لم يعد الحديث عن الحوار الوطني في السودان ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية في ظل حرب مدمّرة، وانهيار مؤسسات الدولة، وتفكك النسيج الاجتماعي. غير أن تجارب الحوار السابقة—من “الحوار الوطني” في عهد النظام السابق إلى المبادرات المتناسلة بعد الثورة—أثبتت أن المشكلة لا تكمن في غياب الدعوات، بل في غياب الشروط. وهنا تكتسب أطروحات البروفيسور باتريك لومومبا أهمية خاصة بوصفها إطارًا نقديًا صارمًا لفهم لماذا فشلت الحوارات، وكيف يمكن تفادي إعادة إنتاج الفشل.
أولًا: الاعتراف بالأزمة البنيوية لا تدويرها
وفق رؤية لومومبا، لا يمكن لأي حوار أن ينجح ما لم يبدأ باعتراف صريح بأن السودان يعاني أزمة دولة لا أزمة حكومة. فالمشكلة ليست في الأشخاص المتعاقبين على السلطة، بل في: دولة مركزية أقصت الأقاليم، اختلال مزمن في توزيع السلطة والثروة، تسييس الهوية والدين وعسكرة السياسة منذ الاستقلال.
إن أي حوار يتجاهل هذه الحقائق، ويكتفي بالبحث عن “تسوية سياسية” بين أطراف متحاربة، سيكون مجرد هدنة مؤقتة لا مشروع سلام.
ثانيًا: استحالة الحوار في ظل الحرب والعنف
يشدد لومومبا على أن الحوار لا يمكن أن يُدار تحت القصف والنزوح. وفي الحالة السودانية، فإن استمرار الحرب، والتهجير الجماعي، والانتهاكات الواسعة، يجعل أي دعوة لحوار سياسي شامل فاقدة للمصداقية ما لم تُسبق بوقف فعلي لإطلاق النار، وضمانات لحماية المدنيين، وفتح المجال الإنساني والإعلامي. الحوار في ظل السلاح لا ينتج عقدًا اجتماعيًا، بل يشرعن ميزان القوة القائم.
ثالثًا: من حوار النخب إلى حوار المجتمع
من أبرز أعطاب التجربة السودانية اختزال “الحوار الوطني” في نخب سياسية معزولة عن المجتمع. ووفق مقاربة لومومبا، فإن الحوار الحقيقي في السودان يجب أن يشمل: لجان المقاومة باعتبارها تعبيرًا عن الفعل القاعدي، النقابات المهنية المستقلة، الإدارات الأهلية دون توظيف سياسي، النساء والشباب والنازحين، ممثلي الأقاليم المهمّشة (دارفور، الشرق، جبال النوبة، النيل الأزرق). فالسودان لا يحتاج إلى حوار بين “قادة”، بل إلى حوار بين مكوّنات مجتمع مزّقته الدولة.
رابعًا: استقلال منصة الحوار وتحـييد السلطة
يحذر لومومبا من أن تكون السلطة المنظمة للحوار هي نفسها طرفًا في الصراع. وفي السودان، فإن رعاية أي حوار من قبل: ، طرف عسكري، أو تحالف سياسي فاقد للثقة الشعبية تجعل الحوار فاقدًا للشرعية منذ لحظته الأولى.
البديل هو منصة مستقلة، ذات طابع مدني–مجتمعي، مدعومة بضمانات إقليمية إفريقية غير وصائية، بعيدًا عن الإملاءات الدولية الجاهزة.
خامسًا: أجندة بلا محرمات
أحد أسباب فشل الحوارات السودانية السابقة هو فرض “سقوف منخفضة” للنقاش. أما وفق تصور لومومبا، فإن الحوار السوداني الجاد يجب أن يفتح الملفات المؤجلة، وعلى رأسها: طبيعة الدولة: مدنية أم عسكرية؟ علاقة الدين بالدولة، شكل الحكم الفيدرالي الحقيقي، العدالة الانتقالية ومحاسبة الجرائم وتفكيك الاقتصاد الريعي والعسكري عبر توافق وطني واجهزة قضائية وعدلية وغيرها لاتمثل فيها اي اجهزة حزبية استعراضية كما حدث للجنة التمكين. دون ذلك، سيظل الحوار مجرد تفاوض على السلطة لا إعادة تأسيس للدولة.
سادسًا: من الحوار إلى إعادة تأسيس الدولة
يربط لومومبا قيمة الحوار بقدرته على إنتاج تحول دستوري حقيقي. وفي السودان، يعني ذلك أن تكون مخرجات الحوار: ملزمة دستوريًا ومرتبطة بجداول زمنية واضحة وخاضعة لرقابة مدنية مستقلة ( مجلس تشريعي). فالحوار ليس غاية في ذاته، بل مدخل لإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة، لا الامتياز، ولا الغلبة.
خاتمة
تكشف التجربة السودانية، عند قراءتها في ضوء أطروحات باتريك لومومبا، أن الأزمة ليست في “غياب المبادرات”، بل في غياب الجرأة السياسية والأخلاقية لقبول حوار حقيقي بشروطه الصعبة. فالحوار الذي لا يعترف بالجذور، ولا يشمل المجتمع، ولا يملك ضمانات تنفيذ، لا يؤسس لسلام، بل يؤجل الانفجار. إن السودان لا يحتاج إلى حوار لإنقاذ السلطة، بل إلى حوار لإنقاذ المجتمع والدولة معًا.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم