التعليم (16)
العلم والمجتمع
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
علينا أولاً أن نعرف العلاقة بين العلم والمجتمع، وماذا يريد العلم من المجتمع؟ وما هو الشيء الذي يريده ويطلبه المجتمع من العلم؟ فلنبدأ بالسؤال الأول، ونقول بأن العلم، وباختصار شديد وسهل، يسعى وراء المعرفة، ورجالات العلم ما هم الا طلاب حقيقة، ونكشف قائلين بأن الموقف التقليدي للعلم من المجتمع هو أن العلم حشر نفسه في قمقم أو في صومعة، وعاش العلماء ويعيشون في ابراجهم العاجية بعيدين عن الآخرين ولا يرغبون في أي ازعاج يصرفهم عن أبحاثهم وعن دراساتهم، وطلبهم الوحيد من المجتمع هو أن يتركهم وشانهم.
وما ذكرناه هو بحق الموقف التقليدي للعلم إزاء المجتمع، وهو يظهر في موقف المؤسسات العلمية كالجامعات وكالهيئات العلمية في القرون الوسطى وما جاء بعدها من قرون وقرون الي أن بلغنا أوائل هذا القرن الحاضر المعاصر.
وقد كان العلماء وكان الأكاديميين مقتنعين بهذا الوضع، وكان اعتمادهم كله على المساعدات أو على الهبات المالية التي تأتيهم من المحسنين ومن بعض الملوك ومن بعض الامراء، الذين كان لهم شغف للعلم وكانوا يحبون العلم ويعشقون الحق والحقيقة.
هكذا كانت صورة العلم وعلاقته بالمجتمع في الماضي، ولكن حدث تغير في المواقف وحدث تغير عظيم في زماننا الحالي، فالدولة الحديثة لا تعيش ولا تستمر بدون العلم، ولا تحيا في غيابه لأنها ببساطة تتنفس علماً، وهو درعها الذي يحمي كيانها ويدافع عن وجودها، فأصبح ليس كافياً أن يقبع العلم في صوامعه بعيداً منزوياً، متخذاً موقفاً سلبياً غير مؤثر وغير فعال، وأيضاً، ليس من الحكمة، وليس من المنطق أن يعتمد العلم على الهبات وعلى الصدقات وعلى الفتات.
وبما أن العلم هو سياج الدولة الحديثة كان لا بد أن يستشعر المجتمع الحديث حاجته الي العلم، فأصبح واجباً عليه أن يرعاه، وواجباً عليه أن يتعهده، وأن يهتم به، وأن ينفق عليه.
فالمؤسسات العلمية كالجامعات والكليات والمعاهد يجب أن يرصد لها في ميزانية الدولة بالقدر الذي يساعدها على النهوض وعلى القيام بمهمتها وبواجبها، ويعينها على توصيل رسالتها وانجازها.
وهناك ما هو أهم بكثير من هذه المساعدات المالية أو المادية وهو استقلال الفكر وحريته. فالعلم لا يضع اعتبار لأي اعتبار من الاعتبارات مهما علا شأنه وعظم خطره، ولكنه يعير انتباهه كله لاعتبار واحد لا ثاني له وهو طلب الحقيقة والسعي خلفها بكل جدية وبكل اجتهاد وتفاني.
ولا تستطيع كل المؤسسات العلمية القيام برسالتها وبواجبها الا إذا كانت حرة والا إذا كانت مستقلة لا تخضع لتسلط السياسة ولا لهيمنة الجاه ولا لشيطان المال، فهي حرة لا ترضى الا أن تكون حرة، وهي تحقق أهدافها بنفسها وبذاتها، ومبتغاها وكل مناها ورجاءها هو طلب الحقيقة لذاتها.
واجابتنا عن السؤال.. ماذا يريد العلم من المجتمع؟ هي على النحو التالي، العلم يريد أن يتم له توفير كل وسائل البحث، وأن يُترك وشأنه، حراً مستقلاً في عمله وفي أداء واجبه. واستقلال العلم لا ينبع من أنانية أو بالأصح لا ينبع من أنوية، ولكنه يمت بأمر آخر بصلة وتربطه علاقة مع سبب جوهري وهو تقدم العلم نفسه، فالعلم الذي يرضى لنفسه أن يكون تحت رحمة التدخلات السياسية أو يخضع لأي مؤثرات خارجية هو علم زائف، وحتماً مصيره الركود والرسوب والسقوط.
وعلى الجميع أن يعرف وأن يفهم بأن كل تقدم في العلم سببه الرئيسي هو استقلال الفكر وحصانة الباحث ضد أي مؤثر أو أي مؤثرات خارجية، وتركيز كل جهده في كشف الحقيقة وفي طلبها. وبعبارة مختلفة نقول بأن الاستقلال، أي استقلالية العلم، جزء من جوهر العلم يفرضه قانون تطوره، وبه يحيا، وبدونه يتلاشى ويفنى الي الأبد.
وما زلنا نحن في وادي معزول بعيد قصي لا يقترب من مسالة تقدير العلم تقديراً سليماً صحيحاً، ووضع العلم في مكانه الحقيقي الذي يستحقه، كما فعلت الشعوب المتحضرة معه. فالعلم عندنا تائه ليس له مقام معروف في ذاته، ولكنه ان اكتسب له قيمة في المجتمع، فيكون ذلك بطريقة عرضية عفوية غير مقصودة.
وحالنا اليوم مع العلم يشبه حال أوروبا معه في القرون الوسطى المتخلفة. وتقدير العلم، يا سادة يا كرام، يتطلب درجة عالية ودرجة رفيعة من التقدم في الشعوب، وقديماً قيل.. “لا يعرف الفضل الا ذوُوه.” ولذلك نستطيع أن نقرر بأن درجة التقدم العلمي للشعب او للمجتمع، أي شعب وأي مجتمع، هي نفسها المقياس الأمثل لتقدير العلم في المجتمع.
ففي النرويج، مثالاً لا حصراً، الذي بلغ تقدم العلوم فيها مبلغاً وبلغ درجة عالية رفيعة، نجد المجتمع، صحافته وكُتابه ومفكريه ورجال السياسة فيه، نجدهم جميعهم وكلهم يهتمون بالعلم ويعطونه حقه كاملاً بلا نقصان، ويضعونه في مكانه الطبيعي المستحق، ويقدرونه لذاته، وأيضاً نراهم يجلون العلماء ونجدهم يحترمونهم ويحجزوا لهم الصف الأول من رجال الدولة، فهم رقم واحد في البلاد وبين العباد.
أما عندنا، فنحن بعيدين كل البعد عن أن نتشبه بذلك، مجرد تشبه، فرجالات العلم عندنا لا يلقون أقل احترام، ولا يتمتعون بأقل تقدير، ولا ينالون أقل القليل من حقوقهم التي يستحقونها بحق وحقيق. ولكنهم أحياناً يكتسبون شيئاً بطريقة غير مباشرة، ويتم ترتيبهم وفقاً لدرجاتهم المالية لوظائفهم في حالة كونهم كانوا موظفين في الدولة أو وفقاً لجاههم أو لسلطانهم في حالة أنهم كانوا من أهل الجاه ومن أصحاب السلطان.
ويمكننا أن نجد هناك تقدير للعلم في ذاته من قبل حفنة بسيطة من بعض الطوائف الخاصة من المتعلمين، ولكنه غير شامل لغيرهم من الطبقات ومن الفئات ومن الطوائف الأخرى.
وبخصوص السؤال الثاني الذي يسأل عما الذي يطلبه المجتمع من العلم؟ فالكل على دراية بأن العلم يتم تطبيقه في كل المرافق الاجتماعية والعمرانية وغيرها، وممكن الجزم بأنه لا يخلو مرفق من المرافق من آثار العلم ومن ثمراته.
وقديماً كان تطبيق العلم يترك لعملية الاجتهاد الفردي، فظهرت طبقة من المهندسين ومن المخترعين كان جل همهم أن يستفيدوا من التقدم العلمي من أجل خدمة أهداف محددة في المجتمع.
ويمكننا أن نضرب هنا بعض الأمثلة، كالمخترع الأمريكي (اديسون) صاحب النور الكهربائي، والمخترع الإيطالي (ماركوني) مخترع الإذاعة اللاسلكية، وهناك ألوف وألوف غيرهم ممن أفنوا زهرة شبابهم أو جل حياتهم في العمل على تطوير جهاز أو تحسينه أو في تصميم آلة أو في صناعة أداة تنجز هدفاً من الأهداف البشرية المتعددة.
وكان قد تمثل الحافز أو الدافع لهؤلاء العلماء ولأولئك المخترعين دافعاً أو حافزاً مزدوجاً، فمن الناحية الأولى، هناك دافع الشهرة التي ينالها صاحب الاختراع، ومن الناحية الثانية هناك الحافز المادي. وغيرهما أي غير هاتين الدافعين هناك باعث المتعة الفكرية ولذة الخلق والإنتاج.
ولكن، وفيما بعد كان أن انبثق احساساً وشعوراً في البلاد المتقدمة في الحضارة يدعو الي عدم ترك شأن تطبيق العلم للجهود الفردية. فالدولة هي المسئولة عن كل المرافق العامة، فهي مسئولة عن الصحة، وهي مسئولة عن الزراعة، وهي مسئولة عن توفير الغذاء والملبس للمجتمع وللشعب، وفشل الدولة سيكون حتمي إذا لم تطلب يد العون ويد المساعدة من العلم ومن نتائج تطبيقه وتطبيقاته في إدارة وفي تسيير مسئولياته العديدة المتعددة.
إضافة لما تقدم ولما ذكر، على الدولة تقع مسئولية عظيمة وأمانة ثقيلة تجاه هذه الأمور كلها. يتطلب منها أن تقوم بوَضْعَ سياسةٍ يلحظ فيها التطور ويشاهد فيها التقدم من الحال الحالي إلى الاستقبال المستقبلي، فلا يكفي أن توفر المأكل وأن توفر الملبس في سنة ما، ولكن عليها أيضاً أن تفكر في السنة التالية وفي السنة التي تليها والتي، والتي وهكذا.
وهذا يعني أن يكون للدولة سياسة انشائية بصورة ثابتة مستديمة في الإنتاج الزراعي وأيضاً في الإنتاج الصناعي، وفي المجالات الأخرى كالصحة وكالتعليم، وفي الاقتصاد كذلك، ومن أجل أن تفعل ذلك عليها أن تعرف موارد الثروة في الدولة وأن تحصيها إحصاءً دقيقاً، ويجب عليها استعمال هذه الموارد، وأن تعمل على تنميتها على أساس علمي.
فلنأخذ مثالاً حياً، فالإنتاج الزراعي في إنجلترا كان أمره في يد المجهود الفردي، ولهذا السبب لم يكن انتاجها، أي إنجلترا، من الحبوب ومن الحاصلات الزراعية الأخرى يزيد على ثلاثة أسباع الاستهلاك الكلي، ولكن مع حضور العام 1942م، تم اصدار قانون يتعلق بتأسيس مجلس أعلى للزراعة يسيطر على كل العملية، عملية الإنتاج الزراعي، وذلك باستعمال الآلات الميكانيكية واستخدام الأسمدة الكيميائية، بعد أن قاموا بدراسات وبدراسة علمية لطبيعة الأراضي، وكانت النتيجة رائعة ومدهشة، ففي خلال عامين اثنين فقط (1942-1944)، نما الإنتاج الزراعي بنسبة بلغت 67%، وأصبح الإنتاج كافي لمقابلة احتياجات المستهلكين الانجليز لخمسة أيام من أيام الأسبوع بدلاً عن ثلاثة أيام فقط، ولم يكن ذلك كذلك الا بفضل العلم وبفضل الطريقة العلمية التي تم استخدامها واستغلالها في خدمة المجتمع ولخيره.
ولم تكتفي الحكومات في الدول المتقدمة والمتحضرة بذلك، ولكنها وضعت خطط انشائية قائمة على أسس علمية وعلى دراسات وعلى بحوث علمية، فقامت وزارات وانشأت مصالح متعددة هدفها تنسيق الجهود وغايتها دراسة المشكلات بصورة علمية موضوعية ورسم خطط تنموية على ضوء نتائج الدراسات.
وبالتأكيد أن القارئ قد سمع عن مشاريع الانشاء والتعمير في كل من أمريكا وانجلترا، ولا يغيب عن فطنته أن أساس هذه المشاريع هو وجود مجالس وحضور لجان فنية يتركز اعتمادها كله على الدراسات وعلى البحوث العلمية. وعليها، أي على الدراسات والبحوث، تبني سياسات ثابتة للحاضر وللمستقبل. فأين نحن من كل هذا؟ والي متي سنظل متخلفين ولا نعطي العلم مكانته وحقه الطبيعي، لنرتقي ونتطور ونلحق بركب الحضارة والمدنية، الا هل بلغت، اللهم فأشهد! (على مشرفة، 2014).
…….. نواصل
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم