محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com
في سفر التاريخ السوداني المعاصر ثمّة محطاتٌ تتجاوزُ في دلالاتها مجرد الحكاية لتصبح “أيقونةً” للصمود ومانيفستو للفعل الشعبي الذي لا يعرف المستحيل ومن بين ركام الحرب وأصوات المدافع التي خفتت في “أبو سعد مربع 17” بزغ فجرٌ جديد لم يصنعه الحظ بل صاغته سواعدُ فتية وعزائمُ لا تلين لتتحول هذه الرقعة الجغرافية من مسرحٍ للخراب إلى نموذجٍ يُحتذى به في إرادة البناء.
حين غادرت مليشيات الغدر المربع لم تترك خلفها سوى ملامح الموت؛ بنيةٌ تحتية استُهدفت في مقتل شبكات كهرباء قُطعت أوصالها سبعة محولات أصبحت أثراً بعد عين وشبكة ضغط عالٍ هوت تحت وطأة التخريب لم يتوقف الأمر عند الحجر بل امتد لانتهاك حرمة الأحياء والقبور؛ فباتت الميادين مقابر والشوارع التي كانت تضج بالحياة مفخخةً بالألغام ومسدودةً بسواتر الموت والجثث التي أدمت القلوب قبل العيون.
وسط هذا المشهد الضبابي قيّض الله لهذا المربع “نفراً كريماً” استشعروا عظم الأمانة وتولت لجنة إدارية هميمة زمام المبادرة يقودها شخصٌ جُبل على النشاط والهمة لتنطلق رحلة الألف ميل نحو “الإعمار” كان التحدي الأكبر هو جذب الدعم المالي في زمن الشُح فانبثقت فكرة “المساهمة الشعبية” حيث تلاحم سكان الحي في تظاهرة وفاء قلّ نظيرها فتدفقت الموارد من جيوب المحبين لترميم ما دمرته الحرب.
بإرادةٍ صلبة نجحت اللجنة في إعادة النبض لشبكة الكهرباء واستجلاب محولات بديلة بدلاً من تلك التي نُهبت، وعادت المياه لتجري في عروق المواسير الظمأى ولم يكن الإعمار مادياً فحسب بل كان أخلاقياً ووطنياً؛ فخاض المربع ملحمة تطهير الأرض من الألغام، ونقل المقابر العشوائية والجثث السطحية بالتعاون مع الطب العدلي والنيابة العامة في مشهدٍ أعاد للموت حرمته وللحي كرامته.
لم تغفل اللجنة عن صياغة الوجدان فعادت المدارس لتفتح أبوابها أمام جيلٍ كاد أن يفقد مستقبله، وتحول فريق الحي الرياضي إلى “نادي ثقافي اجتماعي” ليكون منارةً للوعي وفي خلفية هذا المشهد المهيب كانت “المرأة” في مربع 17 هي “الدينمو” والمحرك الخفي والوقود الذي أشعل حماس اللجان فبرهنت على أن نصر الإعمار لا يكتمل إلا ببصمتها الرقيقة والقوية في آن واحد.
ولأن البناء يحتاج لسياجٍ يحميه فعّلت المنطقة منظومة “الشرطة المجتمعية” ليعود المواطن إلى بيته آمناً مستبشراً، ولتستمر المسيرة بخطى حثيثة لا تعرف التثاؤب.
إن ما حدث في “أبو سعد مربع 17” هو رسالة لكل السودان مفادها أن الدولة يبنيها بنوها، وأن الأمل حين يسكن القلوب يحول الخراب إلى عمار إنه درسٌ بليغ في “الإدارة الشعبية” يؤكد أننا شعبٌ لا يموت بل ينهض من تحت الأنقاض أقوى وأجمل.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم