الهيمنة المِصريّة على السودان – الصَّيحة الأخيرة!

بَلّة البَكْري (*)
02 فيراير 2026
“لقد جئتكم بالسيادة على السودان”!!
صِدقي باشا، رئيس وزراء مصر 1946م

مقدّمة
هذه قراءة، غير تقليدية، (Unorthodox) في كتاب د. النُّور حمد: “الهيمنة المصرية على السودان – الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع” الطبعة الأولى 2025م، الصادر حديثًا عن دار الموسوعة الصغيرة للطباعة والنشر، جُوبا، السودان الجنوبي. والنُّور حَمَد، كما هو معروفٌ، مفكِّرٌ وباحثٌ سياسيٌّ نَشِط ومُؤثِّر، له اهتمامٌ كبير بالشأن السوداني. ويأتي هذا الكتاب الهام في وقتٍ أضحت فيه حقيقة الدور المصري في حرب السودان تتجلّى للجميع، وتَكشِف عن وجهها الحقيقي والبعد الإستراتيجي لهذا الدور؛ ما يجعل هذا الكتاب – فيما نرى – من أهمَّ الكتب على الساحة (الثَّقافُوسياسيَّة) في البلدين حاليًا. يقع الكتاب في 246 صفحة من القطع المتوسط، ويشتمل على ستة فصول، ومقدمة تمهيدية عن الحرب السودانية وطبيعتها. الفصل الأوّل: عبء الرجلين الأبيض والمصري؛ والثاني: انتكاسة الثورة؛ والثالث: مصر وثورة ديسمبر 2018؛ والرابع: موارد السودان المنهوبة؛ والخامس: كيف أصبحت مصر وطنًا بديلًا للسودانيين؛ ثمّ السادس: دور الجيش ودولة الشعب.

المشهد السوداني والعوامل الداخليّة
في البدء، لعلَّهُ من المفيد أن نلقي نظرة سريعة على المشهد السوداني، مسرح الحدث، الآن؛ حيث لا زالت البلاد، للأسف، ساحةُ حربٍ، في كل إرجائها، وأن بدا الأمر غير ذلك في بعض المناطق في الوسط. لا زالت الساحة السياسية تَعُجُّ بالعديد من “أدبيات الحرب” من كل الأطراف: (اليمين العريض ورهطه) الذين اصطفّوا وراء أطروحات الجيش السوداني وحكومة الأمر الواقع في بورتسودان؛ مجموعة (قوى الحرية والتغيير الأصل) بكل تفرعاتها، من (تقدّم) و(صمود) والتي تنادي بوقف الحرب والعودة إلى المفاوضات؛ (التأسيسون) الذين بدأوا طرحًا جديدًا لإعادة تأسيس المسرح السياسي السوداني بأكمله منتهجين نهجًا جَذريّا؛ (الإنفصاليون) وزعمهم بحقهم المطلق في النهر والبحر؛ و(آخرون) لهم رؤياهم المسبّبة وغير ذلك. إذا استثنينا أي مؤثراتٍ خارجية، وأفترضنا حُسن النيّة لدى الجميع، هذه العوامل فقظ تجعل من النزاع السياسي السوداني مُشكِلًا من أعقد مشكلات العصر. كل هذا والموت يحصد المئات من الأبرياء في الربوع، كل يوم؛ مضافًا إلى من شردتهم الحربُ داخليًا وخارجيًا وما يتعرَّضون له من مهانة وإذلال للكرامة في مهاجرهم القسريّة. حربٌ دفع ويدفع كلفتها الباهظة، رجل الشارع من أمنه وماله ومستقبل أبنائه. كل هذا وليس هناك حلٌّ يرتجى في الأفق القريب. فالبيت الداخلي لنا – كسودانيين – ليس على ما يرام؛ حقيقةٌ لا ينكرها إلا مُكابرٌ أو مِغلاط.

العوامل الخارجية
وليت ما ذكرنا أعلاه، بكل تعقيداته، هو كل همّنا. فالأطماع الخارجيّة في السودان لا تقل خطورة عن خلافاتنا الداخلية، بل ربما تعدتها؛ وقد لعبت دورًا مؤثِّرا في هذه الحرب. هناك شغفٌ عالمي،حد الهلع، بالبحر الأحمر وموقعه الإستراتيجي وموانيه وكنوزه الدفينة في القاع؛ جعل قوى عالمية كبرى تضع السودان وحربه في رادارت أمنها القومي (الولايات المتحدة والإتحاد الأوربي وروسيا والصين). تزايد هذا الاهتمام مؤخرًا عندما بدأ التهديد لأمن البحر الأحمر يأخذ بُعدًا عسكريًا ذو طابع سياسي. ثمًّ ظهرت تركيا وإيران في مسرح الأحداث،تغازلان حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، يإيعاز من الأخيرة، وتقدمان لها الدعم. وبالمقابل برزت الإمارات العربية المتحدة كداعم لقوات الدعم السريع. أما دول الجوار والمنطقة العربية فقد بدأت تتحسس مواقعها، وتتموضع بما يناسب مصالح شعوبها وأمنها القومي؛ منها قطر والمملكة العربية السعودية وإرتيريا وإثيوبيا والسودان الجنوبي وتشاد وليبيا، وربما أفريقيا الوسطى وكينيا أيضًا. فلبعض هؤلاء مصالح وأطماع استراتيجية واضحة، يعمل بعضهم نهارًا جهارًا، في دعم من يرون فيه محقِّقًا لها بين أطراف الصراع السوداني. وللبعض الآخر مخاوف على أمنهم القومي وتهديد السيولة الأمنية التي صنعتها الحرب لحكوماتهم واستقراراها. كل هذا كُومٌ والدور المصري في حرب السودان كومٌ آخر تمامًا. ولذلك خصّص المؤلِّف مادة الكتاب، بأكملها، للدور المصري دون سواه.

الخلفيّة التاريخية للعلاقة مع مصر
العلاقة بين البلدين، في العصر الحديث، بدأت قبل حوالي مائتي عام، بدخول الحملة العثمانية التُركِيَّة الخديوية الغازية للأراضي السودانية في سنة 1821م، بحثًا عن الذهب والرقيق؛ وكان ذلك الغزو بتفويض من الخليفة العثماني في الإستانة لواليه في مصر، محمّد علي باشا. تمكن الغازي الخديوي من السيطرة على الأراضي والموارد السودانية وأذاق السودانيين صُنوفًا من الضَّيمِ والمهانة. وقد تمّ تفويج مئات الآلاف من الرقيق الى مصر وفرض الضرائب الباهظة على النّاس، لما يفوق الستين عامًا متواصلة، حتى عام 1885م، حينما اقتلعت الثورة المهدية حُكمَه وطردته خارج البلاد. تمكن النظام المصري الملكي من العمل مع البريطانيين،الذين كانوا حُكامًا لمصر في ذلك الوقت، وساعدهم على إعادة احتلال السودان في عام 1898م بهزيمة جيوش المهدية في معركة كرري الشهيرة. وفي يناير 1899م تمَّ توقيع ما عرف ب اتفاقية (الحكم الثنائي) بين بريطانيا ومصر والتي نصبت حاكمًا عامًّا بريطانيّا على السودان، وجعلت له معاونًا مصريًّا؛ على أن تتحمل الحكومة المصريّة كافة النفقات في السودان. في واقع الأمر على الرغم من التسميّة الدالة على ثنائية الحكم إلا أن بريطانيا كانت هي الحاكم الفعلي، الأوحد، للسودان؛ لكون مصر نفسها واقعة تحت الاحتلال البريطاني (1882م – 1956م) وتأتمر بأوامر بريطانيا.

استمر الحال بعد ذلك حتى عام 1924م؛ حيث تَمَّ في القاهرة اغتيال سير لي استاك (ٍSir Lee Stack)، سردار الجيش المصري والحاكم العام البريطاني للسودان (1917م- 2024م)، في نوفمبر من ذلك العام. طرد البريطانيون الجيش المصري والموظقين المصريين من السودان بعد هذه الحادثة وفرضوا غرامة مالية على مصر وشروطًا جزائية أخرى، منها زيادة الرقعة الزراعية في مشروع الجزيرة من 300 ألف فدان إلى عدد غير محدود من الأفدنة؛ وانفردوا بحكم القطر السوداني العريض في الفترة 1924م-1956م.

نشأت الحركة الوطنية السودانية خلال هذه الفترة وتمَّ إنشاء مُؤتمر الخريجين، عام 1938م؛ وتبلورت، عير منابره، فكرة الأحزاب السياسية في الأربعينات، حيث تم تكوبن حزب الأمة والحزب الجمهورى، حوالي عام 1945م، والحزب الشيوعي 1946م وبقية الأحزاب الطائفية الموالية لمصر: وحدة وادي النيل (الأشقّاء (لاحقًا الوطني الإتحادي بقيادة الأزهري وحزب الشعب الديمقراطي الموالي لطائفة الختميّة). وفي هذه الفترة بدأت مفاوضات جلاء البريطانيين من مصر والسودان، حيث تمَّ التوقيع على ما عرف ب “معاهدة التحالف في لندن” في عام 1936م. ويبدو أنّ نشوب الحرب العالمية الثانية (1939م – 1945م) قد أثَّر على الأمور بطبيعة الحال. وبدأت المفاوضات في القاهرة مرةً أخرى، في عام 1946م، والتي تحولت في ظروف سياسية معقدة إلى انجلترا. وهنا جاءت عبارة إسماعيل صدقي باشا، رئيس وزراء مصر 1946م، والذي كان يفاوض البريطانيين على مصير السودان وكيف أنه قال – كاذبًا – بأنه ضَمِن موافقة الإنجليز فيما يخُص سيادة مصر على السودان. وهذه العبارة تُجسّد، فيما يبدو، فكرة الهيمنة المصرية والاستتباع السيادي القسري للسودان التي شغلت المؤسسة السياسية المصرية، حد الهوس، وهي تخطو نحو جلاء الجيش البريطاني من مصر والسودان معًا في ذلك الوقت. بل كان الشعور السائد لديهم وقتها أن السودان ”مُلكٌ مصريُّ خالص”! استمر دور الحكومة المصرية في محاولة التأثير على المشهد السياسي السوداني بشتى الطرق، بعد ذلك، لجعل خيار الوحدة مع مصر جاذبًا إبان مفاوضات الاستقلال (1952م – 1955م). فشلوا في ذلك، تمامًا، كما هو معلوم على الرغم من جهود الصاغ (الرائد) صلاح سالم، عضو مجلس قيادة الثورة المصريّة، المضنية والأموال التي تمّ ضخها للإتحاديين للتأثير على الإنتخابات؛ إلا أن السودانيين، بكامل إرادتهم، صوتوا من داخل البرلمان – في 19 ديسمبر 1955م – للاستقلال، دون تبعية لأحد، وتلى ذلك موافقة كُلٌّ من مصر وبريطانيا على قرار الاستقلال – في الأوّل من يناير 1956م – وإنزال العلمين البريطاني والمصري ورفع علم السودان المستقل في القصر الجمهوري بألوانه الثلاثة الأخضر والأزرق والأصفر.

تغير، على ضوء هذا الفشل، تاكتيك الهيمنة المصريّة ليتحوّل إلى الاستتباع الثقافي عبر وسائل الاستشراق المختلفة، وعبر المناهج الدراسية والميديا، وعبر العمل الإستخباراتي المتمثل في تعويق التحول الديمقراطي في السودان ودعم الإنقلابات العسكرية. واستمرت القبضة المصرية على الشأن السياسي السوداني، شديدة الإحكام عبر المخابرات المصرية وأذرعها في الداخل، الى أن وصلت ذروتها إبان الحرب الحالية حيث قامت مصر فعليًا بكُلِّ ما من شأنه تعويق مسيرة الثورة السودانيّة، بل شاركت في المعارك داخل السودان. يقدم الكتاب توثيقًا أكثر تفصيلًا لهذه الفترة وما تلاها من فترات ومسلك الحكومات المصرية المتعاقبة تجاه السودان؛ وتعتبر هذه الفترة بداية مرحلة تمحور الدور المصري في السودان ما بعد الاستقلال إلى يومنا هذا.

حقيقة الدور المصري في الحرب
يرى المؤلِّف أنّ حرب السودان أبعد من أن تكون حربًا بين الجيش السوداني والذي “حوله الأخوان المسلمون الى مليشيات” ضد قوات الدعم السريع؛ وأنَّ وصف هذه الحرب على هذا النحو هو “تشخيصٌ كاذبٌ” طغى على حقيقتها. فهي، فيما يرى المُؤلِّف، “حربٌ بين الشعب السوداني الذي يريد أن يُصَحِّح مسار استغلاله المسروق منذ 1956، وبين المؤسسة المصرية الحاكمة التي تريد استمرار إبقاء هيمنتها على السودان..” حتى يتم لها “الإلحاق التام للسودان بالقطر المصري”. أورد المؤلف شواهد موثقة لقوله، لا يمكن تجاهلها؛ ما يجعل مادة الكتاب -فيما نرى – قراءة هامة ولازمة في كل دوائر القرار السياسي والتباحث الثقافي في البلدين. فمصر ليست مجرد دولة مجاورة للسودان، ولن تكون؛ بل أضحت وطنًا ثانيًا للسودانيين على الرغم من التضييق عليهم واستغلال أزمة الحرب الحالية لإذلالهم وهضم حقوقهم، في تعدٍّي صارخ لمنطوق (حقوق الإنسان) التي تنصُّ عليها المواثيق الدوليًة. فقد امتد التداحل التاريخي بين البلدين لما يقارب المائتي عام، كما أوضحنا أعلاه. فكيف تعاملت الحكومات المصرية المتعاقبة عبر العصور مع جارتها الغنية في الفضاء الجنوبي؛ وهل كان هذا التعامل فعلًا تكامليًّا متكافئًا، يتم فيه تبادل المنافع بين الجارتين بعدالة واحترام للحدود والحقوق والكرامة الإنسانيّة أم هو هيمنةٌ واستتباع ثقافي، ونَهبِ موارد في وضح النهار على مر العصور. سؤالٌ جوهري يذهب المؤلف، في سًفره هذا، بعيدًا للإجابة عليه.

وسائل الاستتباع
يتناول المؤلف وسائل الهيمنة والاستتباع المختلفة التي درجت عليها الحكومات المصرية المتعاقبة، في تدخل سافر ومباشر في الشأن السوداني؛ يعينهم في ذلك نُخبٌ سودانية تمَّ تدجين بعضها ثقافيَا وشراء البعض الآخر بشتى الطرق. ومما ذكره المؤلف في هذ الصدد وفصّل فيه بتوسع في الكتاب:

  1. التعدي على الحدود السودانية المعروفة واحتلال أراضي سودانية مثل مثلث حلايب وشلاتين والتركيز على منطقة المثلث وما بعدها كبديل للموانئ السودانيّة؛
  2. الاستغلال الجائر لمياه النيل حيث تأخذ مصر منذ عشرات السنين أكثر من حصتها من المياه؛
  3. تهريب المنتجات السودانية التي يتم شراءها بالعملة المحلية، المزورة أحيانا!، ما جعل مصر مصدِّرًا عالميَّا للذهب السوداني وللمنتجات الزراعية السودانية؛
  4. شراء المنتجات الزراعيّة السودانية من الداخل بالعملة المحليّة مثل الصمغ والسمسم والكركدي والفحم النباتي والسنَمكّة واللحوم وغيرها ونقلها بالشاحنات المصرية التي يسمح لها بالدخول للسودان بينما تُمنع مثيلاتها السودانية من الدخول للأسواق المصريّة؛
  5. دعم التنظيمات السياسية المعادية للثورة السودانية وخلق الحواضن لها في مصر لخنق التحول الديمقراطي، مثل الدعم المصري غير المحدود لتنظيم الإخوان المسلمين في السودان بينما تعادي مثيله في مصر؛
  6. الدعم المطلق للإنقلابات العسكرية كوسيلة لإجهاض التحول الديمقراطي في السودان؛
  7. التدخل العسكري في الشأن السوداني في الحرب الحالية بالدعم اللوجستي والطائرات الحربية
  8. التصويت ضد السودان في المؤسسات الدوليّة مثل مجلس الأمن وغيرها حيث تُصوت مصر دومًا ضد مصالح الشعب السوداني ؛
  9. التآمر مع حكومة الأمر الواقع في بورتسودان على صفقة ما عرف ب إعمار السودان لتضع مصر يدها على موارد السودان وبطرق ملتوية علمًا بأنها حكومة غير شرعية وأن مثل هذه الأعمال الكبرى لابد لها من منافسات عالمية شفافة للحصول على أفضل العروض من ناحيتي الجودة والأسعار ؛
  10. والتَّكسُب من وراء تشرد السوداننين بصور رخيصة ومهينة والتضييق عليهم بغرض الترحيل القسري، في تعديٍ صريح على حقوقهم الأساسية كلاجئين بنص مواثيق حقوق الإنسان العالميّة.

رسالتان هامتان
احتوى الكتاب على عُدّة رسائل هامة للقارئ الجاد ودوائر القرار والنقاش (الثقافوسياسي) في البلدين، فيما نرى سنذكر منها رسالتين.

الرسالة الأولى للسودانيين.
يقول المؤلّف (ص 194): ” باختصار شديد، لقد فشلنا نحن السودانيين عبر ما يقارب السبعين عامًا من الاستقلال في إدارة بلدنا. فنحن المسئولون عن هذا الفشل ولا ينبغي أن نلوم عليه أحدًا سوانا. لكن، لابد من القول أن للأنظمة المصريّة المتعاقبة دورًا في تسبيب هذا الفشل، بل، وبقسطٍ وافرٍ جدًّا”. ثمّ يضيف في ذات السياق بقوله: “__ وحين نشير إلى يد الأنظمة المصريّة في تكبيل السودان وتعطيله بغرض إلحاقه، إنما نريد إيقاظ الشعب السوداني ونُخبه الفكريّة والثقافيّة والسياسيّة، لنخرج جميعًا من حالة الغيبوبة الطويلة التي أنامتنا فيها الشعارات البرّاقة الخادعة المتعلقة ب (القوميّة العربيّة) و ب (الأمميّة الإسلاميّة) و(الأمميّة البروليتارية) وكذلك (الأُمّة الواحدة) ذات (الرسالة الخالدة). ” وضع الأقواس من عندي.

الرسالة الثانية للمصريين
يرى المؤلف (ص 238) أنّ مصر “تلعب لعبة خطرة”! في السودان، بتموضعها الحالي في ثلاثي يشمل حكومتها وحكومة الأمر الواقع -غير الشرعية – في السودان وتنظيم (الإخوان المسلمين). تتناسي مَصرُ في ذلك حقيقة طبيعة الإنسان السوداني الواعي والذي عجزت الحكومات العسكرية المتعاقبة، عبر قرابة الستين عامًا، في إطفاء أشواقه للحكم المدني الديمقراطي. وتتناسى، أيضًأ، كيف أن طبيعة ومزاج الإنسان السوداني مغايرة تمامًا لبقية الشعوب العربية. نقرأ في هذا الصدد قول المؤلّف (ص 216) منقولًا بتصرف: “أيها السودانيون قاوموا نهج الأنظمة المصريّة المتعاقبة للاستحواذ الفوقي على السودان، متضافرين مع (أحرار مصر) الذين يحلمون نفس أحلامكم ويتطلعون إلى علاقات معافاة معكم حتى يتحقق لمصر ما تريده من السودان، بالطرق الصحيحة؛ وحتى يتحقق للسودان ما يريده من مصر وبالطرق الصحيحة أيضًا. فالنجاحات السياسية والإقتصادية الكبيرة والنهضة الباهرة والتكامل الإقتصادي بين الأقطار، وبناء الكُتل الكبيرة الإقليمية القويّة الوازنة أمورٌ لا تتحقق بالفهلوة وبنزعات الاستحواذ وأساليب العصابات وإحياء المقبور من نزعات التمدد الإمبراطوريّة الغابرة؛ وإنما يتحقق كل ذلك بالشفافية وسلامة المقصد”.

الخاتمة
يرجو المؤلف، ونرجو أيضًا أن يخلق صدور هذا الكتاب الهام جوًّا للنقاش الصريح المنتج فيما يخص العلاقة بين البلدين الجارين الذين يربطهما أكثر من رابط. يقرع المؤلف ناقوس الخطر بقوله (ص 245) “فنحن الآن لسنا أمام تحدي تحقيق التحوّل الديمقراطي الذي ظللنا نتطلّع إليه عبر ما يزيد عن نصف القرن، وإنما أمام أن نفقد المسرح نفسه الذي يجري من فوقه اصطراع القوى الديمقراطيّة..” ويختتم بقوله (ص 246) : إنه يقدّم هذا الكتاب نذيرًا عاريًا للتنبيه إلى ” خطر الخُطّة المصريَّة للإطباق على السودان التي تدخل الآن آخر مراحلها”.

  • النهاية –

(*) مهندس(CEng FICE FCIArb) كاتب مستقل في الشأن السوداني
ballah.el.bakry@gmail.com

عن بلّة البكري

شاهد أيضاً

الذكرى 67 للاستقلال – الثورة وفروض التغيير (10) .. بقلم: بَلّة البَكري (*)

السّلام والدّولة العصريّة “أحْلَمُ بأفريقيا تَعيشُ في سلامٍ مع نَفْسِها !” نِلسون مانديلا 31 مارس …