ما حقيقة اتفاقية الدفاع المشترك بين تركيا والسودان؟

إبراهيم برسي
zoolsaay@yahoo.com

في المشهد الذي تتكاثف فيه غيوم الحرب فوق السودان، ويتقاطع فيه صوت المدافع مع صدى الأخبار المجهولة المصدر، تسلّل خبرٌ لامع عن “اتفاقية دفاعٍ مشترك بين السودان وتركيا”. خبرٌ قيل إنه وُقِّع في اليوم الأول من نوفمبر ٢٠٢٥، تحت عنوانٍ مثير: “درع السماء والتقنية”… لكن لم يصدر عن أنقرة ولا عن بورتسودان أي تصريح أو صورة أو بيان رسمي يؤكد ذلك.
لا أثر على موقع وزارة الدفاع التركية، ولا في نشرات وكالة الأناضول التي عادةً ما تواكب تحركات الدولة بدقة.
كل شيء صامتٌ إلا مواقع التواصل…

ومع أن الشائعة صيغت بلغة توحي بالثقة – تحدثت عن “توطين الصناعات الدفاعية” و“نقل التكنولوجيا” و“الحماية الجوية المشتركة” – إلا أن البحث في المصادر الموثوقة يُظهر أن ما نُشر لا يتعدى تدويراً لخبرٍ مفبركٍ بلا وثائق ولا دلائل. التحقيقات المستقلة لم تعثر على أي أثرٍ رسمي أو إعلامي معتبرٍ لاتفاقٍ كهذا، ما يجعلها أقرب إلى “رغبةٍ معلّقة” في خيال دعاة الحرب منها إلى واقعٍ سياسيٍّ قائم.

لكن السؤال الأعمق هو: لماذا راجت هذه الرواية الآن تحديدًا؟
الجواب في البيئة نفسها التي تنتج الدخان حين لا توجد نار: حربٌ طويلةٌ تستنزف البلاد منذ أبريل ٢٠٢٣، وحربٌ إعلاميةٌ موازية تسعى كل جهةٍ فيها لصياغة نصرها المعنوي.
ففي ظلّ الإنهاك العسكري وفقدان السيطرة على مساحاتٍ واسعة، يحتاج الجيش إلى ما ينعش صورته، وإلى سرديةٍ تقول لجمهوره: “لسنا وحدنا… تركيا معنا.”
هكذا تتحوّل الشائعة إلى أداة تعبئةٍ نفسية، لا إلى معلومةٍ سياسية.

تركيا بدورها تعرف خطورة أن تُقرأ مواقفها في السودان بعيون القاهرة والرياض وأبوظبي. فهي تراكم خبرتها في القارة الأفريقية منذ تجربتها في الصومال، وتدرك أنّ أي وجودٍ عسكري علني في السودان سيُفهم كتحوّلٍ في موازين القوى في البحر الأحمر. لذلك تميل إلى الصمت البراغماتي، تراقب، وتنتظر اللحظة المناسبة لتوسيع نفوذها الناعم… لا أكثر. ومنطق سياستها في الأعوام الأخيرة قائم على “التحوّط عبر الشراكات”، أي الاستثمار في العلاقات دون الالتزام العلني بالتحالفات.

وفي بورتسودان، حيث تبحث السلطة عن أي مظلةٍ تُكسبها وزنًا خارجيًا، يصبح مجرد التلميح إلى اتفاقٍ كهذا نوعًا من إثبات الوجود. فالحرب استنزفت الجيش، وقلّ دعم الحلفاء، وتبدّد التعويل على الغرب، وباتت السلطة في حاجةٍ إلى إشاراتٍ رمزيةٍ تمنحها شرعيةً ما أمام جمهورها.
من هنا يتغذّى هذا النوع من “الأخبار المسنودة إلى لا شيء”؛ أخبارٌ تؤدي وظيفة نفسية أكثر مما تؤدي وظيفة إعلامية.

لكن من يقف وراء الترويج؟
تبدو البصمة الإعلامية واضحة: الدوائر المرتبطة بالإسلاميين، أو ما يُعرف شعبيًا بـ“الكيزان”، الذين فقدوا السلطة لكن لم يفقدوا أدواتها…
بعد سقوط نظام البشير في عام ٢٠١٩، أعاد هؤلاء تنظيم صفوفهم داخل الدولة العميقة، ووجدوا في الحرب فرصةً لإعادة طرح أنفسهم كحماةٍ للدين والوطن. إنهم يعرفون أنّ نهاية الحرب تعني بداية المساءلة، وأن أي تسويةٍ سياسيةٍ أو انتقالٍ مدنيٍّ سيقصيهم إلى الهامش. لذلك يروّجون لما يُشعر أنصارهم بأنهم ما زالوا يمسكون بخيوط التحالفات الكبرى.

تُستخدم الشائعة إذًا كسلاحٍ في معركة الوعي. إنها محاولة لإقناع الشارع أنّ الجيش الذي يقاتل باسم “الوطن” ما زال محاطًا بحلفاء أقوياء، وأن الأفق ليس مظلمًا.
بعض الصفحات المحسوبة على الإسلاميين في الداخل والخارج – خاصة تلك النشطة في تركيا وقطر – نشرت الخبر كأنه نصرٌ سياسيٌّ ودليلٌ على “عودة المحور الإسلامي”. والهدف واضح: رفع المعنويات، وإرباك خصومهم من المدنيين أو من قوات الدعم السريع التي تسعى لاحتكار خطاب “الدعم الخارجي”.

لكن كما قال أنطونيو غرامشي قبل قرنٍ من الزمان: “حين تعجز الدولة عن إقناع الناس بعدالة وجودها، تبدأ بالبحث عن شرعيتها في الخارج.” وهذه المقولة تصف تمامًا الحالة السودانية الراهنة. فكلما فقدت السلطة رصيدها في الداخل، لجأت إلى الخارج لتغطية ضعفها بشعارات السيادة والتحالفات.

الحقيقة أنّ تركيا، رغم مصالحها الواسعة في السودان، لم توقّع أي اتفاقية دفاعٍ مشترك. وإن كان هناك تعاون، فهو في نطاقٍ محدودٍ وغير معلن: تبادل معلوماتٍ أو تدريبٍ فنيٍّ أو دعمٍ لوجستيٍّ تحت الطاولة. أما “التحالف الدفاعي الشامل” الذي تحدّثت عنه الشائعات، فليس سوى صدى لرغبةٍ سياسيةٍ يائسةٍ في تحويل الوهم إلى واقعة.

لقد تحوّلت المعلومة في السودان إلى رصاصةٍ معنوية. بين الجيش وقوات الدعم السريع، وبين الإعلاميين المحسوبين على الكيزان أو خصومهم، تدور حربٌ لا تقل شراسةً عن تلك التي على الأرض. من يملك القدرة على صناعة الرواية يملك مؤقتًا سلطة تعريف الحقيقة. وما يُنشر حول “اتفاقيات الدفاع” ليس إلا حلقةً جديدةً من معركةٍ أكبر: معركة سرديةٍ حول من يملك الشرعية، ومن يستحق البقاء.

وفي نهاية المطاف، يبقى الواقع كما هو… لا تركيا أعلنت، ولا بورتسودان كشفت عن توقيعٍ أو تحالفٍ موثّق. كل ما هنالك ضجيجٌ يملأ الفراغ السياسي ويخدم حملة تضليلٍ متقنة، تُدار من غرفٍ إعلاميةٍ متصلةٍ بفلول النظام السابق، وتُسوّق الوهم كحقيقة.
الاتفاقية الدفاعية إذًا ليست وثيقةً في أرشيف الدول، بل وثيقةٌ في أرشيف الدعاية… فصلٌ جديدٌ من الحرب التي تُخاض بالخبر كما تُخاض بالسلاح.

ويبقى السؤال مفتوحًا في هواء بورتسودان وأنقرة معًا: “من يحمي من؟
الدولة من الانهيار… أم الحلفاء من المساءلة؟”

عن إبراهيم برسي

إبراهيم برسي

شاهد أيضاً

ما هي السيناريوهات المحتملة في حال سقوط النظام الإيراني؟

إبراهيم برسيzoolsaay@yahoo.com في أواخر ديسمبر ٢٠٢٥، ومع تدهور الريال إلى مستويات قياسية أمام الدولار، دخل …