نزار عثمان السمندل
تحلّ الذكرى الـ41، ويقف الاسم وحده في مواجهة الزمن: محمود محمد طه ـ (الأستاذ).
اسمٌ خرج من حدود السيرة ليقيم في فضاء الفكرة، ومن جغرافيا رفاعة ليستقر في امتحان الضمير السوداني والعالمي على حدٍ سواء.
دخل التاريخ من باب العزلة الصلبة، وترك خلفه سيرة فكرية لا تهدأ، ونهاية تهزّ الوجدان كلما استعيد مشهدها. لم يطلب سلطة، ولم يفاوض على مبدأ، ولا ساوم على قناعة، ثم دفع ثمن الفكرة كاملة، جسداً وابتسامة.
ولد (الأستاذ) في 1909. منذ طفولته بدا مختلفاً: تأمل طويل، نزاهة صارمة، شجاعة لا تستعرض نفسها.
في كلية غوردون لم يكن مجرد طالب متفوق، كان شخصية مؤثرة، تترك أثراً صامتاً في محيطها. كلما تكلم منح السامع شعوراً بأن الكلمات خرجت من زمن أطول من أعمارنا. مهندسٌ في الشهادة، ومفكرٌ بالفطرة، ومجاهدٌ حقيقي؛ بالكلمة والسلوك.
في حقبة الأربعينيات بدا واضحاً أن الرجل لا يسعى إلى زعامة سياسية ولا إلى نفوذ ديني، بل إلى تحرير العقل من خوفه، والدين من توظيفه. شيّد ما عُرف لاحقاً بـ«الفكرة الجمهورية»، وكتب المنشورات بيده ووقّعها باسمه. رؤية دينية صادمة لمألوف الفقه، ومفتوحة على أفق إنساني واسع.
ابتكر لنفسه مهمة عالية الكلفة: تطوير الخطاب الديني، وردّ الدين إلى أفقه الأخلاقي والكوني. كتب، وشرح، وجادل، ونزل إلى الشارع، يخاطب الناس بلا وسائط، لإيمانه بأن التغيير يبدأ من وعي الفرد لا من كراسي الحكام.
فرّق بين نصوص نزلت لتدبير مجتمع في زمنٍ بعينه، وأخرى خاطبت الإنسان في جوهره، ودعا إلى ردّ الاعتبار لقيم الحرية والعدل والمساواة.
لم يكن خطابه غوغائياً، ولا شعبوياً، كان محاججة هادئة، تستند إلى النص، وتستحضر التاريخ، وتستأنس بالفلسفة والمنطق.
موسوعية معرفته جعلته قادراً على محاورة التراث الإسلامي، ومساءلة الماركسية، ونقد الرأسمالية، من دون أن يستعير لغة أحد.
دخل السجن باكراً. السلمية لم تكن عنده شعاراً، كانت نمط حياة. الاحتجاج عنده فعل أخلاقي، والكلمة مسؤولية.
وقف (الأستاذ) في وجه الإسلام السياسي بشجاعة قلّ نظيرها. رأى أن السلطة تفسد الدعوة، وأن الدين حين يتحول إلى أداة حكم يفقد روحه. قال إن التعدد الديني والعرقي ليس مشكلة بل فرصة، وإن السودان لا يُبنى بالإكراه. لم يكن خصماً صاخباً، بل حُجّة يستحيل تدجينها أو مراوغتها. لذلك خافوه.
انتقد الجهاد بوصفه ممارسة تاريخية مرتبطة بظرفها، ودافع عن المساواة الكاملة بين النساء والرجال، وكتب عن الصلاة والزكاة والزواج من زاوية أخلاقية وروحية صادمة لعصره. لهذا لم يُترك وشأنه. السجون تكررت، والمحاكم لاحقته، والفتاوى أحاطت به كالسياج.
في مطلع الثمانينيات، حين أعلن نظام جعفر نميري تطبيق قوانين الشريعة، كتب (الأستاذ) منشوره الشهير «هذا أو الطوفان». لم يهادن، ولم يخف، ولم يساوم. رأى في تلك القوانين تشويهاً للدين، وتمزيقاً للمجتمع، وإنذاراً بحرب أهلية. الردّ جاء سريعاً: اعتقال، محكمة طوارئ، حكم جاهز بتهمة الردة.
في صباح الثامن عشر من يناير، كان المشهد عارياً من الزوائد. سار (الأستاذ) إلى المشنقة بطمأنينة لافتة. رفض الاعتراف بالمحكمة، استنكر التراجع والنجاة المشروطة، وواجه الموت بوجه مكشوف. وقف بهدوء كامل أمام آلة الحكم، وقد استنفد كل ما يمكن أن تقوله الكلمات، وترك لجسده أن يُكمل المعنى.
حين أُزيح الغطاء عن رأسه، ظهرت ابتسامته الشهيرة؛ سلاماً أخيراً، هادئاً وضيئاً، تكثيفاً لانسجامٍ طويل بين القول والفعل، وبين الفكرة ومصيرها.
تلك الابتسامة أضحت صورة أيقونية، تجاوزت السودان، ودخلت سجل الشجاعة الإنسانية.
ما انتصروا عليه، ولا هزموه.
أعدموا الجسد، لكنهم تركوا الفكرة بلا قبر، تمشي في الأسئلة، وتختبئ في الضمائر القلقة.
بعد واحد وأربعين عاماً، يعود حضور (الأستاذ) كلما التبست الحدود بين الدعوة والقهر، وكلما استُدعيت الشريعة خارج سياقها الأخلاقي، وكلما طُلب من الناس أن يسلّموا عقولهم باسم الطاعة.
لا يعود رمزاً، بقدر ما يتمظهر سؤالاً يتحرك في الفراغ الذي خلّفه غياب العدل.
الأفكار التي تُدفع إلى أقصى درجات العنف تكتسب زمناً أطول من زمن خصومها. تعمل ببطء، وتتسلل إلى الوعي من دون شعارات، وتعيد ترتيب الأسئلة الكبرى حول الحرية، والكرامة، وحدود السلطة حين تمسّ المعنى الديني.
في كل ذكرى، يبقى الأثر مفتوحاً على تأويله: سلمية تُفهم بوصفها شجاعة مكتملة، موقف يُقاس بثمنه لا بضجيجه، وابتسامة واحدة تظل قادرة على إرباك تاريخ كامل من الخوف.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم