د. عمرو محمد عباس محجوب
ليست حرب السودان صدامًا بين قوتين متماثلتين، ولا نزاعًا تقنيًا على السلطة. إنها حرب بين منطق الدولة—بكل ما فيه من تشققات—ومنطق المليشيا بوصفه نقيضًا بنيويًا لفكرة المجتمع السياسي. لذلك لا تكفي قراءة المعارك، بل يجب تفكيك موازين متعددة: القوة، الحرب، الزمن، تحمّل الألم، الخسائر، والأخلاق. وفي قلب هذا التفكيك يظهر خطابٌ يدّعي البراءة: الحياد، لكنه في الواقع أداة فاعلة في ترجيح كفّة الفوضى.
أولًا: ميزان توازن القوى – حين يُختزل الصراع إلى سلاح: الخلل الأول في القراءة السائدة هو مساواة القوة بالنار. المليشيا تمتلك سرعة الحركة والتمويل العابر للحدود، لكنها تفتقر إلى ما يجعل القوة قابلة للاستدامة: المؤسسية، الشرعية، والقدرة على إعادة الإنتاج الاجتماعي.القوة الحقيقية ليست ما يُرى في لحظة الصدمة، بل ما يصمد بعد انقضاء الذهول. ومن هذه الزاوية، فإن توازن القوى يميل—على المدى البنيوي—ضد المليشيا، لأنها عاجزة عن التحول إلى دولة دون أن تنقض ذاتها.
ثانيًا: ميزان الحرب – من يسيطر لا من يقتحم: ميزان الحرب لا يُقاس بالسيطرة المؤقتة على أحياء أو طرق، بل بالقدرة على تحويل السيطرة إلى نظام. المليشيا تُجيد الاقتحام والترويع، لكنها تفشل حيث تبدأ الدولة: الإدارة، القانون، والخدمات. كلما طال أمد الحرب، انكشف هذا العجز. وهنا تتبدّى مفارقة حاسمة: الفوضى قد تنتصر في المعركة، لكنها تخسر الحرب لأنها لا تنتج حياة.
ثالثًا: ميزان مدة الحرب – الزمن كعدو بنيوي للمليشيا: الحرب الطويلة تُفكك المليشيات من الداخل. التمويل يتآكل، الولاءات تتشقق، والسلاح يتحول من أداة هيمنة إلى عبء. في المقابل، تمتلك المجتمعات—حتى المنهكة—قدرة تاريخية على التكيّف وإعادة التنظيم. الزمن ليس محايدًا؛ إنه ينحاز للبُنى لا للصدمة. ولذلك، فإن إطالة الحرب—رغم كلفتها المروعة—تُعرّي المليشيا وتعيد تعريف الصراع خارج منطق “الضربة القاضية”.
رابعًا: ميزان تحمّل الألم – من يوزّع الألم ومن يحتمله: توزيع الألم ليس دليل قوة، بل أحيانًا دليل هشاشة. المجتمع السوداني، بخبرته التاريخية مع القهر، طوّر أخلاقيات الصبر والبقاء. أما المليشيا، فتعتمد على إيلام الآخرين لأنها لا تحتمل ألمها الداخلي: الانقسام، فقدان المعنى، وانعدام المستقبل. من لا يحتمل ألمه، لا يستطيع بناء نصره.
خامسًا: ميزان الخسائر – الحاضر مقابل المستقبل: خسائر المجتمع فادحة في الأرواح والاقتصاد، لكنها خسائر يمكن تحويلها إلى ذاكرة ومعنى وإعادة بناء. أما خسائر المليشيا فهي وجودية: سمعة لا تُرمّم، سياسة لا تُشرعن، ومستقبل مسدود. هنا يتضح الفرق بين من يخسر حاضره ومن يخسر مستقبله.
سادسًا: ميزان الأخلاق – الساحة التي يُحسم فيها التاريخ: الأخلاق ليست ترفًا في الحرب؛ إنها شرط النصر المؤجل. الحرب التي تُخسر أخلاقيًا تُربح تكتيكيًا وتُهزم استراتيجيًا. تبرير الجريمة باسم السياسة، أو تسويق الترويع بوصفه “واقعًا معقدًا”، يخلق نصرًا بلا شرعية—أي هزيمة مؤجلة.
سابعًا: الحياد الكاذب – حين تتحول الأخلاق إلى تقنية: هنا نصل إلى العقدة: الحياد. ليس كل حياد فضيلة. في الحروب غير المتكافئة أخلاقيًا، يتحول الحياد إلى انحياز صامت. خطاب “الطرفين” و“العنف من الجانبين” يُسوّي بين الدولة—مهما اختلت—ومليشيا تقوم على نفيها. هذا الحياد:
يُفرغ الجريمة من اسمها ويُحوّل الضحية إلى “طرف” ويُعيد تعريف السياسة كمسألة إدارة عنف لا مساءلته
ثامنًا: منصّات الخارج – ساحة حرب سردية: منصّات الخارج ليست مجرد فضاء إعلامي؛ إنها أداة تأثير. كثير منها يعمل ضمن منطق: التمويل المشروط، الأخلاقيات الليبرالية المجرّدة وتقديس “الاستقرار” ولو على حساب المجتمع
هنا يُعاد تدوير الحياد الكاذب في لغة حقوقية ناعمة، تُدين الجميع بالتساوي، وتُنقذ المليشيا من الإدانة النوعية. هذه المنصّات لا تنقل الواقع؛ تُعيد ترتيبه بما يخدم تصورات المموّل والسوق الرمزية العالمية.
خاتمة: الحرب التي لا تُفهم أخلاقيًا لا تُحسم سياسيًا: حرب السودان تُخاض بالسلاح، لكنها تُحسم بالمعنى. وكل قراءة تتجاهل موازين الأخلاق والزمن وتحمل الألم، أو تختبئ خلف حيادٍ تقني، إنما تُطيل عمر الفوضى. الحياد هنا ليس موقفًا… بل مشاركة غير مباشرة. ومنصّات الخارج، حين تخلط بين التفسير والتبرير، تصبح جزءًا من الحرب حتى لو رفعت شعارات السلام.
في الحروب الكبرى، لا يُسأل الناس: أين كنت؟ بل: ماذا سمّيت ما كان يحدث؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم