كتب يوما شاعر الشعب محجوب شريف قصيدته المعروفة:
أكتوبر ديناميتنا
ديناميتنا ساعة الصفر
ركيزة بيتنا….
دعنى استميح روحه الطاهرة عذرا ، بإستبدال كلمة “اكتوبر” الي كلمة “الفن” ليصبح الاقتباس بعاليه
“الفن ديناميتنا ساعة الصفر ركيزة بيتنا” فتأخذ القصيدة ابعادا ثقافية أكثر تأثيرا وعمقا عن البعد السياسي المباشر .
ولأن الفن يخاطب الوجدان مباشرة، او العقل الغريزي الفطري intuition او ما نسميه العاطفة ، فقد استطاع الراحل العظيم عبد القادر سالم ان يجعلنا نشعر بفنه ” المختلف ” والجميل، ومن خلاله إستطعنا ان نحس بالتعدد الثقافي والفني في السودان وان لم نكن نستوعبه بعد في ذلك الوقت الذى ظهر فيه علي الساحة الفنية.
لأن عبد القادر سالم رجل في قامة وطن فلن أتحدث عن الفن الكردفاني إذ سبقني العديد من الناعين الي ذلك، فضلا عن قدرات الحانه وتطورها بفضل الاجتهاد ودراسة الموسيقى والصوت الدافئ االحنون ، وقد تمكنت اعماله الفنية من الانسياب وملامسة قلوب الناس بكل سهولة ويسر رغم اختلافها عما هو مألوف، فهى اعمال فنية استطاعت ان تتحدث عن نفسها وتكشف عن مفاتنها وجمالياتها وتفردها.
الفن السودانى ظل قادرا علي مقاومة الاصولية الدينية التي تمثلت في انقلاب الانقاذ الذي مايزال يجثم علي صدورنا وذلك برفع مناعة المجتمع المدني مافي ذلك شك، حتى ان رموز الكيزان في السودان من أمثال حسين خوجلى وغيره حاولوا مرغمين احتوائه وترويضه ، إلا إنه ظل وعلى الدوام عصيا عليهم لانه يتغنى بالحياة والجمال والمشاعر والاحاسيس.
ولأن الراحل المقيم عبد القادر سالم جاء إلينا بفن مختلف وبيئة متميزة بعكس الفنون والآداب التي كانت منتشرة اصلا، وبكل انواعها ، من دوبيت او مديح او حقيبة او حتي أغنية حديثة، ربما لانها عبرت عن بيئات شمال ووسط السودان.
الفن الكردفاني علي يد المرحوم ،جاء متحديا ومنافسا لكل ثقافة وفنون ما عرف ب الدال الصفرى المتخفى the concealed zero signifier حسب أدوات ما بعد الحداثة، بمعني أنه جاء ليواجه ثقافة مركزها خفي وهو “السوداني الذكر المسلم السني الجعلي او الشايقى او ابناء المجموعات السكانية وسط وشمال السودان” الذي فرض ثقافته وفنه لاسباب عديدة منها الاصيل ومنها غير الاصيل حين ساعده علي ذلك التحكم في القوة والثروة بعد استقلال السودان .
في تقديرى ان تجربة الفنان عبد القادر سالم قد نجحت في إحداث اختراق ملحوظ في هذا الدال الصفري ومن هنا يأتي التميز ليصبغ سيرته ويمنحها الالق والروعة والجمال.
ولذلك لن ينساك الناس يا عبد القادر سالم. ستظل في وجداننا جميعا ، شكرا لك أيها الجميل فنم قرير العين.
نسأل الله لك الرحمة والمغفرة بقدر ما قدمت من اعمال فنية رفيعة وممتعة وبقدر ما أدخلت السعادة الى قلوبنا.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم