عادل سيد أحمد
لم يسلم (مفهومُ الأمن) في عهد الإنقاذ من التشويه شأنه شأن مفاهيم وقيم أخرى كثيرة، فباسمه تم تعذيب المعارضين وملاحقتهم والتنكيل بهم، وارتبطت أجهزة الأمن كلها بمختلف مسمياتها ووظائفها بالبطش والإرهاب، ولازم مفردة (أمن) العار، حتى صار السودانيون يخافون (المِيري)، ويتوجسون منه شرَّاً، ويتجنبونه كلما أمكن ذلك.
ولأنها كانت أجهزة شيطانية وقادرة على بث سمومها ونشر شرورها في كل مكان، فإن مغادرة البلاد، بالاغتراب أو بالهجرة، كانت تعني ضمنا الإفلات من القبضة الشريرة للبوليس، والأمن، والمُخابرات.
وأنت تغادر في المطار، تتنفس الصعداء مع اكتمال آخر إجراء يربطك برجال الأمن السودانيين.
وأذكر بهجتي بالخروج إلى سلم الطائرة بعد آخر فحص لجواز السفر في بوابة صالة المغادرة الخارجية وأنا في طريقي إلى سلطنة عمان عام 2009م.، وعندما وصلت إلى هناك فوجئت بأن رجال أمن مطار مسقط مختلفون، فهم مهذبون ومبتسمون، وكانت تلك أولى بشارات الغربة بالنسبة لي.
ولكن، والزمن دوَّار كما يقولون، فإن هناك عودة للسودان في الإجازات، فكنا نأتي بشوق الدنيا كله للبلاد والأهل، ولكن سرعان ما تتبدد تلك المشاعر عند صف فحص الجوازات بواسطة العساكر المتجهمين، ذوي النبرات الميتة…
جوازات، جمارك، أمن، وتخرج من المطار وأنت تلهث، وتهبط عليك الدولة البوليسية كلها فجأة وتنيخ فوقك بكلكلها بلا رحمة.
وأذكر في العودة من واحدة من الإجازات، وأنا في طريقي للسلطنة، كنت أحمل معي بعض كتبي في شنط السفر، وأنا في صالة المغادرة بعد أن عبرت من فحص الجوازات، إذا باسمي يتردد من الميكرفون الرئيسي:
- على السيد/ عادل محمد سيد أحمد الحسن مقابلة سلطات المطار.
وخفت، وتوجست شراً، وسرح خيالي مع تحقيقات الأمن والاعتقال.
ووجدت موظف الأمن بانتظاري، يرتدي بدلة صفراء فسفورية لامعة ويحمل هراوة فسفورية أيضاً، وقادني، في الظلام، على الفور إلى خارج صالة المغادرة، ومنها إلى مكتب عنده مدخل منفصل، على بعد حوالي ثلاثة أو أربعة دقائق سيرا من بوابة المغادرة، ولم يتحدث معي ولم ينطق ولا كلمة واحدة.
في تلك اللحظات تخيلت أنني لن أرى النور مرة أخرى إلا بعد عدة أشهر، وسأتعرض لتعذيب (أمن المطار) الذي اشتهر بقسوته، وأنه ضاعت على التأشيرات، و… و… وأصابني كدرٌ شديد.
المهم وصلنا المكتب، وكان به موظفان خلف منضدة، وتحتهما سيور تحمل عفش الركاب، عرفت فيما بعد إنها صالة الكلب البوليسي تحت الأرض، ودار الحوار التالي: - إنت عادل؟
- نعم!
- شنطتك دي فيها شنو؟
- كتب…
- إنت أديب؟
- لأ، أنا كاتب…
وهكذا انتهى التحقيق، وعاد بي الرجل ذو الهراوة مرة أخرى، بنفس الصمت وادعاء الأهمية إلى صالة المغادرة، حيث تنفست هناك الصعداء، وانضممت، مرة أخرى، لزملائي المسافرين.
وعلى سبيل المقارنة أذكر في مطار هيثرو (1986)، أوقفتنا الضابطة لأن الكلب البوليسي اشتم رائحة شتلة نعناع كان أبي (عليه رحمة الله) قد أراد أن يعود بها إلى السودان من حديقة بيت العم فيليب. وفتحت الضابطة الشنطة ثم أغلقتها وهي تبتسم لنا، تلك البسمات التي تحاكي في بلادنا لبن الطير وأندر، بل هي من رابع المستحيلات.
وفي مرة أخرى خفت أيضا عندما ندهت المضيفة اسمي كاملا في الطائرة وهي في الجو، وتوجست شرَّاً كثيراً، ولكنها احضرت لي طعاما كنت قد طلبته، عن طريق الخطأ، عند شرائي التذكرة، إذ كان تقديم الطعام في تلك الرحلة اختياريا.
الخوف، والتوجس النابعان من تذوقنا للدغة الأمن والشرطة، بالتعذيب والمطاردة وسوء المعاملة، لن تغادرنا إلا بعد زمن طويل يعود فيه الوطن للمواطن، وتسود فيها الطمأنينة التي ستبثها الأجهزة النظامية الرسمية، فجهاز الأمن للطمأنينة والأمان والشرطة في خدمة الشعب.
amsidahmed@outlook.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم