مقتل ديدان… أنشودة الجيش

نزار عثمان السمندل

مقتل علي ديدان يفضح نفوذ المتشددين داخل الجيش السوداني، ويكشف خيوط النفوذ الخفي التي تحكم أروقة المؤسسة العسكرية.
عصر الخميس الماضي، ارتجّت أرض هبيلا في جنوب كردفان بصدى المواجهة التي أودت بحياة القائد المتطرف المعروف بـ”أمير المجاهدين” وقائد قوات الجبال الشرقية. سيرة ديدان امتدت بين السياسة والميدان، بين حكم البشير السابق ومليشيات الكتائب المسلحة، حاملا عبء التوحيد بين التطرف العسكري والنفوذ السياسي.

تحرك ديدان لم يكن عشوائيا، فقد أسّس كتائب البراء بن مالك والبرق الخاطف، وفتح سماء كردفان للطائرات المسيّرة، ليصبح المدير الفعلي للهجمات الجوية، ورمزا للربط بين الحرب الأرضية وحرب السماء. مقتله يمثل ضربة قاسية للبنية العسكرية للكيزان، لكنه يفضح أيضا شبكة السلطة الحقيقية داخل الجيش، شبكة تمتد من الميدان إلى أجهزة المخابرات، من كتائب ظل الحركة الإسلامية إلى قيادة الجيش، متشابكة لا انفصال فيها، مرسومة بخط اليد الحزبية نفسها التي أسّست لحكم الترابي _ البشير.

بيانات النعي تكشف ما أخفته الشفاه الرسمية. أحمد هارون، القيادي في المؤتمر الوطني، نعى القتيل بلغة متطرفة، كأن المؤسسة العسكرية والكيزان الإسلامية وجهٌ واحد. كتيبة البرق الخاطف وضعت اسم الجيش في واجهة بيانها، إقرار عملي بأن الكتائب المسلحة ليست قوة هامشية، هي جزء من منظومة الجيش، متحكمة بزمام العمليات والقرار.

قوات العمل الخاص نعت ديدان بوصفه أمير المجاهدين داخل جهاز المخابرات، فاتضحت هيمنة المتشددين على قلب الأجهزة الأمنية، استبعادا لاعتبارها مجرد آلة قتالية في دور محدود.

مقتل ديدان كشف عمق الحرب الحقيقية، حرب نفوذ يمارسها التيار الإسلامي داخل مؤسسات الدولة. نفي البرهان المتكرر لوجود سيطرة الكيزان يبدو هشا أمام حقيقة اختراقهم للجيش والمخابرات والشرطة، وتحولهم إلى القوة الفعلية التي تحدد مسار القتال والأمن.

هذه الحرب حربهم، وهذا الجيش جيشهم، والأمراء يتخذون القرار داخل كل الأجهزة، مسيطرين على الرؤوس، وموجهين السلاح. يملكون الشغف بالقتل والتخطيط الاستراتيجي معا.
حادثة مقتل علي ديدان، إذ تفضح نفوذ الكيزان، تضع السودان أمام سؤال يرفض التجميل: من يقود الدولة فعلا؟ من يقرر أمنها ومصيرها؟

اختراق التطرف لمؤسسات الدولة لم يعد سرا إنما واقعا مفضوحا، وموت ديدان جعله أكثر وضوحا وقسوة، كصدى الرصاص الذي تجاوز الجسد ليخترق عقل الأمة بأسرها، ويضع أمام السودانيين مرثية الألم والسلطة.
مرثية واسعة؛ بلا تهدئة ولا تأجيل.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

حميدتي: أنا أفريقي أنا علماني

نزار عثمان السمندل يتقدم محمد حمدان دقلو، حميدتي، بخطاب جديد يريد له أن يبدو ولادة …