخامس من أبريل وهو يصف الانتفاضة بأنها زوبعة في فنجان، وما جاء في مذكرات الدكتور نفسه في صحيفة الخرطوم في سبتمبر 1993م، “بأنه كان يتآمر على القيام بانقلاب ضد الحكومة في عام 1968م، ومعه السيد محمد عثمان الميرغني والاستاذ عبد الخالق محجوب والاستاذ بابكر عوض الله.!!”
ويجب ألا ننسى موقف السيد محمد عثمان الميرغني في يوم تشييع جثمان الرئيس الأزهري الطاهر.. ومواقفه ابان الفترة الديمقراطية الثالثة وما فعله في حق الحزب، وفي حق الوطن، ومعارضته بالوكالة لحكومة الإنقاذ، ومنعه أعضاء حزبه التعرض لسياسات المؤتمر الوطني وحكومته بسوء، واصفاً كل من ينتقد الحكومة وسياساتها بالمنفلت والمتفلت وبالصوت النشاز.
ونقول ومع كثير من الأسف، بأن فترة الديمقراطية الثالثة كانت من أسوأ الأزمنة والأوقات، التي كشف فيها فصيل حزب الشعب الديمقراطي وبطانته وكذلك سدنته عن وجههم الحقيقي البشع، وظهر ذلك بسفور وبجلاء مع بداية فترة الانتخابات في عام 1986م، عندما مشى التآمر على قدمين وقام بتوزيع الرشاوي يمنةً ويسرةً، من أجل اسقاط المرشحين الاتحاديين (فصيل الوطني الاتحادي)، وكان ذلك بدعم مباشر من قيادتهم في الحزب.
وبدأوا بفتح باب الترشيح للدوائر بدون ضبط ولا ربط أو بدون وجود مقاييس تضبطها وتنظمها، حيث بلغت في كثير من الأحيان، خمسة الي سبعة مرشحين باسم الحزب الاتحادي الديمقراطي في الدائرة الواحدة، والهدف كان واضحاً، وضوح الشمس، وراء هذا السلوك المتخلف وغير الأخلاقي، وهو تشتيت أصوات الناخبين بين هؤلاء وبين أولئك المرشحين الخمسة أو الستة أو السبعة حتى يفوز بالدائرة سواهم وغيرهم من مرشحي الأحزاب الأخرى، ودائماً، ما كان المجموع الكلي لأصوات الناخبين للحزب الاتحادي الديمقراطي في الدوائر هو الأغلبية، وكان ذلك يكفل لهم الفوز بفارق كبير من الأصوات على منافسيهم.
وأيضاً كانت ردة فعل القيادة هي السكوت المحير وهي الصمت المريب عن زيادة الدوائر في كل من دارفور وكردفان، واللتين تعتبران دوائر شبه مقفولة للحزب المنافس، دون المطالبة بالمثل في الشرق وفي الشمال في سبيل الموازنة ومبدأ الانصاف.
وكانت النتيجة الحتمية هي أن فقد الحزب من جراء تلك الأحداث مجتمعة ما يقارب عن الخمسة وستين (65) دائرة انتخابية، كان من ممكن وبفضلها أن يحكم الحزب منفرداً (نتائج الانتخابات وتحليل الدوائر موجودة وبالتفصيل لمن أراد اليها سبيلا).
وعن الحكومة القومية التي ذكرناها آنفاً، يقول السيد خضر حمد في مذكراته… ((قامت الحكومة القومية كما أريد لها أن تقوم، وكما أرادت لها أن تقوم، وكما أرادت في الحاح الصحافة، ونشرت الآراء التقليدية المعروفة الخاصة بوحدة الصف، وضرورة تكاتف الجهود لإصدار الدستور، ورسم الأسس للدولة الجديدة، ولكن لم يحدث من ذلك شيء، اذ انتقل النزاع الذي كان قائماً بين الأحزاب الي داخل الحكومة، وبصورة أشد، واستمر شراء النواب ورشوتهم في الخفاء، ونشطت حركة الاستيلاء على الحزب الوطني الاتحادي (من قبل طائفة الختمية)، وابعاد المشكوك في ولائهم من أعضائه (المقصود الولاء للسيد علي)).
وقد كان العزم مبرماً والنية مبيته لقيام حزب آخر -هو حزب الشعب الديمقراطي- برئاسة الشيخ علي عبد الرحمن الأمين في حالة فشل عملية السيطرة على الحزب الوطني الاتحادي. ويعكس لنا ذلك الشيخ علي عبد الرحمن الأمين، وزير المعارف في الحكومة القومية، والذي أصبح فيما بعد رئيساً للحزب الجديد (حزب الشعب الديمقراطي) في مقابلة أجرتها معه مجلة (كردفان) التي كانت تصدر في مدينة الأبيض.
قال… ((انه لم يعد سراً أن هناك خلافاً بين طائفة الختمية وقيادة الحزب الوطني الاتحادي، وقد بدأ هذا الخلاف خفيفاً، وكان حله سهلاً، الا أنه أهمل فاستفحل، مما لا يستطيع أن يعالجه ويزيله أحد غير رئيس الحزب، وقال انه نسبة لهذا الخلاف، وانعدام الثقة بين قيادة الختمية والحزب الوطني الاتحادي فلا مفر من أحد أمرين لملافاة الموقف، أحدهما اعادة الثقة، مما يعاون على تماسك الحزب واعادة قوته له، والآخر انقسام الحزب الي حزبين لكل منهما قاعدته وقيادته)).
ولم يكتفي السيد علي عبد الرحمن بذلك بل ذهب أبعد منه في خطاب ألقاه في مدينة الأبيض زعم فيه أن أغلبية الشعب السوداني تدين بالولاء للطائفية، وأن على من لا يعجبه ذلك أن يهجر البلاد ويبحث عن وطن آخر.
ومن ناحية أخري استمرت الحكومة القومية برئاسة الرئيس الأزهري قدماً، دون التفاتة للوراء، في تصريف مسئوليتها رغم المؤامرات الكثيرة التي كانت تحاك في أوساط قيادة الختمية من أجل السيطرة على الحزب الوطني الاتحادي واخضاعه لإرادتها، أو تأسيس حزب جديد تكون قاعدته الشعبية هي جماهير الختمية ونوابهم، وكانت تلوح في الأفق السياسي هناك حينذاك نفحات الانتخابات للجمعية التأسيسية التي كان المقرر لها ان تحل محل البرلمان، لترسم الدستور وتصيغه وتقره، وتتولى مسئولية أعمال التشريع، وكان التجهيز والتحضير لتلك الانتخابات يتم في الليالي السياسية التي تقيمها الأحزاب وتقوم بها، كان يعكس شيئاً غير قليل أو الشيء الكثير من توتر العلاقات بين قيادة الحزب الوطني الاتحادي وقيادة الختمية، بل كانت الخطب التي تلقى وتهز المنابر تشمل على الشيء الكثير من الاتهامات، حتى بلغ الأمر بالسيد يحي الفضلي، وهو أحد أقطاب حزب الرئيس الأزهري ومن قادته، أن وصف في حفل أقامه حزبه بالخرطوم بحري، دعوة الاستفتاء التي كان قد نادى بها سيادة السيد علي الميرغني قبيل الاستقلال بأنها مؤامرة أي مؤامرة ضد الاستقلال، أحبطها الشعب السوداني، وكان أن تنبأ في حديثه للحزب الجديد الذي كان العمل على انشائه يسير في الخفاء وعلى قدم وساق، لتقويض الحزب الوطني الاتحادي، بالفناء والتلاشي، وحذر مستمعيه مما أسماه تضليل المضللين، وخرافة الخرفين، والأشباح، وأشار الي ما أسماه مصرع القداسة على مذابح السياسة.
وكان أن نشرت صحيفة الأيام في تلك الأيام مقالاً للسيد “محمد أحمد المرضي” أحد أقطاب الحزب الوطني الاتحادي ومن قادته، وهو كان آنئذ وزيراً للحكومة المحلية في حكومة الأزهري الأولى، ووزيراً للتجارة والصناعة والتموين فيما بعد، بعنوان.. “الوطني الاتحادي وحده مسئول عن الحرية والاستقلال”، يتحدث فيه عن تدخل الطائفية في شئون الحكم، حيث قال… ((لا اخال أحداً من أهل البصيرة والمعرفة يخفى عنه أن تدخل زعماء الطوائف، وهم فيما نعلم من اختلاف الرأي والاتجاه، في شئون الحكم السياسي يجر البلاد الي متاعب واضطرابات لا تقوى عليها في هذا الوقت الذي تواجه فيه أعباء الاستقلال، والذى تطلعت فيه كثير من الدول الأجنبية متحينة فرصتها للتدخل وبسط نفوذها وسيطرتها، واذا كنا نعني بالطائفية الطرق الصوفية، فان الأمر يصبح مضحكاً وعجيباً، ذلك لأن عدد الطرق الصوفية في بلادنا لا يستهان به، فاذا أجزنا لكل صاحب طريقة أن يتدخل في الحكم، ويوجه السياسة لتشعبت بنا الطرق، وأصبح الحكم يعتمد على شيء غير البرلمان أو الدستور، ولما عاد مسئولية وواجباً يحاسب القائمون به على أخطائهم، كما يشكرون على محاسنهم، ان هذا وحده عندي كاف لتأييد الحجة القائلة بإبعاد زعماء الطوائف الدينية عن التدخل في شئون الحكم والسياسة.
ثم أن الوعي الشامل واليقظة التامة التي انتظمت البلاد نتيجة لخروج الاستعمار، وتولي أبناء البلاد شئونها قد أدى الي انقلاب فكري لدى جميع المواطنين، هذه حقيقة لا يمكن انكارها، ولا بد للزعماء أن يقدروها ويفهموها ويضعوها موضع الاعتبار الجاد، ان الشعب اليوم غير الشعب بالأمس، انه يعرف ما له وما عليه، وقد أحس احساساً عميقاً -وعن حق- أنه صاحب هذه الأرض، وأنه يصرف شئونها بمحض ارادته، ووفق مصالحه، هذه هي الديمقراطية الحقة، هي الحرية التي عملنا جميعاً لتحقيقها، حرية الشعب في أرضه، حريته في تصريف شئونه، حريته في اختيار من شاء لخدمته عن طريق الحكم، وأن هذا الشعب الذي انتزع حريته انتزاعاً سيحرص عليها حرصه على الحياة كلها، ويصون مكاسبه التي حققها، يفعل ذلك، رضى الزعماء أم لم يرضوا، وفي هذا كان يلزم على الزعماء أن يخضعوا لإرادة الشعب، لا أن يفرضوا عليه ارادته، أو يحاولوا توجيهه الوجهة التي تروق لهم غير عابئين بإرادته، أقول كان يلزم أن يفعلوا ذلك، ولئن لم يفعلوا لأخطأوا في حق أنفسهم وكانوا وحدهم الملومين.
وها هو ذا السيد الصديق المهدي رئيس حزب الأمة وحفيد المهدي وقف منذ وقت قصير في الأبيض وقال… “ان الطائفية من عمل الاستعمار فاذا ما ذهب الاستعمار ذهبت معه مخلفاته، ثم ها هو ذا يقول في الليلة السياسية التي أقامها حزب الأمة في أم درمان، ان الأنصار ليسوا بطائفة وأن المهدية ما هي الا ثورة ضد الظلم والفساد في الحكم، وفي الدين”. وتبرؤ السيد الصديق من الطائفة لا يعني الا شيئاً واحداً، وهو أن تبتعد الطائفية عن الحقل السياسي وشئونه)) انتهى كلام السيد المرضي.
وقد كان مؤتمر اللجان الفرعية الذي دعا له الحزب الوطني الاتحادي قد انعقد في أم درمان في الأسبوع الثاني من مايو 1956م خلال عطلة عيد الفطر المبارك، واشترك فيه ما بلغ عددهم نحواً من ثلاثة آلاف وأربعمائة وسبعون مندوباً يمثلون سبعمائة وسبع وأربعين لجنة فرعية، خاطبهم الأزهري بوصفه رئيس الحزب قائلاً… ((بفضل اخلاصكم وتكاتفكم خرجت جنود الاحتلال من بلادكم، وارتفع علمكم ذو الثلاثة ألوان، ولهذا انتهينا من معركة التحرير، وعلينا الان أن نخوض معركة التعمير، تعمير القلوب والنفوس، والثقة بالله وبأنفسنا، لا فرق بيننا في اللون، أو الجنس، أو الدين، أو الطائفة، يتحتم علينا أن ننظم صفوفنا في المعركة القادمة، ونرسم الخطة للجهاد الأكبر بعد أن كتب الله لنا الظفر في الجهاد الأصغر، ذلك النصر الذي تعودوه وتعودناه.
لقد انكشف الصراع وكشر عن نابيه، ولن تكون بعد اليوم مهادنة على حساب القيم الوطنية، والتاريخ لن يرحم دعاة التردد الضالعين في ركاب المستعمر، رغم دعاوي الوطنية والبراءة، ان كيد الآخرين ليس بجديد علينا، لأننا رضعنا لبانه صغاراً، وتمرسنا به، اننا لن نفرض في حقوق بلادنا حتى لو تعرضت أرواحنا للأذى)).
وبعد أن تم للسيدين أي الطائفتين (الختمية والأنصار) ما أرادوا وما سعوا من وراءه، وتم اسقاط حكومة الأزهري القومية وقاموا بتكوين حكومة ائتلافية بين حزبي الأمة والشعب الديمقراطي، والتي سماها رئيس وزرائها عبد الله خليل (حكومة السيدين)، أصدر الأزهري بياناً في هذا الصدد، قائلاً فيه… ((اننا نجتاز تجربة ديمقراطية فلنبرهن للعالم أجمع أن السودان المستقل الحر الذي ارتضى الديمقراطية طريقاً لحكمه وتقدمه، يفهم هذه الديمقراطية فهماً حقيقياً، ويحترم نتائج ما تتمخض عنه، ويقدس مقتضياتها، فعلينا جميعاً الاخلاد الي الطمأنينة والهدوء، ومواجهة جميع الاحتمالات برباطة جأش، ايماناً منا بأن الشعب الكريم الذي أولانا ثقته، وأيدنا بالتفافه حولنا، يستطيع بالنظم الديمقراطية، أن يولي شئونه للذين يثق فيهم. واني أرجو أن أذكر أفراد الشعب جميعاً بأن عليهم أن يحترموا النظام الديمقراطي، وأن يرتضوا النتائج التي تأتي بها مهما كانت)) انتهى.
وقد كان للشريف حسين الهندي رأى واضح في الطائفية السياسية، وكان يردد دائماً أن الطائفية ينبغي أن تبتعد عن العمل السياسي الحزبي، وعلى قادتها ألا يتدثروا بالقداسة أذا أرادوا أن يخوضوا مع الآخرين غمار السياسة، وقد رفع الشريف منذ وقت باكر شعار “لا قداسة مع السياسة”، وقد كان انضمام الشريف حسين الهندي للحزب الوطني الاتحادي بعد انفصال طائفة الختمية عنه وتكوينها لحزب الشعب الديمقراطي، وقد كتب الشريف عن الطائفية في جريدة العلم مقالاً بعنوان “لا قداسة مع السياسة” جاء فيه…
((نحن نحترم رجال الدين ما التزموا جانب الدين واعتصموا بدينهم وربهم ابتغاء مرضاة الله، ولكننا لن نهادن الكهنوت السياسي والرهبنة، وعندما نتعرض لزعيم ديني أصبح زعيماً دينياً سياسياً لا نتعرض لمسائله الخاصة فهي ملكه، اننا لا نتحدث عن طعامه وشرابه وعواطفه على الرغم من أننا نعلم عنها الكثير، وانما نتحدث عن مدى صلته بالمجتمع الذي يعيش فيه، ومدى تأثيره السياسي على طائفة من المواطنين بغض النظر عن الاسلوب الذي يتبعه لأنه سياسي على كل حال)) انتهى.
وكان الشريف ضد تسييس طائفة الختمية في إطار الحزب الوطني الاتحادي، كما أثبت ذلك بقلمه ولسانه ولم ينضم للحزب الا بعد انسلاخ الختمية منه وتكوينهم لحزب الشعب الديمقراطي.
وفي كتابه الديمقراطية في الميزان “صفحتي 177-178” كتب رئيس وزراء السودان في ستينيات القرن الماضي، محمد أحمد المحجوب الآتي… ((جرت محاولات في الأشهر التي تلت الاستقلال مباشرة لتأليف حكومة جبهة وطنية متحدة من أجل وضع ميثاق وطني يصبح اطاراً لمستقبل نمو البلاد، وكانت النتيجة تشكيل حكومة ائتلافية محكومة بالموت سلفاً لأن الأحزاب المختلفة التي اشتركت فيها نقلت الى مجلس الوزراء خصوماتها ودسائسها، فوجد مجلس الوزراء نفسه عاجزاً عن الاتفاق على أي قضية.
وزيادة في تعقيد الأمور ظهر في الأفق انشقاق حزب الوطني الاتحادي والختمية، اذ لم يمض وقت طويل حتى أعلن الزعيمان الطائفيان عبد الرحمن المهدي وعلى الميرغني في بيان مشترك قيام تحالف بين الأنصار والختمية، وكان من شأن هذا التحالف الذي رتبه ابن شقيق المهدي –عبدالله الفاضل المهدي-، ابراز الانشقاق بين حزب الوطني الاتحادي والختمية، فقد أسست الختمية “حزب الشعب الديمقراطي” بقيادة الشيخ علي عبدالرحمن، وفي تموز 1956م سقطت حكومة الأزهري الائتلافية، وتشكلت حكومة ائتلافية أخرى بالمشاركة بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي برئاسة الأمين العام لحزب الأمة السيد عبدالله خليل.
لقد كان التحالف بين المهدي والميرغني أعظم كارثة منى بها تاريخ السياسة السودانية، ففي هذا التحالف سعى عدوان لدودان مدى الحياة، بدافع الجشع والتهافت على السلطة والغرور والمصالح الشخصية، الى السيطرة على الميدان السياسي.. ويواصل المحجوب قائلاً… كنت أكن احتراماً عظيماً للاثنين كزعيمين دينيين، غير أنه كان متوجباً عليهما البقاء خارج السياسة بعد جهودهما الجبارة ومساهمتهما في النضال من أجل التحرير)).
ويقول المحجوب أيضاً في كتابه الديمقراطية في الميزان “صفحتي 307 – 308”.. ((ان أخطائنا الماضية يجب ألا تقود جيلنا المقبل الى اليأس، ان بلدنا يملك طاقات هائلة، وهناك امكانات لا حدود لها لبناء دولة على أسس متينة. إنني لا أنوي أن أرسم صورة جمهورية سعيدة، بل سأحاول أن أكون واقعياً قدر استطاعتي كانسان.
يجب ان نبدأ أولاً، بتحديد المثل والأهداف الأساسية اللازمة للدولة الوطنية، التي نريد أن نراها في السودان. ان الضرورة الأولى يجب أن تكون الوحدة الوطنية، ولتحقيق ذلك، على الأجيال الطالعة أن تتخلص من الطائفية والقبلية اللتين وضعتا الكثير من العراقيل في طريق النمو بعد الاستقلال.
ثانياً، في بلد يملك كل هذه الثروات، يجب ان يتحقق الازدهار للسكان، ان بلداً مساحته مليون ميل مربع ونيف من الأراضي الخصبة التي يرويها النيل، فضلاً عن المناطق التي تمطر فيها السماء على مدار السنة، بلداً لا يزيد عدد الأشخاص الذين يعنيهم على 15 مليون نسمة، يجب أن تجعل الحكومة فيه من واجبها المقدس أن تحقق الازدهار لكل فرد.
والوحدة الوطنية والازدهار وحدهما لا يكفيان، بل يجب أن يرافقهما اهتمام بكرامة الفرد، وهذا يمكن تأمينه للشعب بإعطائه الحقوق المدنية الأساسية والحرية، ليتعزز فخرهم ببلدهم ودولتهم وانجازاتهم في جميع مضارب الحياة)) انتهي.
وكخلاصة لما طرحنا، نؤمن بأن محاربة الطائفية السياسية لا يمكن أن يكون الا من خلال التعليم، ومن خلال استمرارية الديمقراطية، وأيضاً من خلال التنمية المتوازنة، وخاصة تنمية الريف، بمعني أن يكون هناك حركة في اتجاه تمدين الريف، وليس العكس. وأن يكون التعليم هو تعليم من أجل الحرية، وليس من أجل الاستبداد ومن أجل خلق قطيع من البشر يتم تحريكه بالإشارة وبعصا الراعي.
ولكنني، أرى بأن كل الأحزاب السودانية تحمل بدواخلها جرثومة فنائها وهي الجرثومة الطائفية، وهذه الجرثومة تتمثل في غياب الديمقراطية، وغياب ممارستها داخل أروقتها، وكذلك لا حضور للحرية الفردية، التي هي قوام الديمقراطية، والتي هي روحها ورئتها التي تتنفس بها.
والديمقراطية في أحزابنا الحالية تعني فقط قيام مؤتمرات دورية، ان وجدت، وإعادة انتخاب القيادة مراراً وتكراراً، والتغيير في قمة الهرم لا يزور هذه القمة الا مع زيارة الموت، وانتقال القيادة الي دار الخلود، وعندها يدخل هذا الحزب أو ذاك في دوامة عدم وجود البديل المناسب المؤهل لقيادة الحزب في عهده الجديد. والسبب يكمن في أن احتكار المناصب القيادية يؤدي الي الغاء عملية تواصل الأجيال.
فالديمقراطية يا هؤلاء ويا أولئك، تكون فعالة وتقوم بدورها المنوط، عندما يكون هناك دستور ديمقراطي، فيه يتم تحديد فترة بقاء العضو في منصب قيادي معين، ومنصب تنفيذي محدد، وغالباً ما يكون البقاء لدورتين انتخابيتين لا أكثر هو المناسب وهو المنطقي، وبذلك يكون هناك ضمانة وضمان لتواصل الأجيال، وينعتق هذا الحزب أو ذاك من سجن الطائفية ويشفى من دائها، ويقتل جرثومتها.
والأهم مما ذكر ومما ذكرت أن تهتم هذه الأحزاب كل الأحزاب من أقصى يسارها مروراً بوسطها الي أقصى يمينها بالتربية الحزبية الوطنية، مع الايمان بأن الحزب ما هو الا مجرد وسيلة لأجل غاية سامية هي المواطن الانسان.
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم