الكرسي يدور، والسلطة لا تتحرك

بقلم: إدوارد كورنيليو

في جنوب السودان، لا تمر أشهر دون أن تُعلن الرئاسة عن تعيينات جديدة أو إقالات مفاجئة في مواقع حساسة: قيادة الجيش، جهاز الأمن، الوزارات، وحتى الحكام المحليين. هذه التغييرات المتكررة، التي قد تبدو للوهلة الأولى كجزء من ديناميكية إدارية طبيعية، تخفي وراءها شبكة معقدة من المصالح، الولاءات، والهواجس الأمنية والسياسية التي تحكم بنية الدولة وتعيد إنتاجها. إنها ليست مجرد قرارات إدارية، بل مرآة تعكس طبيعة السلطة، منطقها، وأدواتها في بلد ما زال يتلمس طريقه نحو الاستقرار بعد عقود من الحرب والانقسام.

في هذا السياق، تصبح التعيينات والإقالات المتكررة وسيلة لإدارة الولاءات أكثر من كونها أداة لتقويم الأداء أو تعزيز الكفاءة. فالمناصب العليا لا تُمنح بناءً على معايير مهنية واضحة، بل تُوزع كغنائم سياسية، تُمنح وتُسحب وفقًا لمعادلات الولاء والتهديد. من يُظهر طموحًا زائدًا أو يُشتبه في استقلاليته يُقصى، ومن يُظهر ولاءً مطلقًا يُكافأ، ولو مؤقتًا. وهكذا، تتحول الدولة إلى ساحة لتدوير النخب، لا لتجديدها، حيث يعود المُقال اليوم إلى منصب آخر غدًا، في دورة لا تنتهي من التعيين والإقالة.

هذه الدورة لا تُنتج استقرارًا مؤسسيًا، بل تُعمّق هشاشة الدولة. فكل تغيير في القيادة يُربك الجهاز الإداري، ويُعيد ترتيب شبكات النفوذ، ويُضعف من إمكانية بناء تقاليد مؤسسية راسخة. لا أحد يبقى في موقعه بما يكفي لتطوير رؤية أو تنفيذ خطة طويلة الأمد. والنتيجة أن الدولة تظل في حالة حركة دائمة، لكنها حركة دائرية، لا تقود إلى الأمام بل تُعيد إنتاج ذاتها. إنها أشبه برقصة في مكانها، تُبهر الناظرين للحظة، لكنها لا تقطع مسافة.

وراء هذه الديناميكية تكمن بنية اقتصادية ريعية، تعتمد على النفط والمساعدات الدولية، لا على الإنتاج المحلي أو الضرائب. في مثل هذه الاقتصاديات، تصبح الدولة هي المصدر الرئيسي للثروة، والمناصب العامة هي بوابة الوصول إلى الموارد. ولذلك، فإن السيطرة على الدولة تعني السيطرة على الثروة، والتعيينات تُصبح وسيلة لإعادة توزيع هذه الثروة داخل دائرة ضيقة من النخب. لا عجب إذًا أن الصراع على المناصب يحتدم، وأن التغييرات الإدارية تُستخدم كأداة لإرضاء الحلفاء أو معاقبة الخصوم.

لكن الأمر لا يتوقف عند الاقتصاد. فالبنية السياسية والاجتماعية في جنوب السودان، التي تشكلت في ظل الحرب، تُعزز منطق الزبونية والمحسوبية. القبيلة، التي كانت ملاذًا في زمن الحرب، أصبحت وحدة التنظيم السياسي غير المعلنة. التعيينات تُراعي التوازنات الإثنية، لا الكفاءة. كل منصب يُنظر إليه من زاوية “من أي جماعة هو؟”، لا “ما الذي يستطيع أن يقدمه؟”. وهكذا، تُستخدم التعيينات كأداة لشراء السلم الأهلي، لكنها في الوقت ذاته تُعمّق الانقسامات، لأنها تُكرّس منطق التمثيل الإثني بدلًا من منطق المواطنة.

في هذا المناخ، تُصبح الإقالات المتكررة وسيلة لإدارة الخوف. الخوف من الانقلاب، من الانقسام، من التمرد. السلطة لا تثق بأحد، حتى أقرب حلفائها. وكل من يقترب من مركز القرار يُصبح موضع شك. ولذلك، فإن التغييرات المتكررة تُستخدم كصمام أمان، لتفكيك مراكز القوة قبل أن تتجذر. لكنها في الوقت ذاته تُنتج حالة من عدم اليقين، تُضعف من هيبة الدولة، وتُربك حتى من هم في قلب السلطة.

النتيجة أن الدولة تُدار بمنطق الطوارئ، لا بمنطق التخطيط. كل قرار هو رد فعل، لا فعل. وكل تعيين هو محاولة لاحتواء أزمة، لا لبناء مؤسسة. في مثل هذا السياق، لا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي، لأن الإصلاح يتطلب استقرارًا، ورؤية، وإرادة سياسية. أما التغييرات المتكررة، فهي تُنتج وهمًا بالحركة، لكنها تُخفي ركودًا عميقًا في جوهر الدولة.

ولعل الأخطر من ذلك أن هذه الديناميكية تُنتج وعيًا زائفًا لدى المواطنين. فكلما أُقيل مسؤول، تنطلق موجة من الأمل بأن القادم سيكون أفضل. لكن سرعان ما يتبين أن التغيير كان شكليًا، وأن السياسات لم تتغير، بل الأشخاص فقط. وهكذا، يُعاد إنتاج الإحباط، وتُفقد الثقة في الدولة، وتُفتح الأبواب أمام النزعات الانفصالية أو العنف السياسي.

في ظل هذا الواقع، تُصبح الدولة في جنوب السودان كيانًا هشًا، تُديره نخب متغيرة، لكنها متشابهة. لا مشروع وطني جامع، ولا رؤية اقتصادية واضحة، ولا مؤسسات مستقلة. فقط شبكة من المصالح، تُديرها نخبة صغيرة، تُعيد إنتاج ذاتها عبر التعيينات والإقالات، وتُحافظ على سلطتها عبر إدارة الخوف والانقسام.

لكن هذه الصورة، بكل ما فيها من قتامة، لا تعني غياب الأمل. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تمر بمثل هذه المراحل، قادرة على إعادة بناء نفسها حين تتوفر الإرادة الجماعية. ما ينقص جنوب السودان ليس الموارد، بل الثقة. الثقة في أن الدولة يمكن أن تكون شيئًا آخر غير أداة للنهب أو وسيلة للهيمنة. الثقة في أن المواطن يمكن أن يكون فاعلًا، لا مجرد متفرج. الثقة في أن السياسة يمكن أن تُمارس كخدمة، لا كغنيمة.

ولتحقيق ذلك، لا بد من إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. لا بد من كسر الحلقة المفرغة التي تربط المنصب بالثروة، والولاء بالترقية، والاختلاف بالإقصاء. لا بد من بناء مؤسسات تُدار بالكفاءة، وتُحاسب بالشفافية، وتُخضع للمساءلة. لا بد من خلق فضاء سياسي يسمح بالتعدد، لا يُعاقب عليه. ولا بد من إعادة الاعتبار لفكرة المواطنة، لا كهوية قانونية فقط، بل كعقد اجتماعي يُلزم الدولة بخدمة الجميع، لا جماعة بعينها.

إن التحدي الأكبر أمام جنوب السودان اليوم ليس فقط في إنهاء الحرب أو تحقيق السلام، بل في إعادة بناء الدولة من الأساس. دولة لا تُدار كشبكة مصالح، بل كعقد اجتماعي بين المواطنين. دولة تُنتج الثروة، لا تُوزع الريع. دولة تُكرّس المواطنة، لا تُعيد إنتاج الانقسام. ودون ذلك، ستظل التعيينات والإقالات المتكررة مجرد عرض لمرض أعمق، لا دواء له.

ما لم نكسر الحلقة، ستظل الدولة تدور في حلقة مفرغة، تُعيد إنتاج ذاتها، وتُعيد إنتاج أزماتها، وتُعيد إنتاج خيبات شعبها.

tongunedward@gmail.com

عن ادوارد كورنيليو

ادوارد كورنيليو

شاهد أيضاً

عند تخوم هذا الصمت: حين يغني الوطن بصوتٍ واحد

بقلم: إدوارد كورنيليو في مساءٍ ثقيلٍ من مساءات الخراب، وقف أبو عركي البخيت على خشبة …