النور حمد
لقد جرى استخدام الانتهاكات التي شهدتها هذه الحرب، التي تشترك فيها عشرات الجهات المسلحة، بصورةٍ انتقائيةٍ مغرضةٍ شديدةِ الالتواء. فالدافع الحقيقي للتباكي الكاذب، لم يكن التعاطف الإنساني، أو الاكتراث بحياة المدنيين وسلامتهم، بقدر كان الاتِّجار السياسي، لكسب نقطٍة في هذه المعركة الكبرى، متعددةِ الجبهات، ضد الخصم الأكبر والأقوى. غير أن هذا الاستخدام الانتقائي المغرض لا يقتصر على الجهات السودانية العديدة المسلحة المنخرطة في هذه الحرب، وحدها، وإنما ينطبق، أيضًا، على الجهات الدولية من دولٍ ومنظماتٍ حقوقية. وكما سبق أن ذكرنا، فإن كلَّ حربٍ من الحروب قد شهدت، وبلا استثناء، انتهاكاتٍ مروِّعةً لحقوق الانسان؛ من إعدامات ميدانية، ومن أعمال سخرة، ومن سوء معاملة، للأسرى، ومن اغتصابات للنساء، ومن نهب لممتلكات المدنيين. لقد شاهدنا كثيرًا في مختلف الأحوال في هذا الكوكب المضطرب كيف أن الجهات الدولية تحرِّك ملفات انتهاكات القانون الدولي الإنساني، وقوانين الحرب، عندما تجد أنها تخدم أغراضها الجيواستراتيجية والجيوسياسية في وقتٍ بعينه. في حين تغض الطرف عن ذلك في أوضاعٍ أخرى، ترى أن إثارتها، حينها، تضر بمصالحها، أو بمصالح حلفائها. ولست أرى أن هناك حاجةً لإيراد النماذج في ما عُرف بـ “ازدواجية المعايير”. فالنماذج في ذلك، “على قفا من يشيل”، كما يقولون.
أما في السودان، حيث تسود الأمية، والتربية وفقًا لقيم القبيلة، التي تُعلي من شأن العنف والسطوة والمنعة الفيزيائية، وتُمجِّد أخذ الثأر باليد، وليس عن طريق القانون، بل وبطريقةٍ عشوائيةٍ، وحيث تسود الكراهية العرقية، فإن الانتهاكات تصبح متوقَّعةً جدًا. أي، متوقعةٌ أكثر بكثيرٍ مما هي متوقعةٌ في السياقات الأخرى المتقدمة، حيث أخذت قيم الحداثة تحل محل قيم القبيلة، وحيث قبول الكلِّ بالكلِّ، قد حل مكان الكراهية العرقية. ولذلك، فإن الصراخ الذي صحب الانتهاكات التي قامت بها بعضٌ من قوات الدعم السريع، في الفاشر، صراخٌ كاذب، قُصدت منه التغطية على مسلسلٍ أخرٍ طويلٍ وأبشع من الانتهاكات. وهو مسلسلٌ ظل يقوم به الجيش السوداني، منذ الاستقلال، وإلى اليوم. وظلَّت تقوم به القوات المشتركة المتحالفة معه في هذه الحرب. هذا، إلى جانب ما قامت به كتائب المتطرفين الإسلاميين، الذين رأينا رأي العين ممارستهم أساليب “داعش”؛ في جز الرؤوس، وبقر البطون واستلال الأمعاء، ولَوْكِ لحم القتلى، والعبث بجماجم الموتى. وهي ممارساتٌ وثَّقوها بالصورة والصوت، في هذه الحرب. وقد كانت فظاعاتهم هذه سابقةً لما جرى في الفاشر بشهورٍ. ولم نر، حينها، زوبعةً مثارةً، مثل التي أعقبت تحرير الفاشر! لكنه الغرض، و”الغرضُ مرضٌ”، كما يقولون.
مسألة العنف في السودان مسألة ذات سياق خاص. فلو كان المتباكون على الانتهاكات والتجاوزات جادُّون في فهمها والوصول إلى جذورها من أجل العمل على استئصالها من حياتنا، لنصبح أمةً متمدنةً، فإن الطريق إلى ذلك هو البحث الاجتماعي العلمي وليس الاصطياد الفج في مائها العكر لكسب نقطةٍ في المعركة. لكن، لا أظن أن من “ردحوا” حول انتهاكات الفاشر، التي لا تختلف عن أيٍّ من الانتهاكاتٍ التي سبقتها في هذه الحرب، وقامت بها جميع الأطراف، يهمهم من إثارتها وتمثُّلاتها، بتلك الصورة الانتقائية، أمرَ معالجتها. فهم أصلاً مستثمرون في العنف. بل هم لا يريدون للعنف أن يتراجع، لأنه هو وسيلتهم الأولى والخيرة لإحكام السيطرة الأحادية على الدولة وكتم أنفاس الناس.
بين العقل الرعويِّ والعقل المتمديِن
تحدثت في كتابي، المسوم: “العقل الرعوي: استعصاء الإمساك بأسباب الحداثة”، أن النخب السودانية المتعاقبة ظلَّت، منذ سلطنة الفونح، نخبًا ذات وعيٍ كسبيٍّ معيشيٍّ، ذي طابعٍ قبلي. فهو وعيٌ مرتبطٌ إلى درجةٍ كبيرة بتأمين المعيشة، بصورةٍ تقرب من أن تكون حصرية. هذا القبل بعد أن أدغمت الدولة الحديثة المتعثرة القبيلة في داخلها، أخذ يتعاطى مع الدولة كمستودعٍ ضخمٍ للغنائم، أي لتأمين العيش، ولما فوق ذلك من تحقيق للثراء والجاه. ففي الماضي، كانت القبائل تهجم على القبائل الأخرى، تحت مختلف الذرائع، لتحصل على الغنائم التي تؤمن بها بعضًا من معيشتها. لكن، عندما جاءت الدولة الحديثة وفرضت نفسها على القبيلة، انحت القبيلة للدولة مكرهةً، وأدغمت نفسها في جسدها. لكنها أخذت ننخر بنيتها من الداخل. فالقبيلة، بطبيعتها التكوينية وأسلوب عيشها، وبنيتها المفهومية، لا ترى في الدولة سوى كيانٍ فارضٍ لقيودٍ عديدةٍ. وهي قيودٌ لا يفهمها الرعاة، ولا يستسيغونها، وذلك بحكم نزعتهم الاستقلالية، التي تنفر من كل سيطرة خارجية. فالقبيلة المتنقلة لا تعرف غير منطق القوة وشدة البأس. ولا تعرف سوى أن تكون هي المُهيمِنَةً، لا المُهْيمَنِ عليها. ولا أدل على ذلك، من قول عمرو بن كلثوم:
وأَيّــَامٍ لَنــــا غُـــرٍّ طِـــوالٍ عَصَــــيْنا المـَلـْكَ فِيــــها أنْ نَدِيـــنا
إذَا مَا المُلْكُ سَامَ الناسَ خَسْفًا أَبَيْنَا أنْ نُقِرَّ الذُّلَّ فِيْنَا
بغَــــــاةٌ ظَـاِلَمــــينَ وَمَا ظُــلِمْــــنَا وَلكِــــنَّا سَــــــنَبْدَأُ ظَــاِلِمـــــــيِنَا
إذا بـلغ الصَّبيُّ لنــــا فِطـــامًا تَخِــرُّ له الجـــبابرُ سَاجدينا
ونشربُ إنْ وَرَدْنَا المَاءً صَفْوًا ويَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدَرًا وَطِيْنَا
وكذلك قول أبو فراس الحمداني
ونحن قومٌ لا توسُّطَ بيننا لنا الصدرُ دون العالمينَ أو القبرُ
وقول دريد بن أبي الصمة
فلما عَصَوْني كنت منهم وقد أرَى غَــــــــوَايتَــــــهم أَو أنَّــنِي غيرُ مهتدِي
أَمــــــرتُهم أَمــــــرِي بِمُنْعرَجِ اللِّــــوىَ فلمْ يَسْــــتَبِينُوا الرُّشْـــــدَ إلا ضُحى الغَدِ
وهــــل أنَا إلاَّ من غُزَيَّةَ إِنْ غَوتْ غَـــــــــــويْتُ وإِن تَـــرشُدْ غُـــــــــــزَيَّــةُ أرْشُدِ
ما رمى إليه دريد هنا أن الفرد في القبيلة لا يخالف رأيها قط؛ سواءً كانت على هدىً أو كانت على ضلال. فهم لما عصوه ورفضوا نصحه، تخلَّى عن رأيه وانضم إلى رأيهم. وجاء يوم الغد، اتضح أنه كان على صوابٍ وكانوا هم على خطأ. ومع ذلك تساءل دريد قائلا: وهل أنا إلى من غزية؟ فإن هي غوت أو ضلت غوى وضل، وإن هي رشدت رشد هو الآخر. ويؤكد هذا المعنى، أيضًا، قول قُرّيْط بن أنيف التميمي، حيث قال:
قــومٌ إذا الشَّــرُّ أَبْدَى نَاجِـذَيْهِ لَهُــمْ طارـوا إليـه زَرَافَـاتٍ وَوِحْـــدَانَا
لا يَسْأَلُونَ أَخَاهُمْ حينَ يَنْدُبُهُمْ في النَّائِبَاتِ على ما قال بُرْهَانَا
فقُريْط بن بن أنيف يقول عن قومه إنهم لا يخافون الشر. فإن هو أبدى لهم ناجذية، أي كشَّر لهم عن أنيابه، فإنهم يطيرون إلى ساحة الوغى، زرافاتٍ ووحدانا؛ أي، أفرادًا وجماعات. وهم حين يفعلون ذلك، تلبيةً لاستغاثة أخيهم ابن جلدتهم، فإنهم لا يسألونه عن البراهين. أي، لا يسألونه قط ما إذا كان محقًا أو مبطلاً، فهم ينصرونه غض النظر. وهذا من باب القول
العربي القديم “أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا”. وقد دفع ذلك القول أصحاب النبي الكريم لكي يسألوه بعد أن أسلموا، قائلين: إنهم يفهمون أن ينصروه وهو مظلوم، لكن، كيف ينصرونه وهو ظالم؟ فقال النبي الكريم: تنصرونه وهو ظالمٌ بأن تردُّوه عن الظلم. وكان ذلك انقلابًا كبيرًا أحدثته تعاليم الدولة الإسلامية، وهي تصحح قيم القبيلة، التي كان سائدة قبل ظهور الدعوة الإسلامية، والدولة الإسلامية.
القبيلة لا ترى أحدًا غيرها مستحقًّا للمجد، والسؤدد، وعلو المكانة. كما لا ترى في الدولة سوى نقيضٍ لها، متغوِّلٍ على مكانتها الرفيعة، وليست سوى جامعٍ للجبايات من غيرها، بغير وجه حق. ففي الماضي القريب كانت القبيلةُ القويةُ تأخذ الجباياتِ من القبائل الضعيفة، نظير حمايتها. ومن أمثلة كره القبائل الرعوية لأخذ الجبايات، ما أورده الطبري في كتابه، “تاريخ الأمم والملوك”، حيث ذكر رفض الأعراب إيتاء الزكاة للخليفة أبي بكرٍ، عقب موت النبي. وقد حكى الطبري عن ذلك بقوله: “وكانت بنو ذبيان وبنو أسد وفزارة يقولون: “نُصلِّي ولكن لا نؤتي الزكاة”. فبلغ ذلك أبا بكر فقال: “والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة”. وقال أيضًا: “والله لو منعوني عقال بعيرٍ كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه”. ويلخِّص كل هذا، باختصارٍ شديد، نزوع القبيلة للاستقلال عن سلطة الدولة.
موقف القبيلة المناهض لسلطة الدولة، لم يتغير إلى الآن، في عديد المجتمعات، ومن بينها مجتمعنا السوداني الذي لا زال يعيش أوضاعًا ما قبل حداثية؛ من حيث درجة التنمية، وبنية وعي الأفراد، ومسلكهم. فجميعنا، منذ الاستقلال إلى اليوم تعاطينا مع الدولة كمستودعٍ للفرص وللثراء الشخصي والجهوي، وليس كأداةٍ لخدمة الصالح العام. فنحن لم نبن دولةً حديثة بعد. بل لقد تراجعنا تراجعًا مريعًا، عن القليل الذي ورثناه من الاستعمار من مرتكزات ومقوِّمات الدولة الحديثة، حتى انحدرنا إلى طريقٍ أصبحنا نسير فيه، بخطى متسارعة، نحو تفتيت الدولة، وربما محوها من الوجود. وهذا ما ظلت تقوم به الحركة الإسلامية على مدى الثلاثين عامًا الماضية. لقد أدارت الحركة الإسلامية الدولة بعقلية القبيلة. على النطاق الاجتماعي والسياسي فإنها أعادت القبلية والعشائرية إلى قلب العمليات السياسية، بعد أن تراجعت كثيرًا. فالتمكين، والتجنيب، وتحويل الدولة برمتها إلى ملكيةٍ لحزب المؤتمر الوطني، ولتنظيم الإخوان المسلمين، المسمى “الحركة الإسلامية”، واستيلاء جيشها الذي يحرسها، على 80% من ميزانية الدولة، وإدارة اقتصادٍ موازٍ خير خاضع لرقابة الدولة، جعل من كل هذه البنية المتشعبة الناهبة، قبيلة كبرى سيطرت على كل شيءٍ وجعلت من الدولة غنيمةً كبرى، آثرت بها نفسها وداعميها. هذه العقلية القبلية التي تدثرت بثوب الإسلام، والإسلام منها براء، فكَّكت أواصر الدولة الأم وجعلتها جزرًا متقطعة وكانتوناتٍ للخواص. لذلك لم يكن غريبًا أن أصبح السودان أقل الأقطار نموًا، وأفقرها في البنية التحتية، وأضعفها اقتصادًا، حتى بالمقارنة إلى دول الجوار كأثيوبيا، وكينيا، ومصر، ويوعندة. ظلت هذه القبيلة تنهب ثروات البلاد وتدسها في الجيوب الخاصة. كما ظلت تمنح الفرص في الثراء وفي الوجاهة الاجتماعية وفي كل شيء للمنسوبين والتابعين وللمؤيدين. وحين اقتربت ثورة ديسمبر من الغنيمة، التي نهبتها وأخفتها عن أعين الشعب السوداني، وحرستها بالقبضة الأمنية الباطشة، لكي تعيدها إلى مواطني الدولة، قامت هذه البنية، من جهتها، بإشعال هذه الحرب الكارثية. فأحدثت دمارًا شاملا؛ شمل إنسانها، كما شمل جميع بنياتها، ووضعها، مرَّةً أخرى، على حافة انقساماتٍ جديدة، وربما رمى بها، إن لم نقف في وجهها، وإن لم يتداركنا اللطف الإلهي، في هوة التلاشي والانمحاق.
استقواء القبيلة بالدولة
لقد أكرهت الحداثة القبيلة، على الاستظلال بمظلة الدولة، كما أشرنا سلفا. فالدولة الحديثة امتلكت قوة عنفيةً أكبر وأقوى وأحدث مما تملكه أي قبيلة، بل ومما تملكه كل القبائل مجتمعة. تحت ضغط هذا الإكراه، احتالت القبيلة وشرعت في
الالتصاق بالدولة، حتى لا تفقد كل شيء. تخلَّت القبيلة، بصورةٍ عامةٍ، عن نهجها القديم المتمثِّل في استخدام القوة، وفي كثرة أعداد أفرادها، وبأس محاربيها، وجودة عتادها وتفوقه على عتاد غيرها. ومن ثم، كسب عيشها، جزئيًّا، عبر الإغارة على غيرها. التصقت القبيلة بالدولة وجعلت الدولة ترعى لها مصالحها، نيابةً عنها. وقد فعلت نفس الشيء، الطوائفُ، ومعها فئاتٌ مجتمعيةٌ أخرى. حدث هذا في عديد الدول النامية، التي تعيش أوضاعًا اجتماعيةً قبل حداثية. أخذ الجميع يتقرَّبون إلى مركز السلطة، حيث يملك الجيش آلة العنف الحديثة، الأكبر. عرفت كلٌّ من القبيلة، والطائفة، والبيوت الدينية، ومن يسمًّوْن “علماء الدين”، والمتعلمون والمثقفون، الذين درجوا على الاعتياش من السلطة، أن السلطة تحتاجهم، كما يحتاجونها. فانضموا إلى صفها، وأصبحوا جزءًا من بنيتها التي تحتكر السلطة والثروة. وهكذا أخذت هذه القوى تنخر بنية الدولة الحديثة الناشئة، من داخلها لصالحها، مشكِّلةً بذلك، حاضنةً اجتماعيةً داعمة للنظام القمعي ذي الطبيعة الاحتيازية الغنائمية.
وعت جميع هذه القوى المجتمعية التي ترى في الدولة مستودعًا للثروات الشخصية والجهوية، وللفرص، أن السلطات القمعية تحتاجهم، وهي تمارس أساليبها في التلاعب بالمكوِّنات الاجتماعية، وضربها ببعضها، لكي تستمر في الحكم. وهكذا تشكَّل هذا التحالف العريض الهادم لقواعد العدل، وللاستقرار، وتساوي الفرص بين المواطنين. ولقد ظللنا نشاهد هذه السلالة الناهشة للحم الدولة؛ من عشائر، وطوائف، وأحزاب سياسية، ومثقفين، وأكاديميين، وصحفيين، وفنانين، ونجوم رياضة، وغيرهم وهم يتحاومون، منذ الاستقلال، وإلى اليوم، حول كل قوةٍ تصل إلى السلطة. ولا يهم لديهم ما إذا كانت تلك السلطة مدنيّةً أم عسكريّةً. فهم في الحالتين يتحاومون حولها، كما يتحاوم الذباب حول صِحَاف الطعام. هذه، من وجهة نظري، هي العلل المركزية التي خلقت هذه النخبة التي أصبحت قبيلة ضخمة متعاضدة ومترابطة همها الأول والأخير نهش لحم الدولة. هذه النخبة الغنائمية، المتنوعة، هي أقعدت الدولة السودانية، وجرَّتها إلى الوراء، وجعلتها لا تخرج من أزمةٍ، حتى تقع في أخرى، أفدح منها. إلى أن وصلنا إلى حالة الدمار الشامل، التي نمر بها الآن.
(يتواصل)
elnourh@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم