أبجدية الغرق … في ماهية المدّ والجزر بين بحري الشوق والمحبة

محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com

خلف حدود الكلمةوحيث تنتهي جغرافيا التعبير أقف أمام مساحتين من اللانهاية مساحتان لا تجمعهما خارطة ولا يحدهما أفق بحرٌ من شوقٍ قلق وبحرٌ من محبةٍ ساكنة كلاهما يسكنني وكلاهما يحملك في أعماقه كسرٍّ وجودي لا يقبل التأويل.
إن الشوق ليس مجرد رغبة في اللقاء بل هو “اغترابُ الروح عن سكنها” و هو ذلك البحر العنيف الذي لا يعرف الركود أمواجه ليست ماءً بل هي “وقتٌ مستقطع” من عمري. في بحر شوقي إليك أختبر فلسفة الفقد في أوج حضورك فالمشتاق يغرق في التفاصيل نبرة صوتك التي لم تقلها بعد و ملامحك التي يرسمها خيالي على وجه الغيم والمسافة التي تتحول إلى كائن حي ينهش سكون ليلى.
الشوق هو “شهيقٌ طويل” بانتظار زفير اللقاء إنه الحركة الدائمة والبحث الأزلي عن “المركز” وسط عاصفة من الحنين في هذا البحر، أنا لستُ رباناً بل أنا الغريق الذي يجد في غرقه نجاة لأن الشوق إليك هو الدليل الأكبر على أنني ما زلتُ على قيد الشعور.
إذا كان الشوق هو العاصفة فإن المحبة هي القاع المستقر هي ذلك البحر العميق الذي لا تصله الرياح العابرة المحبة عندي ليست عاطفة طارئة بل هي “حالةُ وجود”هي القبول المطلق والسكينة التي تعقب ضجيج العالم.
في بحر محبتي أنت لستَ عابراً بل أنت المرجان واللؤلؤ والسر المكنون. إنها المحبة التي تتجاوز “الأنا” لتذوب في “النحن” فلسفة هذا البحر تقوم على الاحتواء فأنا لا أحبك لأنك “أنت” بل أحبك لأنك الصدى الذي جعل لصوتي معنى والمرآة التي رأيت فيها أجمل نسخ نفسي. المحبة هي الميناء الذي لا تخاف فيه السفن من التحطم هي الأمان الذي يجعلني أهبُك روحي دون خوفٍ من نفاذ المخزون.
بداخلي يلتقي هذان البحران في نقطة لا يدركها إلا من ذاق طعم “الوجد”.
الشوق يمنح علاقتنا شغفها وتجددها الدائم.
المحبة تمنحها ثباتها وخلودها.
إنهما “المد والجزر” في قلبي؛ شوقٌ يشدني إليك بعنف التمني ومحبةٌ تبقيني معك برصانة الالتزام. أنا أحملك في داخلي كقدرٍ لا فكاك منه وكوطنٍ لا يحتاج إلى جواز سفر بل إلى نبضٍ صادق فقط.
لقد تجاوزتُ معك مرحلة “المشاعر” إلى مرحلة “الشهود” فأنا أشهدك في كل جمال وأستشعرك في كل صمت. بحر الشوق وبحر المحبة ليسا إلا قطرتين في محيط ما أكنّه لك فهل يكفي العمر لنبحر معاً إلى ما وراء الأفق؟

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

تحت ركام الذاكرة… أنتِ نبضٌ يأبى التفحم

محمد صالح محمدتتصاعدُ أعمدةُ الدخان لتطمس ملامح السماء وتتشقق الأرضُ تحت وطأة الحديد والنار حتى …