هناك أنماط من السلوك البشري تبعث على الحيرة لمفارقتها الكبيرة الواضحة للفطرة السليمة. ومعلومٌ أن البشر يتفاوتون في طباعهم؛ فمنهم الشرير المُفرط في شره، ومنهم الخيِّر المُفرط في خيره‘ ومنهم الذي تجتمع فيه الصفتان بقدرٍ متساوٍ ويمكن تصنيفه بأنه يقع في منطقة الاعتدال، حيث يكون هناك تنازعٌ وتأرجحٌ بين الطبيعتين. وما يهمني الحديث عنه في هذا المقال هو نمط الشخصية السايكوباتية التي تخرج من نطاق التفاوت المعتاد بين الأفراد الطبيعيين، وتُدخل في نطاقٍ آخر؛ هو نطاق أنماط السلوك المَرَضي. فالسايكوباتية نمطٌ من أنماط اضطراب الشخصية التي تتسم بمعاداة المجتمع. فهي خللٌ عقليٌّ، يُنظَر إليها في الغالب بوصفها اضطرابًا عَصَبيًا/نَفسيًا neuropsychiatric.
لقد عالج علم النفس شخصية السايكوبات على عديد المستويات وفي مختلف الأوضاع. وتشير أبحاث روبرت هير حول الشخصية السايكوباتية، إلى أن من أوضح صفات السايكوبات: انعدام الشفقة والتعاطف، وضعف الشعور بآلام الآخرين ومعاناتهم. وكذلك، قلة الاهتمام بمشاعرهم، وضمور الشعور العاطفي بصورةٍ عامة. فالسايكوبات يميل إلى التلاعب بمشاعر الآخرين، مستخدمًا في ذلك براعته في نسج الأكاذيب والخداع وابتكار مختلف الأساليب لاستغلال الآخرين. وقد يمتلك السايكوبات قدرًا كبيرًا من سحر الشخصية والجاذبية والكاريزما لكنها سطحية. كما يتسم السايكوبات بالتمركز حول ذاته وبالشعور المبالغ فيه بأهميته وبالتميُّز والتفوق على الآخرين. وكذلك، بالفقدان التام للشعور بالذنب أو بالندم على ما يسببه سلوكه من أذى للآخرين. كما تتسم شخصية السايكوبات بالاندفاع والافتقار إلى التروِّي. فهو شخصٌ متهورٌ يطأ الناس بأقدامه ولا يفكر في العواقب ولا يبالي بما يصيب غيره. وقد عالج بول بيبياك وروبرت هير وجود السايكوبات في بيئات العمل في كتابٍ تشاركا تأليفه، اختارا له عنوان: Snakes in Suits، أي، “ثعابينٌ تلبسُ بِدَلا”. وينبه الكتابان العاملين في بيئات العمل المختلفة إلى ضرورة فهم شخصية السايكوباتيين الذي تضمهم معهم بيئة العمل، والتحلي بالتَّحرُّزات الضرورية التي تقيهم شرورهم.
السايكوباتية والطغيان
حكى التاريخ البشري عن كثيرٍ من الطغاة الذين تنطبق عليهم صفات السايكوبات. ولا يعني هذا أن كل طاغيةٍ سايكوبات، وفقًا للتعريف الطبي الدقيق. وإنما يعني أن هناك بعض الطغاة الذين يشتركون في خصائص سلوكية تضعهم في نطاق السيكوباتية. فالطاغية يشبه السيكوباتي في كونه لا يرى بأسًا في قهر الناس وإكراهم على ما لا يحبون. فهو لا يقيم وزنًا للآخرين ولا يتأثر بمعاناتهم. الطاغية والسايكوبات يتشاركان حب السيطرة المطلقة والهيمنة والتحكم في الآخرين، وكلاهما يستخدم الناس وسائل لخدمة أغراضه. والطاغية يماثل السيكوبات في البراعة في المراوغة وتزييف الحقائق، لأن غرضه المركزي هو فرض سلطته واستدامتها، بكل سبيل. كما يتسم الإثنان بالعدوانية ونزعة الانتقام والقيام بردود فعلٍ عنيفةٍ ضد كل من يهدد سلطتهم أو ينتقص من صورتهما التي يحبان أن يُرَوْا بها. كما أن الشعور بالذنب والندم على الأفعال المؤذية، غائبان تمامًا لديهما. بل قد يتجهان لتبرير الأذى بوصفه ضرورةً ووسيلةً لازمةً لتحقيق إنجازٍ يريان أنه يبرر ذلك الأذى.
لا ينظر العلم إلى السيكوباتيين بوصفهم أشرارًا بطبعهم، وإنما بوصفهم أشخاصًا يتَّسمون ببنياتٍ شخصيةٍ يتجمع فيها ضمور العاطفة، مع مهاراتٍ اجتماعية وقدرة على التلاعب. ويظهر خطر السايكوبات وتتسع دائرته عندما تتاح له الفرصة في امتلاك السلطة السياسية المطلقة. ومن أمثلة الطغاة الذين يقعون في دائرة السايكوباتية: نيرون روما، وجنكيز خان، والحجاج بن يوسف، وأدولف هتلر، وإيفان الرهيب، وجوزيف ستالين، وبول بوت، وصدام حسين، ومعمر القذافي، وعيدي أمين، ودونالد ترمب، وكثيرون غيرهم. وأرى أن الفريق عبد الفتاح البرهان قد احتل عبر السنوات الخمس الماضية مكانًا بارزًا في هذه القائمة بدرجةٍ مماثلةٍ لما قام به أسوأهم، وهم: جنكيز خان وأدولف هتلر وجوزيف ستالين وبول بوت. ولابد من الإشارة هنا إلى أن هذا النوع من الفظائع قد يعود في جانبٍ منه إلى الطبيعة السايكوباتية للفرد الحاكم، ويعود في الجانب الآخر إلى طبيعته السايكوباتية التي اختلطت بأيديولجيا طغيانية شمولية وعنفية؛ كالشيوعية، والنازية، والإسلام السياسي.
كل هذه الشخصيات التي جرى عرضها كأمثلة تدل على أن السمات السايكوباتية حين، تلتقي مع سلطة سياسية مطلقة، فإنها تحدثُ موتًا وخرابًا ودمارًا يتعدى ما هو معتادٌ من شرور البشر. فأدولف هتلر أقام معسكرات للاعتقال والإبادة الجماعية أهلكت الملايين من اليهود جوعًا وتعذيبًا ومرضًا وحرقًا في أفران الغاز. وقد وضعت وزارة العدل الألمانية في سنة 1967 قائمةً ضمت أسماء 1200 من المخيمات والمعسكرات الفرعية أقامتها ألمانيا النازية في مختلف البلدان التي احتلتها. أما المكتبة الافتراضية اليهودية فتقول: إن التقديرات تشير إلى أن الألمان أسسوا في فترة الحكم النازي 15000 معسكرًا في البلدان التي احتلوها. أما لينين وستالين، اللذان تعاقبا على زعامة الاتحاد السوفييتي، في النصف الأول من القرن العشرين، فقد تسببا في موت الملايين في معسكرات العمل الإجباري المسماة “الغولاغ”. وهي معسكرات اعتقال تركزت في سيبريا واستمرت لمدة 42 عامًا. وقد كان السجناء والمعتقلون السياسيون يُرهَقون فيها بالعمل القهري المتواصل حتى يموتون من الإجهاد المفرط ومن سوء التغذية.
السايكوباتيون والسلطة
تشير العديد من الأبحاث إلى أن الشخصيات السيكوباتية تتجه بحكم طبيعتها إلى الانخراط في البيئات التي تجري فيها مكافأة أساليب التلاعب بالقانون، والهيمنة والتحكم والسيطرة، والمغامرة. ويجري ذلك، بخاصةٍ، في المجتمعات غير المستقرة ذات البيئات السياسية التي توفِّر مثل هذا المناخ. وقد وفَّر قفز الإخوان المسلمين إلى السلطة في السودان في عام 1989 وإمساكهم بالسلطة لستةٍ وثلاثين عامًا، هذه البيئة التي أعانت على توافد السايكوباتيين إليهم، بمختلف مستوياتهم. وكان السايكوباتيين من قيادييهم هم من تسنم أرفع المناصب. ففي غياب مؤسساتٍ دستوريةٍ وبنيةٍ عدليةٍ قويةٍ، يمكن للفرد المتمركز حول ذاته، المتبلِّد الشعور، والعديم الرحمة، أن يصعد إلى قمة هرم السلطة، سواء أن كانت سلطة الحكم في القمة، أو سلطة إدارة أي مرفقٍ من المرافق، فيتحول مرضه الشخصي إلى طغيانٍ مؤسسيٍّ ممنهجٍ يستخدم أقصى درجات القهر والعنف.
بناءً على ما تقدم، فإن التحدي الذي يواجه المجتمعات البشرية، على اختلاف ثقافاتها وأنظمتها الدستورية، والعدلية، هو خلق الضوابط والموانع التي تحول دون وصول الأفراد ذوي النزعات السيكوباتية من الوصول إلى السلطة. وبطبيعة الحال فإن النظام الديمقراطي والضوابط الدستورية والتعليم الديمقراطي والإعلام الحر المسؤول، والارتقاء بالثقافة السياسية تُمثِّل في مجملها صمام الأمان، الذي يمكن أن يحول بين السايكوباتيون وتولي مقاليد السلطة. فالسايكوباتيين يستغلون تدني الوعي السياسي وتنصل المثقفين عن واجبهم في التوعية وفي الجهر بارأي، فيجدون المناخ الملائم الذي يتيح لهم التلاعب بالعاطفة الدينية لدى الجمهور، وإيثاظ نعرات الكراهية العرقية، وتسميم المجال العام بنشر الشائعات والأكاذيب. فيخلقون بذلك استقطاباتٍ وتجاذباتٍ وبلبلةٍ في الرأي العام، وهشاشةٍ سياسيةٍ، وسيولةٍ قانونيةٍ، تضمن لهم الانفراد بالحكم واحتكار السلطة والثروة وأدوات العنف لأنفسهم.
الكيزان والبرهان والسمات السايكوباتية
يمثل الفريق البرهان، من وجهة نظري، أسطع نموذج للشخصية السايكوباتية التي وصلت إلى قمة السلطة في السودان. لم يعبأ البرهان وهو يعمل على هزيمة ثورة ديسمبر وتنصيب نفسه حاكمًا مطلقًا للسودان بأي شيء. لم يهتم بأي قيمةٍ أخلاقيةٍ؛ سواء أن كانت سماويةً أو عُرفًا بشريًّا صالحًا. لم يهمه قط أن يجري قتل الشبان والشبابات أما مبنى القيادة العامة، وهو يتفرج عليهم من الشاشات وهو مسرورٌ ومزهو. ولم يهمه قنص قوات الأمن للشبان والشابات في الشوارع ولا دهسهم بالسيارات. ولم يهتم أن ينقلب على وثيقة دستورية هو من وقع عليها بشهادة كل العالم. ولم يهتم أن يغلق ميناء البلاد. ولم يهمه أن يسلم سيادة البلاد للنظام المصري. كما لم يهتم قط بإشعال حربٍ كان يعلم، تمام العلم، أنها ستمزق البلاد وتشرد أهلها وتحدث خرابًا غير مسبوق. وعندما حذَّره الفريق محمد حمدان دقلو من خطر ما يخطط له، وقال له: “البلد دي بتتفرتق”، رد عليه بقوله: “خليها تتفرق، بنلمَّها تاني”.
لقد اختلطت في تنظيم الإخوان المسلمين السوداني السايكوباتية بالأيديولوجيا الإخوانية العنفية الاستعلائية المنغلقة. وقد قدم لنا ناجي مصطفى، والناجي عبد الله، وطارق كجَّاب، الناهضين في خدمة الفريق البرهان والإخوان المسلمين، أسطع النماذج للشخصية السايكوبتية محلولة العقال. يقف ناجي مصطفى أمام الناس ويقول لهم، وهو ينظر في قاع أعينهم “بقوة عينٍ” مدهشة، أنه قد أباد 20 ألفًا من الجنجويد، برشةٍ واحدةٍ من رشاشه “السحري”. ويتنقل هذا الرجل المريض من مسجدٍ إلى مسجد ناشرًا الأكاذيب، في صمامةٍ سايكوباتيةٍ لا تضاهى. والأغرب من ذلك، أن من في السلطة، على جميع مستوياتهم، مسرورون مما يقوم به. والدليل على ذلك تركهم له الحبل على الغارب. فلم يخرج قط من هذه البيئة الإخوانية السايكوباتية الجامعة، أي مسؤول، أو أكاديمي، أو صحفي، أو طبيب نفسي، ليقول للناجي: “عينك في راسك”!
وبما أن من سمات السايكوبات موت الضمير، وعدم الاعتراف بالخطأ، وعدم الشعور بالندم، واللامبالاة بما يصيب الناس، فإنه يمشي إلى هدفه سيرًا على جثث الناس. لقد تطابقت أهداف السايكوبات الأكبر الذي تسبب في كارثتنا الراهنة، وهو الفريق البرهان مع أهداف العقل الجمعي الإخواني السايكوباتي الذي لا يستطيع أن يرى نفسه إلا وهو محتكر للسلطة والثروة. فلا التسبب في قتل الملايين، ولا تشريد الملايين من بيوتهم، ولا تدمير العاصمة، وتلويثها بالسلاح الكيميائي، ولا خراب البنى التحتية الضعيفة أصلاً، ولا انهيار الدولة نفسها، يمكن أن يحدث لهم ذكرا. لذلك، فإن الصراع الجاري حاليّا ليس صراعًا بين الشعب السوداني ونظامٍ شموليٍّ عاديٍّ. وإنما هو صراع ٌبين المُدركين، غير المغيَّبين، من الشعب السوداني مع بنيةٍ سايكوباتيةٍ تمأسست وترسخت، لا يهمها خراب البلاد وهلاك العباد. والتاريخ، كما ذكرنا، مليءٌ بالأمثلة المشابهة.
elnourh@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم