التعليم (15)
التعليم من أجل الحرية
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
الثابت واقعياً بأن علاقة المعلم بالطالب تلك السائدة بينهما داخل وأيضاً خارج المدرسة هو الأسلوب التلقيني، علاقة المُلقي بالمُتلقي، بين متحدث وسامع أو مُستمع، بغض النظر عن طبيعة الموضوع، سواء كان بتعلق بقيم عامة أو كان يتعلق بأبعاد عقلية مأخوذة من الواقع المعاش الذي يخوضه الانسان، فانه يبقى ميتاً، لا شك في ذلك، فاقداً للحياة، وهنا تكمن أزمة التعليم وهنا تظهر مصيبته الكبرى.
وتجد المدرس أو المعلم يتكلم عن العالم أو يتحدث عن الواقع وكأنه يتحدث عن موات، حيث لا حياة هناك أو كأنه شيء محدود شيء محصور لا يتحرك وليس له قابلية الاستنتاج، ولهذا السبب يبدو الأمر أو يبدو الموضوع غير معتاد، بل غريب وغريب جداً عن خبرة الطلاب، وينتهي دور هذا المعلم في تلك العلاقة، متما انتهى من عملية التعبئة، تعبئة عقول تلاميذه وحشوها حشواً بالمعلومات الميتة الفارغة التي لا تضم الا الخواء، فالكلمات بهذه الطريقة تصير خاوية وهي خاوية لا مضمون فيها ولا محتوى، ولا تحمل معاني وليس فيها معنى، وفي نهاية المطاف تصبح مثاراً للإغراب وللاستغراب.
وهنا لا بد لنا أن نعرف أن اللهجة المتعالية والعجز عن خلق التغيير هما ما يميزان هذا التعليم التلقيني أو أسلوب التعليم التلقيني. فهذا الأسلوب يقوم على الحفظ وعلى الاستذكار، ولا يُعنى بالفهم ولا يهتم بالتفكير، فمثلاً (5 X 5= 25)، وعاصمة الدولة الفلانية هي كذا، وكذا.. كذا، وهل هنا للطالب أي دور؟ نعم، ولكن دوره ينحصر فقط في الحفظ الفقير، حيث لا يوجد عمق هناك ولا تعمق.
وكل غاية هذا الأسلوب التعليمي هو أن يتعود التلاميذ أو هؤلاء الطلاب وتعويدهم على التذكر وعلى أسلوب التذكر الميكانيكي لمضمون الدرس، وهو أسلوب خالي من الروح وبلا روح اطلاقاً، وخالي من المعني والابداع، وتقودهم هذه الطريقة الي أن يصبحوا، أي التلاميذ أو الطلاب، أواني فارغة يُفرغ فيها المعلم كلماته الجوفاء.
ودائماً تقاس كفاءة هذا المدرس بأي مدي هو قادر على انجاز هذه المهمة، مهمة تعبئة المواعين الفارغة بالكلمات الفارغة، ويقاس تميز الطالب بقياس، الي أي درجة تلك الأواني قادرة ومستمرة ومتواصلة في الامتلاء وفي استقبال التعبئة والامتلاء.
ومثل هكذا أسلوب يجعل أو يحول التعليم الي مجرد نوع من الإيداع، يقوم به المعلم أو المدرس في البنوك الطلابية. ولا ينبغي لي أن أقول بأن الصورة ستصبح كصورة “الحمار ذلك الذي يحمل الأسفار”. ويغترب بذلك الأستاذ بعيداً من أن يكون وسيلة من وسائل المعرفة ووسيلة من وسائل الاتصال، ويصير مجرد مصدر بيانات لا تحمل معاني بل هي فارغة بل هي خاوية. وهو في حقيقته يصبح مُودع معلومات، ويكون التلاميذ في انتظاره على أحر من الجمر لكي يستذكروا ما يقوله، ليعيدوه مرة ومرة ومرتين ومرات. وهذا هو المفهوم التلقيني الذي يسميه باولو فريري بالمفهوم البنكي للتعليم، والذي فيه يكون الطالب بمثابة مُتلقي ومُستقبل للمعلومات فقط، يملأ بها رأسه ويخزنها في دماغه بدون وعي وبدون إدراك ويغيب الابداع.
وليس هناك أدنى شك، في أنه يوجد من يتفوق ومن ينجح من خلال هذه الوسيلة ليكون جامعاً للمعلومات مخزناً لها، أو أن يصبح كتالوجاً لها، ولكن، وللأسف الأسيف، تظل الحقيقة موجودة وهي عارية سافرة لتقول بأن الذي تم تخزينه فعلياً لم تكن هي المعلومات، وانما كان هو عقل الانسان الطالب، الذي، وبهذا الأسلوب الميكانيكي في التعليم، حُرم من فرص الابداع ومن فرص التطور والتطوير والتقدم. فكيف، وأيضاً، هل يستطيع الانسان ممارسة وجوده الحقيقي من غير أن يسأل ومن غير أن يتساءل، ومن دون أن يعمل وأن يتعب وأن يجتهد؟
والإجابة عن الأسئلة السابقة تكون “لا” بكل تأكيد، وذلك لأن المعرفة الحقيقية أو الحقة انما تتولد من الابداع، والابداع لا يكون الا وليد القلق المستمر والمتواصل. ولكي يجيب الانسان عن تساؤلاته وعن شكوكه، عليه أن يكون في اتصال بعالمه، في اتصال بالوجود، ويكون موجود في عمل مشترك مع غيره من الانسان والانسان، أي مع غيره من الناس.
ودائماً يعكس لنا أسلوب التعليم التلقيني أو كما يسمونه “مفهوم التعليم البنكي”، أن التعليم هو صدقة أو هبة تذهب من أيدي المالكين للمعرفة الي أولئك الفقراء للمعرفة، الذين يُفترض أنهم لا يعرفونها وأنهم يفتقرونها. ويجب علينا أن ناكد بأن محاولة أو اسلوب الباس الآخرين لباس الجهل هو في جوهره، وبلا تردد، من مخلفات فلسفة القهر والسيطرة والتسلط والظلم، تلك الفلسفة التي تسلب خاصيتي التعليم والمعرفة المتشكلتين في البحث المستمر في سبيل اكتساب الحرية.
ونجد المعلم في إطار التعليم التلقيني غير الحواري يطرح نفسه لتلاميذه على انه هو الصورة المضادة لهم، وبإلصاقه لصفة الجهل عليهم يجد مبرراً لوجوده كمعلم لهم وكمدرس لهم، وفي هذه المرحلة يدخل التلاميذ في نفق تغريبهم وفي غياهب استعبادهم.
وعليه، فإننا قائلين بأن التعليم الحق، وكما هو بائن، هو الوحيد الذي يجتهد ويعمد الي حل التناقض الموجود بين المعلم وبين الطالب، ويسعى جاهداً الي إيجاد شكل من أشكال المصالحة التي تجعل الطرفين أساتذةً وطلاباً، وطلاباً وأساتذةً في ذات الوقت.
ولكننا لا يمكن أن نجد مثل هكذا حل في المفهوم البنكي أو في الأسلوب التلقيني، الذي هو في حقيقته تأكيد وتدعيم لطبيعة التناقض السائد القائم، والتي تجسدها المفاهيم التي نحن بصدد طرحها في السطور القادمات، والتي هي في جوهرها انتاج لمجتمع القهر…
- المعلم يلقن والتلاميذ يستقبلون ويحفظون ويخزنون،
- المعلم يملك الحقيقة ويعرف أي شيء وكل شيء، ولكن الطلبة والطلاب لا يعرفون شيء، وكأنهم صفحة بيضاء،
- المعلم هو الذي يفكر، والتلميذ لا يفكر،
- المعلم أو الأستاذ هو المتكلم والطالب هو المستمع،
- المعلم عليه التنظيم والتلميذ لا ينظم،
- الأستاذ أو المعلم هو الذي يختار وهو الذي يفرض ما يختار، وما على الطالب الا الإذعان والا الخضوع،
- المدرس هو الذي يتصرف، والتلميذ عليه أن يعيش في هذا الوهم، وهم التصرف، من خلال عمل المدرس،
- المدرس هو الذي يختار البرامج ويحدد المضمون، وعلى الطالب أن يتكيف مع هذا الاختيار ومع هذا التحديد،
- المعلم يربك المعرفة ويتدخل فيها، ويحول دون التلاميذ ودون ممارستهم حرياتهم،
- الأستاذ هو العامود الفقري للعملية التعليمية، والطالب هو مجرد نتيجة لهذه العملية.
وهكذا يفشل الذين يمارسون التعليم التلقيني غير الحواري، سواء كان ذلك قصداً أو كان عفواً، في اكتشاف وفي رؤية التناقض الذي يفرغونه في أدمغة التلاميذ.
ولكن هذه التناقضات، عاجلاً أم آجلاً، هي نفسها التي تدفع التلاميذ أو تدفع الطلاب في طريق الانقلاب ضد هذا الأسلوب -القهري- الذي لا يرمي الا الي تدجينهم، فهم مع علاقتهم مع الوجود أو مع واقعهم يعرفون جيداً أن الوجود أو الواقع هو بمثابة عملية حركية مستمرة لا تتوقف، تتخذ مسارها باتجاه التغيير المتصل غير المنقطع، وذلك ما يجعلهم يشعرون بالتناقض مع الأشياء التي تعلموها، وفي هذه اللحظة يدركون بكل وضوح أن ما تعلموه كان يستهدف صرفهم عن النضال في سبيل تحقيق حريتهم.
ولكن هناك في الجانب الثاني، نجد الصورة مختلفة تماماً، حيث المعلم الإنساني الثوري، الذي يقف في اتفاق تام مع أهداف طلابه، الراغبون في التفكير النقدي، وهو حريص كل الحرص في سبيل أن يحفظ لهم انسانيتهم وأن يساعدهم في تحقيقها.
فهذا المثال من المعلمين هم الذين يثقون في طلابهم وفي مقدراتهم وفي قدراتهم في الابداع، لذلك لا يقومون نهائياً بدور القاهر المتسلط، ولكنهم يكونون مشاركين مع طلابهم، وهذا السلوك أو هذا المفهوم الذي ذكرناه حالاً يكون في تعارض تام مع المفهوم البنكي غير الحواري للتعليم.
وهنا لا بد لنا أن ندرك حقيقة واحدة، وهي أن الطريقة الوحيدة في سبيل حل التناقض في علاقة الأستاذ بالطالب، وهي علاقة قائمة بين مُودع وهو الأستاذ ومُستقبل مُدجناً وهو التلميذ، هي، بلا شك، القضاء على جوهر التسلط وطبيعة القهر في سبيل خدمة أهداف الحرية.
وضمنياً يفترض نظام التعليم التلقيني (البنكي) بوحدة العالم والانسان، فالإنسان في نظرهم موجود داخل العالم، ولا يوجد مع العالم، ويكون هذا الانسان دائماً ضمن الآخرين وليس مع الآخرين. وفي نظرهم، الإنسان مجرد مشاهد -وجوده وجود سلبي- ليس له القدرة على الابداع ولا يقدر على ابداع دوره.
في هكذا إطار فالإنسان لا يمتلك ضمير يشعر وليس له ضمير يحس به هذا الوجود وذلك العالم، ولكنه مجرد عقل فارغ عقل خاوي مفتوح مستعد لاستقبال ما يُودع فيه. وعليه يكون الدور الذي يقوم به المدرس هو فقط إيداع المعرفة أو بالأصح المعلومات في داخل الماعون العقلي لتلميذه في سبيل ملئه بمودعات، يعتقدون أنها هي المعرفة الحقيقية.
وإذا استمر الناس بهذا الشكل من التعامل السلبي مع العالم، فحتماً سيزدادون سلبية على سلبيتهم، وسيتكيفون مع الواقع الذي يقبعون فيه والذي يعيشونه. فهذا الانسان المتعلم على ضوء هذا المفهوم هو ذلك الانسان المتأقلم، ويكون بذلك هو الوحيد المؤهل ليكون صالحاً في المجتمع المتسلط والمجتمع القهري.
وبترجمتنا لهذا المفهوم واقعياً نجد أنه يتلاءم تماماً مع أهداف القاهرين، الذين يركزون جل اهتمامهم وكل اهتماماتهم في أهمية تكيف الناس مع الوجود الذي عملوا على بناءه والذي صنعوه لهم، والذي لا يوجد له بديل، فبقدر ما تتكيف الأكثرية مع الأهداف التي وضعتها لهم الأقلية المسيطرة المتسلطة، بقدر ما تصبح هذه الأقلية قادرة على المواصلة في لعب دورها الذي تم تحديده سلفاً.
وعليه فان النظرية وتطبيقاتها في هذا المفهوم التعليمي غير الحواري نجدها تخدم هذا الهدف بامتياز، وأيضاً فان الدروس الشفوية القولية، وتلك القراءة المطلوبة وطرق تحصيل المعرفة والمسافة بين التعليم والمتعلم وأسس ترقية التلاميذ وكل التفصيلات الجاهزة تخدم غرضاً واحداً وحيداً وهو تحييد قدرة التلاميذ على التفكير.
يقول “فروم”…..
((في حين أن الحياة تتميز بنموها الوظيفي فان الانسان الفاقد لحيويته ينجذب نحو كل الأشياء غير النامية أو الأشياء ذات الطبيعة الميكانيكية، فالإنسان النمطي يرغب في تحويل كل ظاهرة عضوية الي ظاهرة غير عضوية لتصبح الحياة في شكلها الميكانيكي وكأن الأحياء مجرد أشياء، فهو يريد للإنسان أن يتميز بالذاكرة لا بالخبرة وبالامتلاك لا بالوجود وهو لا يشعر بما سواه سواء كان زهرة أو انساناً الا إذا امتلكه، وحينئذ يصبح كل تهديد يلحقه فيما امتلكه تهديداً موجهاً الي شخصه فهو ان لم يمتلك فقد اتصاله بالعالم الذي يعيش فيه، ومثل هذا الانسان النمطي يعشق التحكم في غيره ولا يعلم أن بذلك يقتل نفسه في عملية التسلط هذه)).
ولا شك في أن كل من القهر والسيطرة يقودان حتمياً الي القتل، ذلك لأنهما يأخذان ويستمدان وجودهما من حب الموت وليس من حب الحياة. وهكذا فان المفهوم غير الحواري للتعليم (البنكي)، الذي يعمل على خدمة القهر وخدمة ظروفه هو قاتل وهو مميت بالضرورة، وذلك لسبب بسيط وهو اعتماده الكلي على (الآلية) وعلى الجمود وعلى التحييد الذي يجعل من التلاميذ مجرد أوعية للاستقبال.
وبهذه الطريقة يتم السيطرة على تفكيرهم وعلى رغبتهم في العمل، وتتم كذلك تكييف الانسان لظروف القهر، وتعطيل طاقاته المبدعة. وطبيعياً عندما تعطل حركة الانسان ويجد نفسه لا يستطيع أن يمارس ملكاته ومهاراته، فأنه، لا مفر، من أن ينتابه إحساس بالتعاسة، وهذا الإحساس السلبي ما هو الا نتاج ونتيجة للخلل الذي أصاب طبيعة التوازن الإنساني.
يقول فروم….
((غير أن إحساس الانسان بعدم قدرته على الحركة وان كان يسبب له ضيقاً فانه في ذات الوقت يدفعه الي الرفض ومحاولة الانقلاب)).
اذاً، لا يجب أن نتردد في القول القائل بأن الحوار هو وهو وحده الذي في حاجة للتفكير الناقد، وهو وحده الذي له المقدرة على خلق التفكير المبدع، ومع غياب الحوار يغيب الاتصال، وبدون اتصال بالضرورة لا يكون هناك تعليم ولا يوجد تعلم.
فالتعليم الحقيقي أو التعليم الحق هو الذي يمتلك القدرة وله الاستطاعة لحل التناقض الموجود في العلاقة التي تربط التلميذ بمدرسه، وهو ولا شيء غيره يجعلهما مشاركين في عملية واحدة.
وهذا يؤكد أن الصفة الحوارية للتعليم كمظهر للحرية، لا تكون بدايتها عندما يتقابل الأستاذ والطالب في موقف تعليمي، ولكنها تبدأ عندما يسأل الأستاذ نفسه عن القضية التي سيجعل منها موضوعاً للحوار مع الطالب، وذلك لأن معرفة موضوع الحوار تعني الاهتمام السابق بمسألة التعليم.
وعكس ذلك فان مدرس المنهج التلقيني (البنكي) يقتصر مضمون البرامج بالنسبة له في تلك المادة التي سيقوم بإلقائها على تلاميذه، والتي تتيح له الفرصة ليجيب فيها عن الأسئلة التي تخصه أو عن أسئلته الخاصة، التي عينها والتي حددها في برامجه.
وأكيد أن هذا المنهج يختلف عن ذلك المنهج الذي من خلاله يطرح المدرس المشكلات، ولا يتعامل مع التعليم وكأنه منحة تُقدم للتلاميذ في شكل هدية أو قل في شكل صدقة، ولا هو وديعة يودعها عقولهم، فالمادة هنا هي نوع من العرض المنظم والمنسق للأشياء التي يرغب التلاميذ أن يعرفوا عنها، وعلى هكذا النسق، نقول بأن التعليم لا يقوم به فلان عن علان أو علان عن فلان، ولكن يقوم به الاثنان معاً مع الوجود الذي يثير الاندهاش والتحدي فيخلق فيهم الآراء والأفكار عنه.
ولعل ما تحتويه هذه الآراء وتلك الأفكار من شكوك ومن قلق ومن يأس ومن آمال هي التي تعطي الأساس الذي عليه تقوم نظريات التعليم، وبهذه الطريقة وفي سبيل الرغبة من أجل توليد انسان ممتاز، فان النظرة القشرية دائماً ما تتجاهل حاضر الانسان الحقيقي.
وكما عند بيبر فيرتر، فالإنسانية الحقيقية تحتاج منا احساساً بالإنسانية في صورتها الكاملة، وهذا لا يمكن أن يتم من خلال المنهج التلقيني البنكي اللا-حواري، حيث ليس من الممكن منح المعرفة من خلال هذا المنهج للعمال وللفلاحين، ولا يمكن أن يكون نتيجة ذلك ظهور الانسان الصالح الذي تم وضعه في برامجنا.
لقد كتب الله الفشل لكثير من الخطط التعليمية لأن الذين وضعوها، قد خططوها من منطلق تصوراتهم الخاصة للعالم دون إعطاء أي أهمية لحقيقة الناس أو الطلاب الذين وضعت هذه الخطط أساساً من أجلهم.
وهكذا، فبالنسبة للمدرس فان الثورة الحقيقية تعني تغيير العالم، تعني تغيير الواقع بالطلاب أو بالتلاميذ، فالمتسلطون هم وحدهم الذين ليس لديهم الرغبة في مثل هكذا تغيير.
اذن..
التعليم الحواري هو ذلك النموذج التعليمي الذي يقوم على الحوار وعلى النقاش بين الاستاذ وبين طلابه، حيث يكون الطلبة مشاركين في الأنشطة التعليمية ونجدهم يتفاعلون تفاعل إيجابي مع أستاذهم أو معلمهم. ويشبه أو يماثل هذا النموذج أسلوب المحادثة، حيث يقوم الطرفين الاستاذ والتلاميذ بتبادل الأفكار وتبادل الآراء.
مميزات التعليم الحواري
يتمتع هذا النموذج بالكثير من المزايا ومن الايجابيات، من أهمها: - يساعد التلاميذ أو الطلبة على التعلم بصورة أكثر فعالية: فهذا المفهوم يعتمد على مشاركة الطلاب في كل الأنشطة التعليمية ونجدهم يتفاعلون مع الاستاذ ومع المحتوى التعليمي، وهذا بدوره يساعدهم على فهم المعلومات بطريقة أفضل والتمكن من الاحتفاظ بها لفترة أطول.
فعندما يكون الطلاب مشاركين في المناقشات وفي الحوارات التعليمية، فإنهم لا بد لهم من أن يفكروا في المعلومات ويحاولون فهمها بشكل أعمق. كما أنهم يتعلمون ويعرفون كيفية تطبيق المعلومات التي تعلموها في مواقف حقيقية واقعية. - ينمي مهارات التفكير الناقد والتواصل وحل المشكلات لدى الطلاب: يعمل التعليم الحواري على تشجّيع الطلاب على التفكير بصورة مستقلة ويحثهم على التعبير عن أفكارهم وعن آراءهم وعن كيفية حل المشكلات. ودائماً يكون الطلاب مشاركين في الأنشطة التعليمية، ويكونون في حالة تفاعل مع المدرس ومع المضمون التعليمي.
ويعمل هذا على مساعدتهم على فهم المعلومات بسهولة وبصورة أفضل وإمكانية الاحتفاظ بها لفترة أطول. ويساعدهم كذلك على تنمية مهارات التفكير الناقد وتطويرها، كالقدرة على تحليل المعلومات وتقييمها وحل المشكلات. فعندما يشارك التلاميذ أو الطلبة في الحوار، فهم بذلك يتعلمون الدفاع عن وجهة نظرهم وطرح وتقديم الحجج. كما أنهم يتمرون على الاستماع الجيد إلى وجهات نظر الآخرين واحترامها بصدق. - يعزز المشاركة الديمقراطية: من خلال مفهوم التعليم الحواري، يتعلم الطلاب المشاركة في حوارات مفتوحة وحوارات بناءة، وهذا بدوره يساعدهم على أن يكونوا أفراداً مسؤولين ولهم القدرة على تحمل المسئوليات الخاصة والعامة.
فمشاركتهم في الحوار، تعني أنهم يتعلمون كيفية التواصل بشكل فعال ومفيد وكيفية حل المشكلات بطريقة تعاونية مع الآخرين. كما أنهم يتعلمون كيفية احترام وجهات النظر المختلفة.
واستناداً على ما ذكرنا، فالتعليم الحواري هو النموذج التعليمي الأكثر فاعلية مقارنة بالتعليم التلقيني (البنكي)، حيث يعين الطلاب ويساعد التلاميذ على التعلم بشكل أكثر فعالية ويساعدهم على تنمية مهارات التفكير الناقد والتواصل وحل المشكلات لديهم.
ويمكننا تطبيق التعليم الحواري في الكثير من المواقف التعليمية، كالمواقف التالية: - المناقشات الصفية: هنا يعمل المدرس بطرح أسئلة وقضايا ومشكلات على طلابه ويحثهم على المناقشة ويدفعهم الي المشاركة في الحوارات وفي المناقشات.
- المشاريع التعاونية: هذه الطريقة تساعد الطلاب على التعاون وعلى العمل معاً على مشروع مشترك.
- التعلم القائم على المشكلة: حيث يواجه الطلاب مشكلة ويجتهدون في البحث عن حل لها.
ما هي عيوب التعليم الحواري؟
على الرغم من المزايا العديدة للتعليم الحواري (الكمال لله)، إلا أنه يعاني من بعض العيوب (ولكن مع معالجة العيوب أو التعامل مع هذه النواقص بشكل إيجابي، ستصبح بكل تأكيد هي نفسها مزايا وايجابيات)، وأهمها: - الوقت والجهد: يحتاج هذا النموذج مزيداً من الوقت ومن الجهد من المدرس ومن الطلبة على حدا سواء. ففي هذا النموذج التعليمي، يحتاج الاستاذ إلى التخطيط والي التحضير بشكل جيد ودقيق، كما يحتاج التلاميذ للمشاركة بصورة نشيطة ونشطة في المناقشات وفي الحوارات.
وكمثال، قد يحتاج الاستاذ إلى إعداد أسئلة مفتوحة تحفز الطلبة إلى التفكير والي المناقشة والي الحوار. كما قد يحتاج المدرس إلى تخصيص وقت كافٍ لطلابه للمشاركة في المناقشات وفي هذه الحوارات. - عدم مناسبة جميع المواقف التعليمية: قد لا يكون هذا النموذج التعليمي ملائماً لكل المواقف التعليمية. فأحياناً، قد يكون من الضروري أن يقوم المدرس بطرح بعض المعلومات بطريقة أحادية الاتجاه لا تحتاج لتفاعل الطرف الآخر، كشرح المفاهيم الرئيسية أو العمل على تقديم معلومات جديدة للطلبة.
فمثلًا، قد يكون ليس من السهل على المدرس استغلال التعليم الحواري في سبيل شرح نظرية علمية معقدة أو مفهوم جديد لطلابه. - صعوبة إدارة النقاش: ليس، دائماً، من اليسير على الاستاذ إدارة النقاش والحوار مع التأكد من أن كل الطلبة أو كل التلاميذ مشاركون بشكل فعال وبشكل ايجابي.
فمثلاً، قد يهيمن بعض الطلبة ويسيطرون على النقاش أو على الحوار، مما يقلل من فرص الطلبة الآخرين في المشاركة في النقاش أو في الحوار. وقد يكون ذلك له أثر سلبي ويتسبب في أن يفقد الطلاب التركيز أو يفقدون الاهتمام بالنقاش وبالحوار، مما قد يؤثر سلباً على جودة التعليم.
وعلى الرغم من النواقص أعلاها، إلا أننا نجد أن التعليم الحواري هو النموذج التعليمي الأكثر فاعلية من التعليم التلقيني التقليدي (البنكي)، حيث يساعد الطلبة على التعلم بشكل أكثر فعالية ويعينهم على تنمية مهارات التفكير الناقد والتواصل وحل المشكلات لديهم.
ما الفرق بين النموذجين؟
توجد هناك عدة فروق بين نموذج التعليم التلقيني (البنكي) ونموذج التعليم الحواري، ومن أهمها: - دور المعلم أو المدرس:
في التعليم التلقيني، يلعب المدرس دور الملقن المودع، الذي يعمل على نقل المعلومات إلى طلبته، أما في النموذج الآخر، فنجد المعلم أو المدرس يقف موقف الموجه والميسر الذي يساعد طلبته أو تلاميذه على التعلم. - دور الطلبة والتلاميذ: في النموذج التلقيني (البنكي)، يلعب الطلبة دور المستقبلين أو المتلقين السلبيين، الذين يستمعون فقط، دون مشاركة، إلى المعلم ويحفظون المعلومات. أما في نموذج التعليم الحواري، فيلعب الطلبة والتلاميذ دور المشاركين الفاعلين، الذين يتفاعلون مع المدرس ومع المحتوى التعليمي.
- أسلوب التعلم: في التعليم البنكي التلقيني، يكون أسلوب التعلم اسلوب أحادي الاتجاه، حيث يقوم المدرس بإيداع المعلومات وبإفراغها في عقول طلابه وتلاميذه. أما في نموذج التعليم الحواري، تأخذ العملية التعليمية الطريقة الثنائية الاتجاه، حيث يكون هناك تفاعل مستمر بين المعلم والطلاب، وبين الطلاب مع بعضهم البعض.
- الأهداف التعليمية: في التعليم التلقيني، تتركز الأهداف التعليمية على نقل المعلومات فقط من المعلم إلى التلاميذ أو الطلبة. أما في التعليم الحواري، فتتركز الأهداف التعليمية على عملية تنمية مهارات التفكير الناقد وتنمية مهارات التواصل وحل المشكلات لدى الطلبة ولدي التلاميذ.
الدمج بين النموذجين
يمكن دمج التعليم التلقيني والحواري في نموذج تعليمي واحد، يضم مزايا وايجابيات كل منهما. وفيما يلي بعض الأفكار حول تطبيق هذه الكيفية: - استخدام التعليم التلقيني (البنكي) من أجل توفير الأساس للنموذج الحواري: يمكننا أن نستعمل التعليم البنكي من أجل توفير الأساس للتعليم الحواري وذلك من خلال طرح المعلومات الأساسية للطلبة. مثالاً، يمكن للمدرس أن يقوم بشرح المفهوم الرئيسي لطلابه من خلال استخدام التعليم التلقيني، وبعدها يقوم باستخدام التعليم الحواري لمناقشة ولتطبيق هذا المفهوم.
- استغلال النموذج الحواري من أجل تعزيز الفهم العميق للمعلومات: نستطيع استعمال التعليم الحواري في سبيل تعزيز الفهم العميق للمعلومات، التي تم طرحها بمساعدة استعمال التعليم التلقيني التقليدي. فمثلًا، يمكن للمعلم طرح أسئلة مفتوحة على الطلاب لدفعهم إلى التفكير بشكل أعمق في المعلومات.
- استغلال النموذج التلقيني (البنكي) من أجل تقييم النموذج الحواري: لنا أن نستخدم النموذج التلقيني (البنكي) لتقييم النموذج الحواري، وذلك من خلال طرح أسئلة محددة ومعينة على الطلبة والتلاميذ. وكمثال، يستطيع المدرس أن يطرح أسئلة على طلابه حول ما تعلموه من النقاش أو من الحوار.
أمثلة على كيفية دمج النموذجين: - في درس الرياضيات، يمكن للمعلم استخدام التعليم التلقيني (البنكي) في سبيل شرح المفاهيم الرئيسية أو الأساسية للجبر، ثم يستطيع أو يمكنه أن يستعمل التعليم الحواري لمناقشة “كيف يتم تطبيق هذه المفاهيم في الحياة الواقعية”.
- أما في درس العلوم مثلاً، فالمعلم يمكنه استخدام نموذج التعليم التلقيني (البنكي) في سبيل شرح نظرية التطور، ثم بعد ذلك له أن يستخدم نموذج التعليم الحواري من أجل مناقشة الأدلة التي تدعم هذه النظرية.
- وفي درس التاريخ، يستطيع المدرس استعمال التعليم التلقيني (البنكي) لشرح أحداث الحرب العالمية الثانية، ثم يعمل على استخدام التعليم الحواري لمناقشة أسباب الحرب ومسبباتها ونتائجها.
وبلا شك، أنه من خلال دمج النموذجين، يستطيع المدرسين والمعلمين خلق بيئة تعليمية إيجابية وأكثر فاعلية تعين وتساعد الطلاب على التعلم بشكل أفضل وبصورة أمثل، وتساعدهم على تنمية مهارات التفكير الناقد عندهم وأيضاً مهارات التواصل وحل المشكلات التي يواجهونها. (أمنية عبد الفتاح، وآخرين، 2024)
…….. نواصل
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم