khirawi@hotmail.com
علاء خيراوي
في أصل الفطرة الإنسانية، قبل السياسة والأيديولوجيا والسلاح، يقيم ميلٌ غريزيٌّ عميق نحو السلام، لا بوصفه شعارًا أخلاقيًا مجردًا، بل باعتباره شرط البقاء الأول. الإنسان لا يطلب الحرب بطبيعته، بل يُدفع إليها حين تُغلق أمامه سبل الحياة، أو حين يُخدع باسم القيم، أو حين يُرغم بالخوف. ولذلك فإن أي ادعاء بوجود “حاضنة شعبية واسعة” للحرب، في بلدٍ كالسودان، يتناقض ابتداءً مع منطق الفطرة، قبل أن يتناقض مع الوقائع المادية الماثلة للعيان. فالشعوب التي تُقصف، وتُشرَّد، وتُجوَّع، لا تخرج بطوعها لتبارك استمرار الكارثة، إلا إذا كانت واقعة تحت ضغط البطش، أو رهينة لآلة تخويف منظّمة، أو محرومة من الحدّ الأدنى من الأمان الذي يسمح لها بأن تعبّر عن إرادتها الحقيقية.
من هنا، فإن أي قراءة تدّعي أن الإنسان السوداني، وقد جُرّد من بيته، ومدرسته، ومستشفاه، وأمنه، وحقه في المستقبل، خرج طوعًا ليطالب بمزيد من الحرب، هي قراءة تتصادم مع الفلسفة، ومع التاريخ، ومع منطق الإنسان ذاته. فالإنسان الحرّ لا يتظاهر من أجل القتل، ولا يهتف لاستدامة الخراب، ولا يمنح شرعية أخلاقية لمأساة يعيشها جسده كل يوم. وإذا بدا المشهد خلاف ذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يكون؛ لماذا خرجت هذه التجمعات؟ بل؛ تحت أي شروط خرجوا؟ ومن صادر حق الآخرين في أن يخرجوا ليقولوا العكس؟
والسودانيون اليوم ليسوا شعبًا في حالة اختلاف سياسي عادي، بل مجتمعًا منكوبًا بكل المقاييس. وفق تقديرات الأمم المتحدة حتى نهاية عام ٢٠٢٤ وبدايات ٢٠٢٥، قُتل عشرات الآلاف من المدنيين، بينما تشير تقديرات غير رسمية أكثر تحفظًا إلى أن العدد قد يتجاوز ذلك بكثير في ظل صعوبة التوثيق. أكثر من ١٣ مليون سوداني أُجبروا على النزوح داخليًا أو اللجوء خارج البلاد، ما يجعل الأزمة السودانية واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم المعاصر. انهارت المنظومة الصحية في معظم الولايات، وتضرّر أو دُمّر ما يزيد عن ٧٠٪ من المرافق الصحية في مناطق الاشتباك، فيما خرجت آلاف المدارس والجامعات عن الخدمة، وحُرم جيلٌ كامل من حقه في التعليم. وتشير تقارير منظمات الأمم المتحدة المعنية بالتعليم إلى أن نحو ١٣ مليون طفل وطالب سوداني لم يبدأوا رحلتهم التعليمية أصلًا أو توقّفوا عنها قسرًا بسبب الحرب، في واحدة من أخطر حالات الانقطاع التعليمي في العالم اليوم، بما يحمله ذلك من آثار بعيدة المدى على المجتمع والدولة والسلم الأهلي.
اقتصاديًا، فقد الجنيه السوداني معظم قيمته، وتوقفت سلاسل الإنتاج، وانهارت الدخول، بينما يعيش أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر، ويواجه ما يقارب ٢٥ مليون إنسان مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم ملايين على حافة المجاعة بحسب برنامج الغذاء العالمي. هذه ليست أرقامًا في تقرير، بل كلفة إنسانية شاملة تُسقط أي ادعاء عقلاني بأن شعبًا في هذا الوضع يمكن أن يختار الحرب خيارًا واعيًا.
في ظل هذا الخراب الكلي، يصبح السؤال الجوهري؛ هل يعكس أي حراك مؤيد للحرب إرادة شعبية حقيقية، أم أنه نتاج بيئة خوف مُحكَمة؟ فالتجربة السودانية نفسها تقدّم الجواب. كلما أُتيحت للناس مساحة آمنة للتعبير، خرجوا مطالبين بوقف الحرب، لا بتوسيعها. كلما انخفض منسوب القمع، ارتفعت أصوات السلام. وكلما تراجع سطوة السلاح، تقدّم مطلب الحياة. الأغلبية الصامتة في السودان ليست صامتة لأنها تؤيد الحرب، بل لأنها تعرف ثمن الكلام في زمن السلاح. ولو تُرك للسودانيين المجال ليخرجوا دون تهديد، ودون تخوين، ودون عسكرة للمجال العام، لكان مشهد الشوارع مختلفًا جذريًا؛ مشهد يطالب بوقف النزيف، لا باستدامته، وبإنهاء الحرب، لا بإعادة تدويرها تحت أي لافتة.
من هنا، فإن قراءة أي مظاهرات أو دعوات للحشد خارج هذا السياق الإنساني الكاسح ليست قراءة ناقصة فحسب، بل قراءة مضللة. فالشعوب المنكوبة لا تُقاس مواقفها بعدد الصور، ولا تُختزل إرادتها في مشاهد مصنوعة تحت الخوف. وما لم يُؤخذ هذا الأساس الأخلاقي والإنساني في الاعتبار، فإن كل حديث عن “دعم شعبي للحرب” يظل ادعاءً هشًّا، يصطدم أول ما يصطدم مع حقيقة الإنسان، ثم مع حقيقة السودان.
لم يكن ما جرى يوم السبت محاولة تعبير عفوية عن موقف شعبي بقدر ما كان اختبارًا سياسيًا أرادت له قوى بعينها أن يبدو استفتاءً على الحرب نفسها. خرجت “الدعوات باسم “الاصطفاف الوطني و”دعم الجيش”، لكنها في جوهرها كانت محاولة لإقناع الداخل بأن الشارع يريد استمرار المعركة، ولإقناع الخارج بأن الحرب لم تعد قرار نخبة مسلحة، بل خيارًا شعبيًا واسعًا. غير أن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا لما أُريد لها، ليس فقط لأن الحشود كانت محدودة، بل لأن المشهد كله فشل في فرض نفسه كحدث سياسي حقيقي.
العلامة الأولى على هذا الفشل تمثلت في الغياب شبه الكامل لأي تغطية من وكالات الأنباء الدولية والقنوات التلفزيونية الكبرى، ما عدا وكالة الاناضول التركية المنسجمة مع الرؤية الاخوانية لحكومة اردوغان. فالإعلام، بطبيعته، لا يغيب عن الحشود الفعلية ولا يتجاهل المظاهرات التي تصنع لحظة عامة. حين خرج السودانيون في ثورة ديسمبر، وحين امتلأت الساحات في مواكب مليونية لاحقة، حضرت الكاميرات قبل اكتمال التجمعات، وبثت رويترز وغيرها الصور والعناوين بلا حاجة إلى ترويج ذاتي. أما “في هذا المشهد، فقد تُرك “الحدث لمنشورات حزبية ومقاطع هواتف مرتجفة، وهو ما يكشف أن الدعوة لم تبلغ العتبة الخبرية التي تُجبر غرف الأخبار على الالتفات إليها. صمت الإعلام هنا ليس حيادًا ولا مؤامرة، بل شهادة مهنية على أن ما جرى لم يرتقِ إلى مستوى التحول الشعبي.
ولم يقتصر ضعف المشهد على محدودية الحضور وصمت الإعلام الدولي، بل تعمّق أكثر مع تصاعد اتهامات واسعة وملحوظة وُجّهت إلى جهات محسوبة على بورتسودان بفبركة السردية البصرية نفسها. فقد تداول صحفيون وناشطون سودانيون، داخل البلاد وخارجها، أدلة مقارنة تُظهر استخدام صور ومقاطع فيديو قديمة أُعيد نشرها على أنها توثيق لمظاهرات اليوم، في محاولة واضحة لتعويض غياب الزخم الحقيقي. بعض هذه المواد تبيّن أنها تعود لفعاليات سابقة أو مناسبات مختلفة تمامًا، ما كشف نمطًا مألوفًا في حروب الدعاية حين يُستعاض عن الشارع بالصورة، وعن الحضور بالفعل بالتدوير. هذا التلاعب لم يُقنع أحدًا خارج الدائرة المغلقة، بل جاء بنتيجة عكسية عزّز الشكوك بدل أن يبددها، وكرّس الانطباع بأن ما عُرض لم يكن انعكاسًا لقوة جماهيرية، بل محاولة إنقاذ إعلامي لمشهد لم يتشكّل أصلًا. وفي زمن التحقق الرقمي الفوري، لا تصمد السرديات المصنوعة طويلًا؛ فحين تسقط الصورة تحت أول فحص، يسقط معها الادعاء كله.
ولا يمكن فهم دلالة ما جرى دون التوقف عند حقيقة أساسية يتجاهلها دعاة الحشد عمدًا؛ ضعف التغطية الإعلامية الدولية إلى حدّها الأدنى. فحتى لحظة كتابة هذا المقال، لم تُفرد وكالات الأنباء العالمية الكبرى، مثل رويترز، أسوشيتد برس، فرانس برس، BBC، أو وسائل الإعلام الدولية المؤثرة أي تغطية تُذكر للمظاهرات بوصفها حدثًا جماهيريًا ذا وزن سياسي. وهذا الغياب ليس تفصيلًا ثانويًا، بل معيارًا مهنيًا معروفًا في العمل الصحفي؛ إذ لا تتجاهل هذه المؤسسات الحشود الحقيقية حين تفرض نفسها على الواقع. التجربة السودانية نفسها تؤكد ذلك؛ عندما خرج الناس في ثورة ديسمبر، وعندما شهدت البلاد مواكب مليونية لاحقة، حضرت الكاميرات الدولية بلا دعوة، وصدرت التقارير والتحليلات خلال ساعات. أما هنا، فقد اقتصر التداول على منصات محلية وإقليمية، وعلى إعادة تدوير محتوى بصري محدود، دون أن ينجح الحدث في اختراق المجال الإخباري الدولي المستقل. هذا الصمت الإعلامي لا يعكس مؤامرة ولا انحيازًا، بل يعكس تقييمًا مهنيًا باردًا مفاده أن ما جرى لم يرتقِ إلى مستوى الحدث الدولي الذي يُقاس بالحشود الواسعة والتأثير السياسي الواضح. وفي عالم الأخبار، حين يغيب الإعلام الدولي عن مشهد يُفترض أنه “حاشد”، فإن الغياب نفسه يصبح رسالة.
المفارقة أن هذه الدعوات جاءت في لحظة إرهاق عام، لا في لحظة تعبئة. فالدعوة إلى “استمرار الحرب” لا تعني دعم الجيش فحسب، بل تعني مطالبة الناس بتمديد زمن النزوح والجوع وانهيار الخدمات وانسداد الأفق السياسي. وهذا عبء ثقيل على وجدان مجتمع أنهكته الخسائر، حتى لو كان رافضًا للمليشيا وغاضبًا من جرائمها. هنا يتكشف التناقض الجوهري؛ يمكن لشارع مجروح أن يهتف ضد العنف، لكنه لا يمنح بسهولة شيكًا مفتوحًا لحرب بلا سقف سياسي ولا ضمانات لنهايتها.
وحين تُقرأ هذه المظاهرات في سياقها الأوسع، تبدو أقرب إلى محاولة “إثبات حضور” من كونها تعبيرًا عن تحوّل شعبي. فهي لم تنبع من حاجة الناس بقدر ما صدرت عن حاجة سياسية لدى قوى ترى في الحرب آخر أوراقها. لهذا احتاج المشهد إلى ماكينة إعلامية قريبة من السلطة لتسويقه، بدل أن يفرض نفسه بقوة الشارع. فالحدث الذي يحتاج إلى من يروّج له أكثر مما يفرض نفسه، يكون قد خسر معركته قبل أن تبدأ.
الأخطر من ذلك أن هذه المحاولة كشفت مأزقًا أخلاقيًا عميقًا. فكيف يُطلب من الناس الاصطفاف باسم الدين والوطن، بينما الواقع اليومي يقول إن كلفة الحرب تُدفع من دم المدنيين وأرزاقهم وأعصابهم؟ وكيف تُرفع راية الجيش بوصفه “حامي الدولة”، فيما تُترك الدولة نفسها رهينة لاقتصاد ظلّ وشبكات نفوذ ومؤسسات موازية تنمو في العتمة؟ هذا التناقض هو ما يجعل الاستجابة فاترة، مهما علا الصوت واشتدت الشعارات.
بهذا المعنى، فإن فشل مظاهرات السبت لم يكن مجرد إخفاق تنظيمي، بل فشل سردي. لقد عجزت الدعوة عن إقناع الداخل بأن الحرب خيار شعبي، وعجزت عن إقناع الخارج بأن الشارع يمنح تفويضًا جديدًا للمعركة المفتوحة. وبدل أن تثبت أن السودانيين يريدون استمرار الحرب، كشفت أن من يحتاج إلى استمرارها هو من يحاول توظيفها سياسيًا، بينما الشارع الذي خبر الخراب لم يعد سهل الانقياد إلى حيث يُراد له أن يهتف.
في السياسة، لا يكفي أن يخرج الناس، بل يجب أن يغيّر خروجهم المعنى. وما جرى هنا لم يغيّر شيئًا، بل أكد أن الزمن الذي كانت فيه الشعارات تصنع واقعًا قد انقضى، وأن الشارع السوداني، في الداخل والخارج، بات أذكى من أن يُستدرج إلى معارك تُدار باسمه ولا تُحسم لصالحه.
في نهاية هذا المشهد المثقل بالدم والأسئلة، لا تعود القضية مسألة مظاهرة نجحت أو فشلت، ولا خطاب رُفع أو خفت صداه، بل مسألة معنى؛ معنى الدولة، ومعنى السياسة، ومعنى الحياة نفسها في بلدٍ أُرهق حتى العظم. فالحرب، حين تفقد أي أفق أخلاقي أو سياسي، تتحول من أداة صراع إلى آلة تدمير أعمى، لا تنتج نصرًا ولا تحفظ كرامة، بل تعيد إنتاج الخراب بأسماء جديدة. والسودان اليوم يقف عند هذه العتبة الخطرة؛ عتبة الاستمرار في حرب تُدار باسم الناس دون تفويضهم الحقيقي، أو التوقف لإعادة تعريف ما يريده الناس أصلًا.
لقد أثبتت الوقائع، لا الأمنيات، أن الشارع السوداني لم يعد قابلًا للاستدعاء السهل إلى معارك طويلة لا يملك أدواتها ولا يتحكم في مآلاتها. الخوف قد يفرض الصمت، وقد يخلق مشاهد مصطنعة، لكنه لا يصنع قناعة راسخة، ولا يبني شرعية مستدامة. والشرعية التي تُنتزع بالقوة، أو تُجمّل بالدعاية، تظل شرعية هشة، تسقط أول ما تُترك وحدها في مواجهة الحقيقة. الحقيقة البسيطة هنا أن غالبية السودانيين يريدون نهاية للحرب، لا انتصارًا وهميًا فيها، ويريدون دولة تحميهم، لا سلطة تطالبهم بالتضحية الدائمة دون أفق.
وإذا كان بعض الفاعلين السياسيين والعسكريين لا يزالون يراهنون على الزمن، أو على إنهاك المجتمع حتى القبول بالأمر الواقع، فإن هذا الرهان يتجاهل دروس التاريخ القريب. فالمجتمعات التي تُكسر إرادتها لا تُعاد صياغتها إلى الأبد، بل تنفجر لاحقًا بطرق أكثر قسوة وتعقيدًا. تأجيل السلام لا يصنع نصرًا، بل يراكم أسباب الانهيار، ويحوّل الدولة إلى ساحة مفتوحة لكل أشكال العبث الداخلي والتدخل الخارجي.
إن المخرج الوحيد من هذا النفق لا يبدأ من الحشود المصنوعة، ولا من الشعارات العالية، بل من الاعتراف الصريح بحق الناس في الحياة، وفي الأمن، وفي التعبير دون خوف. يبدأ من فتح المجال العام، ورفع القبضة الأمنية عن السياسة، وكسر احتكار الصوت باسم الوطن. عندها فقط يمكن قياس المزاج الحقيقي للشارع، لا عبر الصور المفبركة ولا عبر صمت القهر، بل عبر إرادة حرة تقول ما تريد، لا ما يُراد لها أن تقوله.
ولذلك فإن السؤال الذي سيظل معلقًا فوق هذا المشهد ليس؛ من انتصر في مظاهرة، ولا من غاب عنها، بل؛ من يملك الشجاعة الأخلاقية ليقول إن الحرب، مهما طالت، لا يمكن أن تكون بديلاً عن السياسة، ولا عن العدالة، ولا عن الدولة. ومن يملك الجرأة ليعترف بأن السلام ليس ضعفًا، بل آخر أشكال القوة المتاحة لشعب استُنزف حتى النهاية.
عند هذه النقطة فقط، يمكن للسودان أن يبدأ استعادة نفسه، لا بوصفه ساحة صراع، بل وطنًا. وطنًا لا يُطلب من أبنائه أن يهتفوا للحرب كي يُثبتوا وطنيتهم، ولا يُجبرون على الصمت كي ينجوا بأنفسهم، بل يُعطَون الحق الطبيعي في أن يختاروا الحياة، وأن يطالبوا بدولة لا تخيفهم، ولا تستهلكهم، ولا تطلب منهم أكثر مما تستطيع أن تقدمه لهم من حماية وكرامة وعدالة.
وهذا، في جوهره، هو الامتحان الحقيقي لكل من يتحدث باسم السودان اليوم؛ ليس القدرة على الحشد، بل القدرة على الإصغاء؛ ليس رفع الصوت، بل تحمّل الحقيقة؛ وليس إدامة الحرب، بل امتلاك الشجاعة لإنهائها
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم