من حكايات ليلة رأس السنة في رومانيا – الـ ريفيليون

isammahgoub@gmail.com
من حكايات ليلة رأس السنة في رومانيا – الـ ريفيليون -:
(1) روماني يحكي عن كيف شارك في إحداها في الثمانينات..

في ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت رومانيا أشبه بصالة انتِظار بلا أبواب، كان لدينا مجموعة وشُلّة ناشِطة، صغيرة لكنها مُتماسِكة، من الذين لا يرون بعضهم كثيرًا، لكنهم يعرفون بعضهم جيدًا.
ماريان مع جينيكا، فيرجيل مع ميريلا، فرونا مع أنيشوارا، دان بابلياكا مع أنجيلا، ماريان قيتسو، الضابِط الشاب الماهِر في حل المُشكِلات الميكانيكية والإلكترونية، مع ابنة عمّي جيتا، رحمه الرب، ماريان الذي رحل إلى العالم الآخر مُبكِّرًا، ولا مفرّ الحاضِر دومًا شوني مع ماريانا.
أناس جادون، وحفلات رأس سنة (ريفيليون) مُخطّط لها مُسبقًا، لا ارتجالية كما هي اليوم. كانت ليلة رأس السنة تُقام بالتناوب، حِسابياً، أشبه بمنهجِ استاخانوف: عام في مكان، والتالي في آخر، وهكذا. نِظام، انْضِباط، اشتراكية مُطبّقة على المرح.
في إحدى السنوات، قرّروا أنْ يحتفلوا برأس السنة في منزل ابنة عمي، جيتا. بعد عيد الميلاد، بدأ الحماس المعهود: ركضٌ من هنا ولهناك، همسات، قوائم للشراء في الذِهن لما ينقُص، كما لو كانوا قبل اجتماع حزبي.
أنا، الأصغر، بلا شُلّة، بلا خطّة، بلا رؤيةٍ لرأس السنة، حاولتُ الحيلة الكلاسيكية: الدخول بين الكِبار والبقاء معهم. هبّيتُ للمُساعدة، حملتُ ما يتطلّب حمله، سألتُ، ووضعت نفسي حضورا ومُنتبِهاً أينما تطلّب الأمر.
كان منزلنا مُقابِلاً لمنزل عمي تيتي مُباشرةً؛ يفصِل بينهما سياجٌ فقط، يُمْكِنْ القفز فوقه. كان الحدث الكبير جارياً هناك، لذا كُنْت عملياً في قلب حُمّى الحدث.
سُرعان ما أدرك عمّي تيتي الوضع، فاستدعى ماريان قيتسو ليخبره قائلاً: “ماريان، سأذهب مع زوجتي إلى منزل عرابي جورج إيرود للاحتفال برأس السنة. رحِّبوا بوجود إيون معكم أيضاً. سأخبر ليكو ليعطيه قطعة لحم، وسجق، وباقة نبيذ”.
جاء الردّ سريعًا من رجلٍ يُدْرِك معنى الوَفْرة النسبية: “ليس عليه إحضار أي شيء. لدينا كل ما يكفي. فقط ليقِف في الطابور لملء زجاجات السيفون – في رومانيا “السيفون” زجاجة تخرُج منها المياه فوّارة لخلطها مع النبيذ او الويسكي بعد وضع الثلج – ويذهب إلى كيالا ليأتي بما طلبناه من قوارير البيرة سِعة لتر”.
كان هذا ما فعلته. وقفت في الطوابير، احضرت الأكواب، والبيرة وهكذا حجزت مكاني في حفلة رأس السنة مع أشخاص أكبر مِنّي سِنّاً، وأكثر جِدية، وبالطبع، أكثر أهمية مني.
ولكي أوضِّح أنّني لمْ اذهب خالي الوِفاض، فقد أتيت أيضًا بأختي ميهايلا معي.
؛؛؛…؛؛؛
تلك حكاية ابتسمت وأنا أقرأها، اعجبتني فتفاعلت معها وترجمتها. وكنت قد وجدتها في صفحة رومانية بتطبيق فيسبوك باسم (كياجنا فيكي – Chiajna veche) وهو حي في ضواحي بوخارست، كتبها ماركو ايون الذي اتصوّر أنّ عمره حالياً يدور حول خمسة وخمسين سنة، وارْفَق مع (البوست) صوراً اسود وابيض غاية الروعة، يظهر فيها مع اخته ميهايلا مع كبار الشُلّة حينها.
كتبت له في خانة التعليقات: “قصّة رائعة وجميلة ومُذهِلة، خاصة صوركِ أنت وأختك وزجاجات السيفون التي ساعدت في ملئها. اسمح لي أنْ أترجِمها إلى اللغة العربية لأصدقائي السودانيين، وخاصة الذين درسوا في رومانيا وتفرّقوا الآن في اقاصي الدنيا القريبة والبعيدة، ولا تزال ذكرياتهم عن رومانيا حاضِرة في أحاديثهم، تعطِّر لهم الراهِن”.
أدناه رابِط النُسخة الاصلية، افتحوا الرابِط لتتمتّعوا بالصور ومقاربة الاشكال واللبس والتسريحات وتصفيف الشعر مع ما يتعلّق بكل ذلك راهِناً:
https://www.facebook.com/share/p/1AW51cadg7/?mibextid=wwXIfr

عصام محجوب
بوخارست – رومانيا
ليلة رأس السنة، الأربعاء 31 ديسمبر 2025
؛؛؛…؛؛؛
(2) من تقاليد التفاؤل مع نهاية عام وبداية آخر‎…
لماذا نعلِّق في رومانيا على عتبة مدخل المنازل وداخلها نبتة طفيلية تمتصّ عُصارة الأشجار وتُصبح شديدة السُمّية عند ابتلاعها؟
نبات الدبق، الذي نشتريه بكثرة هذه الأيام بين عيد الميلاد ورأس السنة، هو النبتة الوحيدة التي تصمُد أمام قسوة الشتاء، ويخفي تاريخًا غامِضًا يعود إلى زمن الكهنة الدرويديين (كهنة الشعوب الكلتية ورجال الطب فيها وبخاصة في بلاد الغال وبريطانيا – والدرويدية، دين قديم كان شائعًا بين السلتيين قبل وصول المسيحية. كان الدرويديون الكلاسيكيون كهنة من نوع ما يتخصصون في السعي وراء الحكمة من خلال وسائل غامضة. كانوا معلمين وفلاسفة ومستشارين وسحرة وعرافين وملهمين).
من الناحية البيولوجية، يُعد الدبق شبه طفيلي، فهو ينمو على أغصان الأشجار، ولا يلامِس الأرض أبدًا، ويتغذّى على عُصارة الشجرة المُضيفة. وهذا تحديدًا ما أثار دهشة القُدماء: ففي غابات البلوط العارية الميّتة، رأوا شُجيرة خضراء يانِعة، مُعلّقة بين السماء والأرض. أطلقوا عليها اسم “دموع الآلهة” أو “الغُصْن الذهبي”.
كان للكهنة الدرويديين طقوس مُعقّدة لجمْعِه، لا تُقام إلّا في الانقلاب الشتوي. كان نبات الدبق المُقدّس يُقطع بمنجلٍ ذهبي فقط، وكان لا بد من التقاطه بقطعة قُماش بيضاء ناصِعة قبل سقوطه. وكان يُعتقد أنّه إذا لامس الأرض، فإنّه يفقِد كل قواه السِحرية ويصبح مُجرّد عُشْب ضار.
في رومانيا، يُعَدّ التفاؤل بالدبق، تقليدًا غربيًا مُستوردًا تداخَل مع الخرافات المحلية. وحتّى فترة ما بين الحربين العالميتين، كان الرومانيون يفضِّلون استِخدام أغصان التنوب أو الريحان لجلب الحظ. لكن موضة “التقبيل تحت الدبق”، التي وصلت عبر قناة تواصُل إنجليزية، انتشرت بسرعة في البلد، وحوّلت النبتة إلى عُنْصُر أساسي في احتفالات ليلة رأس السنة.
فقط من اشتروا الدبق المُجمّد من أحد الباعة المتجولين في الثمانينيات والتسعينيات يعرفون أنّ السِر لا يكْمِن في الأوراق، بلْ في الثِمار.
يعرف الباعة المُتجوِّلون جيدًا القاعِدة غير المكتوبة: كُلّما زاد عدد الثِمار البيضاء، ارتفع سعر الدبق. كانت هذه اللآلئ البيضاء شديدة اللزوجة تُعتبر في العصور القديمة بذورًا مُقدّسة لخصوبة ذكور شجرة البلوط. ومنذ ذلك الحين، ترسّخ الاعتِقاد بأنّ هذه النبتة تجلُب الرخاء للمنزل، والخصوبة للزوجين، والمال في العام الجديد.
لكن هناك جانِب مُحْزِن ومُظْلِم أيضًا حول نبات الدبق. ففي الأساطير الإسكندنافية، قُتِل إله النور “بالْدَر”، بسهمٍ مصنوعٍ من الدبق، النبتة الوحيدة التي لمْ تقْسِم ألّا تؤذيه.
وفي حُزْنها، أمرت أمّه ألّا يُستخدم الدبق كسلاحٍ بعد الآن، وأنْ كُلّ مَن يمرّ تحته ينال قُبلة لا ضربة.
أمّا اليوم، فقد تحوّلت أرصِفة المُدن الرومانية إلى أسواق مؤقّتة للدبق. إنّه تجارة موسِميّة لا تدوم سوى أربعة أيام. تُقْطَف أطنان من “الذهب الأخضر” من الأشجار وتُباع للمارة المتعجِّلين الذين يأملون في شراء عام أفضل ببُضْعَة (ليّات) رومانية.
فهل تساءلت يومًا لماذا نُقبّل بعض تحت نبتة سامة؟ رُبّما لأنّ الحُبّ والخطر ارتبطا ارتِباطًا وثيقًا، أو رُبّما لأنّنا في أمسّ الحاجة إلى رمْزٍ حيٍّ في موسِمِ الصقيعِ.
عصام محجوب
بوخارست – رومانيا
ليلة رأس السنة، الأربعاء 31 ديسمبر 2025
؛؛؛
حكاية وجدتها في صفحة رومانية بتطبيق فيسبوك باسم (حياة روماني – Viață de Românaș).
أدناه رابِط النُسخة الاصلية:
https://www.facebook.com/share/1CkAQR1VN9/?mibextid=wwXIfr

عن د.عصام محجوب الماحي

د.عصام محجوب الماحي

شاهد أيضاً

(10) حكاية الثورة الرومانية – ديسمبر 1989 – من الألف للياء

د. عصام محجوب الماحيisammahgoub@gmail.com (الحلقة العاشرة) رئيس جهاز الأمن الشيوعي: سحبت القوّة الضارِبة لثكناتها لأنّني …