شروط الحوار الوطني المجتمعي: قراءة في أطروحات البروفيسور باتريك لومومبا

د. عمرو محمد عباس محجوب

في خضم الأزمات العميقة التي تعصف بالعديد من الدول الإفريقية والعربية، يعود مفهوم الحوار الوطني المجتمعي إلى الواجهة بوصفه مخرجًا سلميًا من الانسداد السياسي والانقسام الاجتماعي. غير أن البروفيسور باتريك لومومبا، الأكاديمي والمفكر الإفريقي المعروف، يقدّم مقاربة نقدية صارمة لهذا المفهوم، محذرًا من تحويله إلى أداة لتدوير الأزمات بدل حلّها.

يرى لومومبا، في عدد من محاضراته ومداخلاته المنشورة على يوتيوب، أن الحوار الوطني ليس حدثًا بروتوكوليًا ولا تمرينًا شكليًا في العلاقات العامة، بل عملية سياسية–مجتمعية معقّدة لا تنجح إلا بتوفر شروط واضحة وصارمة.

أولًا: الاعتراف بالأزمة كشرط تأسيسي

ينطلق لومومبا من مسلّمة أساسية مفادها أن لا حوار دون اعتراف صريح بالأزمة. فالدولة التي تنكر اختلالاتها البنيوية—سواء تعلقت بطبيعة السلطة، أو العدالة الاجتماعية، أو توزيع الثروة—لا يمكن أن تنتج حوارًا صادقًا. إن إنكار الأزمة، في نظره، يحوّل الحوار إلى مجرد أداة لإدارة الوقت وإخماد الغضب الشعبي.

ثانيًا: استحالة الحوار تحت العنف

يشدد لومومبا على أن العنف يقوّض جوهر الحوار. فلا معنى للحديث عن توافق وطني في ظل القمع، أو الاعتقالات السياسية، أو استخدام القوة ضد المجتمع. فالحوار يفترض حدًا أدنى من الثقة، وهذه لا يمكن أن تنشأ بينما يشعر جزء من المواطنين أنهم مهددون أو مستهدفون.

ثالثًا: شمولية التمثيل لا نخبوية القاعات

ينتقد لومومبا ما يسميه “حوارات النخب المغلقة”، حيث تُختزل الأمة في أحزاب تقليدية أو شخصيات قريبة من السلطة. الحوار الحقيقي، وفق طرحه، يجب أن يشمل: الشباب بوصفهم الفاعل الاجتماعي الأكبر، النساء، النقابات المهنية والعمالية، الإدارات الأهلية، الحركات الاجتماعية والمناطق المهمّشة بتعريف دقيق. فالإقصاء، حتى لو كان غير معلن، يفرغ الحوار من مضمونه.

رابعًا: الاستقلال والحياد

من أبرز شروط النجاح، بحسب لومومبا، حياد الجهة المنظمة للحوار. فلا يمكن للسلطة أن تكون في آن واحد خصمًا وحكمًا. لذلك يدعو إلى: لجان مستقلة أو رعاية أكاديمية ومجتمعية أو وساطة إقليمية غير منحازة. كما يحذر بشدة من تأثير المال السياسي، معتبرًا أن شراء الولاءات يقتل الحوار قبل أن يبدأ.

خامسًا: أجندة مفتوحة والذهاب إلى الجذور

يرفض لومومبا الحوارات ذات “الخطوط الحمراء” المسبقة. فالحوار الجاد يجب أن يفتح النقاش حول القضايا الجوهرية، مثل: طبيعة الدولة، شكل الحكم، العلاقة بين المركز والهامش، الهوية الوطنية والعدالة الانتقالية. ويرى أن التركيز على تقاسم السلطة دون معالجة هذه الجذور لا ينتج سوى تسويات هشة.

سادسًا: ضمان التنفيذ وإعادة تأسيس الدولة

يؤكد لومومبا أن أخطر ما يواجه الحوارات الوطنية هو غياب آليات التنفيذ. فالحوار بلا ضمانات دستورية، وجداول زمنية، وهيئات رقابة مستقلة، ليس سوى مسرحية سياسية. لذلك يربط نجاح الحوار بقدرته على الإسهام في: عقد اجتماعي جديد او دستور جديد ودولة مواطنة لا دولة امتيازات.

في المحصلة، يقدّم البروفيسور باتريك لومومبا تصورًا صارمًا للحوار الوطني، يضعه في موقعه الصحيح: وسيلة لإنقاذ المجتمع لا لإطالة عمر السلطة. ووفق هذه الرؤية، فإن أي حوار لا يستوفِ شروط الاعتراف، والشمول، والاستقلال، والجدية، والتنفيذ، يتحول من فرصة تاريخية إلى أداة خداع سياسي، قد تؤجل الانفجار لكنها لا تمنعه.

لاحقا سوف أتناول تكييف المقال خصيصًا للحالة السودانية الحالية.

عن د. عمرو محمد عباس محجوب

د. عمرو محمد عباس محجوب

شاهد أيضاً

جورج سوروس: من المضاربات المالية إلى تمويل الديمقراطية في العالم (١-٢)

د.عمرو محمد عباس محجوب سأتناول موضوع جورج سوروس وتأثيره لأنه كثيرًا ما يُخلط فيه التحليل …