جرعة التضليل الأخيرة (7)

من دولة 56 إلى اللادولة
هناك العديد من الكتب التي شخصت أزمة الحكم في السودان. منها على سبيل المثال، كتاب تيم نبلوك، “صراع السلطة والثروة في السودان”، وكتاب محمد أبو القاسم حاج حمد “السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل”، وكتاب، محمد سليمان “السودان: حروب الموارد والهوية”، وكتاب عطا البطحاني، “أزمة الحكم في السودان: أزمة هيمنة أم هيمنة أزمة”، وكتاب روبرت كولينز، “تاريخ السودان الحديث”. ومنها، أيضًا، العديد من كتب د. منصور خالد، ود. حيدر إبراهيم علي، ود. الباقر العفيف، وغيرها. وما هذه الكتب التي اشرت إليها، سوى أمثلةٍ بارزة. لقد رصدت هذه الكتب وشرحت، كما فعلت غيرها، أزمة الحكم في السودان. ومن اطلع على هذه الكتب، أو بعضها، لابد أن يكون قد تعرَّف، بصورةٍ عامة، على الكيفية التي تكونت بها النخب المسيطرة على السلطة والثروة في السودان، وعلى التراتبية التي اندرجت تحتها فئاتها.
لقد منح مجيء الاستعمار من الشمال، في كلٍّ من الغزو الخديوي المصري، في الربع الأول من القرن التاسع عشر، والغزو الإنجليزي المصري، في نهاية القرن التاسع عشر، الكثير من المزايا لأهل الشمال النيلي، خاصةً من يعيشون بين الخرطوم وحلفا. فهذان الغزوان الأجنبيان جلبا معهما مقومات جهاز الدولة الحديثة، وكل ما ينطوي عليه من بنيات التحديث؛ من سككٍ حديديةٍ، ونقلٍ نهريٍّ، وبوستة وتلغراف، وجهاز إداري حديث، وتعليم حديث، وغير ذلك. وقد منح الالتحاق مبكرًا بالتعليم أبناء الشمال النيلي فرص التوظيف في مختلف الوظائف الحكومية. كما فتح لهم فرص التجنيد في الجيش، منذ فترتي الاستعمار الخديوي والبريطاني. كما فتح لهم، لاحقًا، عقب الاستقلال، أبواب الكلية الحربية، وكلية الشرطة، ما جعلهم يتربعون على أعلى المناصب في الأجهزة الأمنية. وبهذا يمكن القول إن وجود النخب الشمالية في قمة أجهزة الدولة أمرٌ فرضته، في الغالب، عوامل خارجية.
لكن، ما من شك أن تلك النخب قد تشكَّلت بذرتها منذ سلطنة الفونج، خاصة بعد تطور نظام ملكية الأراضي وتحكُّم السلاطين السناريين في منحها. وكذلك، بعداتساع نطاق التعامل بالنقود، ووجود العديد من التجار الأجانب الذين توافدوا إلى سلطنة سنار. ويمكن مراجعة تلك النشأة، بصورةٍ خاصةٍ، في كتاب “صراع السلطة والثروة في السودان” لتيم نيبلوك، وكتاب “عصر البطولة في سنار”، لسبولدينغ. ومع أن تشكُّل النخب الحديثة قد حدث في فترتي الحكم الخديوي التركي المصري والحكم الإنجليزي المصري، في القرن التاسع عشر، إلا أنه يمكن القول: إن النخب الشمالية لم تقم بتوظيف تلك الوضعية القيادية المتوارثة، التي وجدت نفسها فيها، في الوجهة السليمة. فقد آثرت نفسها بالسلطة وبالمداخل على الثروة، الأمر الذي جعلها تحتكر لنفسها الغنيمة اليتيمة المتمثلة في موارد الدولة. وأيضًا تلقي ما تمنحه الدولة ،عبر من يتسنَّمون الوظائف الحكومية، من تسهيلاتٍ لهذه النخب. وقد أدى ذلك التوجه النهبي المريض، إضافة إلى التعليم الوظيفي الذي لا يتعدى حدود إجادة المهنة، إضافةً إلى الأفق المعرفي المحدود، إلى أن تعجز تلك النخب عن القيام بما يسهم في توسيع الماعون الاقتصادي.
لم يشهد السودان في فترة ما بعد الاستقلال توجهًا جادًا لخلق اقتصادٍ تنمويٍّ وجهته ترفيع الأرياف وإلحاقها بالمدن، وبناء القدرات وسط المجتمعات الريفية، ووسط عامة السودانيين، بوجه عام. بل على العكس من ذلك، فقد اتجهت تلك النخب إلى توظيف جهاز الدولة، برمته؛ من جيش، ومن مختلف القوى الأمنية، والخدمة المدنية، والجهاز التشريعي والقضائي، والإرشاد الديني، والإعلام المضلل، والتعليم الوظيفي ذي المخرجات المحدودة، لاستدامة ذلك الوضع المعتل. وقد أدت كل تلك العوامل إلى أن يصب ريع الدولة الضئيل في مصلحة تلك الطبقة الناهبة، المتضامنة حينًا والمتنافرة حينا آخر. ولا يزال هذا الحال على ما هو عليه، إلى يومنا هذا، بل لقد تعقَّد ذلك الوضع، وتعمَّق، خاصة بعد وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة. فقد ملكوا من آليات استدامة ما هو سائد، بل وتعميقه، ما لم يكن يملكه أحد قبلهم. وبذلك، دخل اختلال وظائف الدولة الحديثة في حفرةٍ عميقةٍ يصعب الخروج منها.
لقد اسهم الاستعمار البريطاني في أن تتكون هذه الطبقة الناهبة من قيادات الطوائف والمقربين منها، ومن قيادات القبائل، والمقربين منها، ومن كبار التجار والملاك والمستثمرين، ومن طبقة من يسمون “رجال الدين”. وكذلك، من الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، التي أخذت تتضخم مع تطور بنية الاستبداد، حتى أصبحت هذه الأجهزة إمبراطوريات قائمة بذاتها. كما أصبح جهاز الخدمة المدنية خادمًا تابعًا لهذه الوضعية المعتلة. وقد جمعت بين كل هذه الشرائح القليلة، المسيطرة على كل شيءٍ، العقلية الرعوية القبلية، التي لا تعرف طريقًا لتحسين أوضاعها سوى طريق احتياز موارد الدولة، وكل ما يمكن أن تمنحه لنفسها من تسهيلات حكومية. لقد وجدت هذه النخب، ذات الطبيعة الناهبة، أن ثروات البلاد كلها، التي كانت في مرحلة ما قبل الدولة موزعةً على مختلف القبائل، قد جُمعت تحت هذه البنية الجديدة، المسماة الدولة. فتكالبت عليها وشرعت في نهبها بمختلف الطرق والأساليب.
لكن، بحكم الطبيعة الناهبة لهذه النخب، فإن التنافس فيما بينها كان قائمًا، رغم اتحادها في خاصية النهب وإهمال البناء والتنمية. ولذلك، فقد تنافس شِقَّاها المدني والعسكري، باستمرار في الوصول إلى قمة السلطة، دون وجود رؤية أو برنامج تذكر. ولمَّا كان التنافس بينهما غير متكافئٍ، فقد حاز العسكريون، في مرحلة ما بعد الاستقلال، بحكم آلة العنف الكبرى التي يملكونها، على نصيب الأسد، من سنوات الحكم في البلاد، في مرحلة ما بعد الاستقلال. فقد حكم العسكر البلاد، كما ذكرنا، لمدة 60 عامًا، في حين حكم المدنيون 10 أعوامٍ فقط. لكن، بحكم الطبيعة المشتركة بينهما، فإن العقلية التي أُديرت بها الدولة، لدى كليهما، بقيت كما هي. لكن، مع تفاوتٍ بينهما في الإضرار ببنية الدولة، وفي التنكُّر لقواعد إدارة الدولة الحديثة، والتسبب في انهيارها. غير أن التفاوت بينهما لم يكن كبيرًا. ويلخِّص محمد سليمان أزمة النخب في دولة ما بعد الاستعمار بقوله: “وعلى عكس ما كانت تقّدمه الخطابةُ السياسّيةُ، والتي كانت تزعم أنها تبذل المساعي في سبيل “التنمية الوطنّية، فإن الاستراتيجيات الاقتصادية سريعًاً ما جعلت أولويَّتها سيطرة “النخبة” الوطنية على المصادر الحيوية للثروة”. باختصارٍ شديد، اتخذت النخب؛ سواء المدنية أو العسكرية من الموقع الرسمي في بنية السلطة الحكومية، أداةً لخدمة نفسها. وقد عبَّر السودانيون عن ذلك بنحت مثلٍ شعبيٍّ، يقول: “العندو القلم ما بكتب نفسو شقي”. وهكذا انخرطت كل فئةٍ من الفئات العديدة المُكوِّنة لهذه الطبقة الناهبة، تكتب لنفسها ما تتطلع لحيازته من الامتيازات من موارد الدولة ومن تسهيلاتها. وقد جرى هذا على المستويين الفئوي والشخصي، واتسع تبديد حصائل اقتصادٍ ريعيٍّ، أو شبه ريعيٍّ، بالغ الضعف.
الجيش الذي تحوَّل إلى قبيلة
ظل الجيش السوداني منذ فجر الاستقلال يزحف زحفًا حثيثًا لكي يبتلع الدولة. فقد تحوَّل من حالته التي كان عليها في ظل المستعمر، كمؤسسة ذات طبيعة استعمارية، كانت تتعاطى مع بنية الدولة وفقًا لقواعد الحداثة، ليصبح القبيلة الأكبر في البنية القبلية والجهوية والفئوية التي سادت البلاد عقب الاستقلال. بعبارة أخرى، أن الدولة الحديثة كانت نبتًا غريبًا جرى غرسه في بيئة يسيطر عليها عقل رعويٌّ بدويٌّ، نهبيٌّ. وقد أخذ هذا الغرس في الذبول، وبسرعةٍ كبيرةٍ، عقب خروج البريطانيين الذين غرسوه. حلَّ الجيش السوداني، في مرحلة ما بعد الاستقلال محل القبائل المسيطرة في الماضي. ففي المسيرة الممتدة من فترة حكم انقلاب الفريق إبراهيم عبود إلى انقلاب العميد عمر حسن البشير أصبح هو القبيلة الأكبر والأقوى التي صفت وراءها نخبًا عديدة ذات وعي قبلي. وبقيت خارج هذه الدائرة شراذم مما تسمى “قوى حديثة”، ضعيفة التأثير.
يمكن القول إن فترة حكم الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري (1969 – 1985)، هي التي شهدت التحول الكبير في مسيرة ابتلاع الجيش للدولة، خاصةً إذا قمنا بمقارنتها بفترة حكم الرئيس إبراهيم عبود التي سبقتها، (1958 – 1964). لقد واجه الرئيس جعفر نميري سلسة متواصلة من الانقلابات العسكرية على نظام حكمه. وقد وقف وراء عددٍ من تلك الانقلابات مدنيون. خلق هذا الضغط عصبيةً حادة داخل المؤسسة العسكرية، وفاقم كثيرًا من شوفينتها، وأوجد فيها دافعيةً قويةً لحماية الذات. لقد مرَّت المؤسسة العسكرية في فترة حكم نميري بمحاولاتٍ انقلابيةٍ قويةٍ متتاليةٍ، أوشكت أن تُخرج السلطة من يدها.
تحت ذلك الضغط المتواصل، توسعت الاستخبارات العسكرية، وتوسَّع جهاز الأمن، وبدأ عهد الإغداق على الجيش وعلى جهازي الأمن وجهاز الشرطة. زيدت المرتبات، وتعدَّدت الامتيازات، ومُنحت السيارات، وانفتح الباب للسلفيات من البنوك لشراء المنازل. وكل ذلك لضمان الوحدة الداخلية للمؤسسة العسكرية. وهكذا أصبح الجيش القبيلة الكبرى التي وضعت تحت هيمنتها جميع بقية القبائل. وقد استطاع جعفر نميري أن يخترق الكتلة المدنية التي أدارت الفترتين الديموقراطيتين عقب الاستقلال، وذلك بأن جر إلى جانبه القوى الحديثة منها؛ من يساريين، ومن عموم المثقفين الكارهين للطائفية والعشائرية، وتوظيفهم ضد القوى التقليدية. وقد كان لتلك القوى الحديثة، الكارهة للقوى التقليدية، ثأر معلَّق معها. وعمومًا، كان جعفر نميري أكثر من استخدم التكنوقراط من اليساريين ومن المثقفين الكارهين للطائفية وللعشائرية في إدارة دولته.
شهدت تلك الفترة، قيام بعض ضباط الجيش بخلق مجال جديد لأنفسهم للكسب الشخصي، عبر نهب موارد الدولة. مانحين أنفسهم بذلك استحقاقاتٍ إضافيةً، علاوة على ما خصصته لهم المؤسسة العسكرية، بصورة رسمية. وقد شهدت فترة حكم نميري بصورةٍ خاصةٍ تزايدًا كبيرًا في ظاهرة نهب الموارد الطبيعية. فبحكم الحرب المستمرة لعقود، وإشراف الجيش على أقاليم مختلفة من البلاد، انعدمت فيها حراسة الدولة لمواردها أخذ ضباط الجيش في قطع أشجار الأخشاب الثمينة؛ كالمهوقني والتيك وغيرها في تلك المناطق، وترحيلها إلى شمال البلاد للاتجار بها للصالح الشخصي. حدث هذا بصورةٍ واسعةٍ في حرب الجنوب في مراحلها المختلفة. كما جرى كذلك في مختلف غابات السودان في المناطق الغنية بالغابات؛ كجنوب النيل الأزرق وجنوب كردفان. وإلى جانب قطع أشجار الأخشاب الثمينة كانت هناك تجارة الفحم النباتي، وتجارة الحيوانات البرية، وغير ذلك من الموارد الطبيعية المتاحة بسبب قلة الحراسة وبسبب وجود مسؤولين مدنيين فاسدين تواطأوا مع الضباط في تلك الأفعال المشينة. بل، كان ضباط الجيش ينقلون تلك المنهوبات على طائرات الجيش وعلى سياراته إلى شمال البلاد ليبيعونها. وقد أسهمت تلك الأفعال الشائنة في تدمير الغطاء الشجري في السودان.
أيضًا، بسبب الحرص على ألا يقوم ضباط الجيش بالانقلاب على النظام القائم، وخاصةً في فترة حكم نميري، بدأ إسناد إدارة العديد من المؤسسات الاقتصادية للضباط المتقاعدين، ليصبحوا منتفعين من النظام القائم وحريصين على بقائه. وقد تطور هذا الوضع، بل وانفجر في فترة حكم الإخوان المسلمين، حيث أُحيل آلاف الضباط إلى التقاعد القسري، وجرى استبدالهم بالمنتمين إلى تنظيم الإخوان المسلمين. وقد شمل ذلك جهاز الشرطة وأجهزة الأمن العديدة التي توسعت بصورةٍ غير مسبوقة. كما تحول الجيش إلى ممارسٍ صريحٍ للنشاط الاقتصادي التجاري، وأصبح منخرطًا في علميات الإنتاج السلعي والاستيراد والتصدير، ضمن بنيةٍ لدولةٍ موازيةٍ، أضحت مستقلةً تمامًا عن الدولة الأم. وهكذا تحول الجيش من مرحلة القبيلة إلى مرحلة الأوليغارك، وهي المرحلة التي نعيشها حاليًا. لذلك، فإن أكبر شعارٍ مضللٍ، مما ظللنا نسمعه في هذه الحرب، هو شعار “جيشٌ واحد شعبٌ واحد”.
لقد أصبح الجيش على يد الإخوان المسلمين، خاصة في فترة الفريق البرهان هذه، قوةً ناهبةً، ماصةً لدم الشعب، بل سلطة عميلةً بصورةٍ فاضحةٍ لجمهورية مصر. فقد تنازلت لها عن أراضي السودان، وعن مياهه الإقليمية، وعن موارده، وأسلمتها قياد نفسها بالكامل، نظير إعانتها على البقاء في السلطة. لقد أصبح الجيش السوداني، في الدولة السودانية، في هذه الحقبة المظلمة التي نعيشها الآن، أشبه ما يكون بالإقطاعي في العصور الوسطى، حيث كان الملك، والإقطاعي، ورجل الدين، يحوزون كل شيء واضعين الشعب، كله، في خانة الأقنان المستعبدين المسحوقين. هذا الوضع المأساوي المزري هو ما يحاول جيش الإخوان المسلمين تضليل الناس عنه، بكل سبيل، تحت دعاوى زائفة كدعوى “معركة الكرامة”. وللأسف، فقد جاز ذلك التضليل المفضوح، على كثيرين جدًا، ومن بينهم عدد من المثقفين.
(يتواصل)

elnourh@gmail.com

عن د. النور حمد

د. النور حمد

شاهد أيضاً

جرعة التضليل الأخيرة (9)

النور حمدأكذوبة “جيشٌ واحد شعبٌ واحد”إن أكثر الشعارات تضليلاً لهو شعار “جيشٌ واحدٌ شعبٌ واحد”، …