نبدأ بادئ ذي بدء مع المفكر الكبير محمود محمد طه، الذي عن الثورة قال… ((الثورة في معناها، هي الحركة، الحسية والمعنوية، من أجل التغيير.. وقد لازم العنف هذه الحركة في جميع أطوار نشوء المجتمع البشرى.. وذلك لأن المجتمع البشرى قد نشأ في الغابة.. وكان قانونه قانون الغابة، الذي لا نزال نعيش في أخريات أيامه.. وقانون الغابة انما يعطى الحق للقوة.. وفيه القوة تصنع الحق، وتتقاضاه.. فهي لا تحتاج الي قانون ينص على حقها.. ولا تحتاج الي قضاة يقضون لها بذلك الحق.. وانما هي، في حد ذاتها، القانون والقضاء.. ومنذ أن بدأت حركة المجتمع في هذا الوضع المهين بدأت الرغبة في التغيير تدب في صدور الضعاف.. ولكن هذه الرغبة لم يكن هناك سبيل الي ابدائها.. وكانت كلما بدت تجد من العنف ما يضطرها الي الاختفاء، وما يكبتها كبتا.. وقد أصبح الضعاف، وهم فريسة القوى، يحتالون للتغيير احتيالاً، بالمراوغة وبالمداهنة، وبالتملق، في أغلب الأحيان، اذ تعييهم القدرة على المناجزة..
وبين الأقوياء، فيما بينهم، ثورات عنف، تتخذ صور الحروب، لأنها نزاع على السلطة، أيهم يملك، وأيهم يسود.. وقد ربى هذا العنف العنيف أفراد المجتمع البشرى، عبر التاريخ، تربية لم يكن منها بد.. بل انه، على التحقيق، ما كان للقيم البشرية أن تمخض من المستوى الحيواني الا بفضل الله، ثم بفضل هذا العنف.. ولقد تصور بعض المفكرين الاجتماعيين ان المجتمع انما نشأ في صورة شركة تعاقد الناس على اقامتها، وأسهم كل فرد من أفراد المجتمع بسهم من حريته ليكون رأسمال الشركة.
هذه الصورة، في جملتها، مقبولة.. وفي تفصيلها نظر.. وهذا النظر لم يكن غائبا على المفكرين الاجتماعيين هؤلاء، ولكنهم أرادوا أن يبسطوا المسألة لتجد طريقها الي الأذهان.. النظر في التفصيل يظهر ان الضعاف لم ينزلوا عن حريتهم باختيارهم، وانما صودرت حرياتهم بتسلط الأقوياء عليهم ومن هذه البداية، الموغلة في البدائية، بدأت سلسلات الحروب، وسلسلات الثورات.. وكانت الحروب سابقة للثورات…
والفرق بين الثورة والحرب… ان الحرب صراع بين الأقوياء على امتلاك الضعاف، هذا في أغلب صورها، والثورة انتقاض من الضعاف على الأقوياء لاسترداد الحقوق والامتيازات التي استولى عليها الأقوياء، ورفضوا أن يتنازلوا عنها.. ومعلوم أن الطبيعة البشرية فيها الشح، والحرص، ومنع ما تملك، ولذلك فقد كان الأقوياء يواجهون حركات الضعاف بالكبت العنيف، مما انتهى بأغلب الثورات الي الهزيمة، والتصفية، والوقيعة بزعمائها.. وهذا، في حد ذاته، أكسب الضعاف خبرة، ومرانه على التنظيم، وحذرا في التنفيذ، وعنفا عنيفا صحب الفشل، وصحب النجاح.. حتى لقد تعدى هذا العنف العنيف أعداء الثورات الي أبنائها.. ولقد أصبح معروفا عن الثورات انها، حين تنتصر على خصومها تأكل أبناءها)) انتهي.
اذن، ما هو هدف الثورة؟ يجيب عن سؤالنا السيد عبد الماجد أبو حسبو، بهذه الإجابة… أي ثورة هدفها هو التغيير الجذري في المجتمع، أي مجتمع. ولا يقتصر هدفها على إزاحة حكومة، وتبديلها بأخرى. فالتبديل هو من عمل الانقلابات ولا علاقة له بالثورات لا من قريب ولا من بعيد. فمثلاً، الثورة الفرنسية عملت على غرس وترسيخ مبادئ الأخوة والعدل والمساواة، وأنهت النظام الملكي والاقطاعي نهائياً والي الأبد، وأحلت مكانه النظام الجمهوري.
وكما قلنا فالثورة ملك لكل الشعب، لأن كل الشعب أو أغلبيته الحاسمة هي التي تقوم بهده الثورة وتفجرها، من أجل التغيير الجذري للمجتمع، وهذه هي الميزة التي تميزها عن الانقلابات. فالثورة من أجل خير جميل، أما الانقلابات فهي من أجل شر مستطير.
والثورة لا يمكن أن تكون غير انها عمل وطني أخلاقي، ولكن الانقلابات فهي ما هي الا عمل جبان لا أخلاقي، تقوم به ثلة صغيرة منظمة في يدها سلاح، وبدون سلاح فهي أوهن من بيت العنكبوت، وأجبن من الجبن، وهدف الانقلاب الرئيسي هو السلطة، ولا يضع الشعب ولا مصالح الشعب في الاعتبار أو في اهتمامه، فهي بكل تأكيد فعل تآمري خائن.
والدليل الأقوى لجبن الانقلاب أو الانقلابات دون استثناء، يكمن في اننا لم نجدها، قط، قامت بانقلاب ضد الاستعمار رغم طول عمره، ورغم انه أذاق الشعب الويلات والذل والهوان، ولكننا نراها تتبجح وتظهر، كلها وجميعها، بعد خروج الاستعمار من البلاد أو من تلك البلاد، وخاصة في قارتنا أفريقيا.
وهي ما هي الا برهان على التخلف، لأنها غائبة في البلاد المتقدمة، ولا تتجرأ على أن تظهر في مثل هذه الدول، ولكنها تتجرأ وتمشي في الأرض مرحاً في الدول المتخلفة أو تلك التي تسمى بدول العالم الثالث الأكثر تخلفاً في كل من قارات آسيا وأفريقيا، وفي أمريكا اللاتينية، وحتى في بعض البلدان الأوربية التي فيها شيء كثير أو شيء قليل من التخلف ومن مظاهره.
وحتى لا نعمم حديثنا، نقول بأن دافع الانقلاب والهدف من وراءه هو الذي يحدد حقيقة الحركة الانقلابية، فهناك بعض الحركات التي قامت بها بعض الجيوش باعتبارها الأداة الوحيدة للتغيير، وقد يكون هدفها وطني، ولكننا لا نستطيع أن نسميها ثورات بالمعني الحرفي للكلمة، ولكنها، وبالرغم من غرضها الأول النبيل، سريعاً وكثيراً ما تنقلب الي حكم فردي دكتاتوري ظالم متخلف، كما حدث وكما يحدث دائماً في البلاد المتخلفة.
وبعد.. ما هي الثورة الحقيقية؟ يجيبنا عن هذا السؤال المفكر باولو فريري، هكذا… هي تلك التي تعمل جاهدة من أجل تغيير العالم، الذي فيه تم امتهان الكرامة، كرامة الانسان. ومثل هذه الثورة يقف ضدها ولا يمكن أن يقوم بها أولئك المستفيدون من مثل هكذا وضع غير انساني، حيث لا حرية، ولا كرامة، ولا عدالة، ولا مساواة، ولا أمن، ولا سلام.
ولكن يقودها المقهورون بمساعدة قياداتهم، ولا يمكن لهذه القيادة أن تقوم بدورها المنوط بها والمطلوب منها الا إذا رسخت واقامة علاقة متينة مع الجماهير، جماهير المظلومين المقهورين. ولكن الكثير من الذين يتطلعون للعالم من خلال منظار ميكانيكي أو بنظرة ميكانيكية، يعجزون عن رؤية مواقف الرجال كما هي ويفشلون في الإحساس بما تحسه الجماهير، ومثل هؤلاء يعتقدون بأنهم يقدرون وأنهم لقادرون على تغيير العالم أو الواقع من خلال الأساليب الميكانيكية بغض النظر عن أحاسيس الجماهير وعن مشاعر الناس وتأثيرها العميق في العمل الثوري.
ولكن الحقيقة التي تؤكد نفسها دائماً تقول بأنه لا يوجد حقيقة تاريخية الا وهي إنسانية في نفس الوقت، فلا يوجد تاريخ في غياب الرجال (الناس)، ولا يوجد هنالك تاريخ من أجل الرجال، فالتاريخ هو من صناعة الرجال، والرجال كذلك من صناعة التاريخ.
وعندما يتم استلاب هؤلاء الرجال وتجريدهم من حقهم في المساهمة وفي المشاركة التاريخية، فهم بالضرورة يكونون مسجونون في سجن السيطرة وفي زنزانة القهر، ولا يستطيعون تجاوز هذا الواقع الظالم الا، فقط، من خلال مشاركتهم في العمل الثوري بكل الوعي، ولا يخضعون له بدون وعي وكأنهم مجرد أغراض.
ومن السذاجة ومن المثالية الشاذة أن نفتكر بأن مجرد معرفة الرجال لواقعهم المقهور، واكتشافهم للحقيقة، ولحقيقة وضعهم كأغراض يكفي وهو كفيل بتغيير حالهم وعالمهم. فلا تؤخذ الأمور بمثل هذه البساطة وبتلك هذه السذاجة، وانما كما قال أحدهم (الرجال في لحظة الاكتشاف يمارسون مخاضاً حقيقياً هو الذي سيقودهم في النهاية لتأكيد وضعهم الجديد).
وأيضاً، ليس من الصواب أن نعتبر الحركة لمجرد انها حركة هي المؤدية الي الثورة، فالحركة فقط دون مقدرة وبلا قدرة على النقد الواعي، الذي يقود الي المزيد من تنظيم الفكر، بحيث يتحول الانسان من سطحية المعرفة الي درجات عالية من الفكر ومن الفكر العميق.
وإذا استمر القادة، قادة الثورات أو الثورة، ينكرون على الناس قدراتهم وينحازون الي تأكيد قدراتهم الخاصة كقادة، فهم بذلك، حقيقةً، سيعملون على تدمير هذه القدرات الكامنة في الناس، لأنهم وبلا شك لا يقدرون أن يفكروا لوحدهم بمعزل عن الجماهير وبعيداً عن مشاركة هذه الجماهير لهم في عملية التفكير تلك.
الواقع دائماً يؤكد بأن الصفوة المسيطرة تميل للتفكير لوحدها دون مشاركة الجماهير لها في هذا التفكير. وهي، أي الصفوة، لا تتيح لنفسها فرصة الفشل في ممارسة ترف التفكير باعتبار أن هذا التفكير الترف يقودها الي معرفة أفضل الوسائل من أجل تأكيد هيمنتها وترسيخ سيطرتها. وهكذا يأخذ الحوار، أي حوار أو الاتصال، أي اتصال بين الطرفين، الصفوة كطرف أول والجماهير كطرف ثاني، شكل بيانات إيداعيه فقط، هدفها الأول والأخير هو تدجين الجماهير المقهورة.
ومن حق الجميع أن يسال، لماذا لا تحس هذه الصفوة المتسلطة بالضعف، وهي تفتقر لمشاركة المقهورين لها في التفكير؟ فالناس يمتلكون الشيء المقابل المعاكس لهذه الصفوة. فمتما امتلك الناس أو امتلكوا قدرة التفكير لانتفى مباشرةً التناقض السائد بين الصفوة وبين هذه الجماهير، وبالتالي ستفقد الصفوة دورها في الهيمنة وفي التسلط، لذلك نجد أن المتسلطين وهؤلاء المهيمنين يسعون جاهدين من أجل أن يكون هنالك تفكير يحكم عدم التفكير الذي تمارسه الجماهير.
يقول نيبور.. (لقد أثار المستر جيدي الذي أصبح رئيساً للجمعية الملكية بعض الاعتراضات التي يمكن أن تلاحظ في كل البلاد فعلى الرغم من وجاهة النظرية، فان المشروع التعليمي إذا ما أعطى للطبقات العاملة الفقيرة فقد يكون متعارضاً مع أخلاقياتهم وسعادتهم لأنه يعلمهم أن يكرهوا أنفسهم بدل أن يعلمهم كيف يصبحون زراعاً وعمالاً ممتازين، كذلك فانه بدل أن يعلمهم الخضوع فانه يعلمهم الجنوح، وكما هو الحال في الدول الصناعية فانه يعلمهم قراءة منشورات التمرد والكتب الفارغة والمطبوعات التي تعارض المسيحية. انه يعلمهم إساءة الأدب مع رؤسائهم وسيجد المشرعون أنفسهم بعد بضع سنوات بحاجة الي استخدام اليد القوية ضدهم).
والظاهر لكل ذي عينين ولمن له حواس أن ما قاله وما أراده المستر “جيدي” هو نفسه ما أرادته الصفوة في قرارة نفسها دون أن تبوح به صراحةً، ودون أن ترفع رايتها المعارضة للتعليم بالصورة نفسها التي صرح بها المستر “جيدي”. وجيدي قد رغب وكانت له رغبة قوية في أن يكون الناس هكذا غير قادرين على التفكير، وذلك لأنه أحد القاهرين، الذين لا يرغبون في أن يفكروا مع الجماهير، فمن الطبيعي أن يجتهدوا في ألا تتعلم الجماهير التفكير لنفسها.
والملاحظ بكل وضوح أن موقع أقدام “جيدي” لا يتناسب ولا يتناغم مع مقاس أقدام القادة الثوريين، والسبب أكثر من بسيط وهو إذا لم يفكر القادة الثوريين مع الجماهير لفقدوا حيوتهم الثورية وطمسوا شخصيتهم الثورية، لأن ما يشغل اهتمامهم ويشكل كل همهم هو الناس، والناس في نظرهم ليسوا مجرد أغراض أو أشياء لا حس فيها ولا إحساس انساني فيها.
نعم القادة الثوريين مثلهم كالصفوة في أنهم يفكرون في الناس في سبيل فهمهم بطريقة أمثل وبطريقة أحسن، ولكن تفكيرهم يختلف عن تفكير الصفوة، فالصفوة تفكر في كيف تسيطر على الناس، أما هم، أي الثوريين، فيفكرون في كيف يتم تحرير الناس. واجمالاً نقول بأن تفكير الصفوة هو تفكير السادة، وتفكير الثوريين ما هو الا تفكير الرفقاء.
وبداهةً نؤكد بأن الهيمنة أو السيطرة تحتاج لطرفين أحدهما مهيمن أو مسيطر والثاني مُستغل أو مقهور، وهناك بين الطرفين تناقض متطرف لا مجال ليبري أو ليلتئم، ولا سبيل لتصحيحه الا من خلال الثورة، التي ترفع مبدأ التحرير. ومثل هكذا ثورة تخلق طبقة من القيادات من صنع المحاولة والتجربة، وإذا كانوا غير منحازين للمظلومين وللمقهورين، فثورتهم ستكون ثورة زائفة غير حقيقية. ولا يكون انحياز هؤلاء القادة للناس المقهورين في شكل التفكير نيابة عنهم كما تفعل الصفوة المسيطرة، ولكن يكون الانحياز بالتفكير معهم، وبمثل هذا السلوك يكونوا هم فعلاً قادة ثوريين.
والمعروف والمشاهد أن الصفوة أو المتسلطون يقتاتون من أكباد هؤلاء الأحياء الأموات من خلال عملية القهر، ولا تحس هذه الصفوة بوجودها الا من خلال علاقتها الفوقية مع المقهورين. ولكن من المستحيلات أن يكون هذا المشهد ينطبق على الثوريين الحقيقيين، أولئك الذين قدرهم أن يضحوا بأنفسهم في سبيل أن يُبعثوا من أول جديد في حركة المقهورين.
وهنا لا نقول، كما قلنا من قبل بحتمية وجود طرفين في العلاقة بين المسيطرين والمستغلين، ولكننا نجزم بأنه من خلال الثورة أو من خلال عملية الثورة لا نستطيع أن نرى فرداً يحرر فرداً آخر، ولا يوجد فرداً يكتفى بتحرير نفسه فقط ولا يهتم بالآخرين ولا يهتم به الآخرين، لأن الحقيقة هي القائلة إن كل الأفراد أو كل الرجال أو كل الناس المقهورين يتبادلون التحرير في شكل عمل جماعي تضامني.
وكلامنا هذا لا يقلل من قيمة وجود القيادة الثورية، ولكننا على عكس ذلك نؤكد على أهميتها في العمل الثوري، فمثل هذه المشاركة مؤهلة لتمنح القادة احساساً وشعوراً فائقاً بالسعادة وبالحبور.
ونقول اجمالاً بأن ما ينجح في فعله القادة الثوريون بحكم طبيعتهم هو ما تفشل في صنعه الصفوة المتسلطة بحكم تكوينها. والحقيقة القبيحة الدائمة هي القائلة بأن أي عمل تقوم به هذه الصفوة المتسلطة تجاه المقهورين المظلومين ما هو الا كرم زائف غير حقيقي، ومثل هذا العمل يفشل فيه القادة الثوريين بحكم تكوينهم.
وعلى ما تقدم نصل الي ملخص يقول إنه بينما تزدهر الصفوة بسحقها للمقهورين، نجد القادة الثوريين يزدهرون متما عملوا مع الجماهير وفي وسطها. وعليه نقول بأن أسلوب القاهرين أو الصفوة المتسلطة أسلوب يتسم بعدم الإنسانية، أما في الجانب الآخر فنرى منهج الثوريين يتدفق إنسانية دائمة.
وفي الحالة الأولى وأيضاً في الحالة الثانية أو في الحالتين يمكن الاستفادة من وظائف العلم، فالقاهريين يتخذون من العلم والتكنولوجيا وسائل وأدوات من أجل تحويل الناس الي مجرد أشياء والي مجرد أغراض، ولكن وبخلاف ذلك، نجد الثوريين يستخدمون العلم كسلاح لتحويل الفرد الي انسان.
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم