التعليم (19)
المعرفة (3/4)
د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهدي
نظرية المعرفة والأسئلة المهمة
“شيء جيد واحد في الدنيا هو المعرفة، وشيء رديء واحد في الدنيا هو الجهل.” – سقراط
” ما نحتاجه ليس إرادة الإيمان بل الرغبة في المعرفة.” – ويليام ووردزوورث (شاعر إنجليزي)
“لا أعرف شيئاً ولا أملك شيئاً أجمل وأغلى من الرغبة في المعرفة.” – أدونيس
تعتبر نظرية المعرفة أحد فروع الفلسفة التي تبحث في طبيعة المعرفة، وفي العملية التي يتم من خلالها اكتساب المعرفة وتقييمها. إنها تركز على جودة (المعرفة) وأشكالها وأنواعها، وكيف يمكن الوصول إليها، وكيف يتم نقلها وتوصيلها إلى البشر الآخرين. ويقوم البحث المعرفي بمد يد العون للباحث الدارس، وتوجيهه الي مناقشة إمكانية التأكد والتحقق من:
الموضوعية،
الذاتية،
السببية،
الصلاحية،
قابلية التعميم.
ويؤدي الارتباط بنظام الاعتقاد الأنطولوجي (صراحةً أو ضمنياً) إلى افتراضات معرفية معينة ومحددة. وبالتالي، إذا تم افتراض حقيقة مطلقة، “فيجب أن يكون وضع أو موقف العارف/العالم هو الانفصال الموضوعي أو التحرر حتى يتمكن من استكشاف” كيف تكون الأشياء في الوجود “و” كيف تعمل الموجودات في الوجود” (جوبا ولينكولن، 1994، ص .108).
وعلى النقيض من ذلك، فإن الإيمان بالعديد من الحقائق المبنية اجتماعياً تحرض الباحثين على رفض فكرة أن الناس يجب أن يُكشفوا أنفسهم أو يُعرضوا هم للدراسة مثلهم مثل أشياء أو كيانات من العلوم الطبيعية؛ وكمان يتفاعلون مع الموضوعات، ويحاولون فهم الظواهر في سياقاتها.
ويهدف استخدام نظرية المعرفة في البحث إلى وصف وتفسير كيف نعرف شيئاً ما؛ وكيف يمكننا الوصول إلى الحقيقة؛ أو كما قال كوكسي وماكدونالد (2011)، ما يعتبر بمثابة معرفة داخل العالم. إنه يلقي الضوء على أسس المعرفة ذاتها – طبيعتها وشكلها، وكيف يمكن الوصول إليها، وكيف يمكن أن تنتقل إلى الجنس البشري أو الناس الآخرين.
وأيضاً يلقي الضوء ويسلط شعاعه على جودة المعرفة البشرية والفهم الانساني، اللذين يستطيع الباحث الحصول عليهما لكي يتمكن من تطوير وتوسيع وتعميق الفهم في مجال البحث والدراسة. ويُعرِّف Schwandt (1997) نظرية المعرفة بأنها دراسة طبيعة المعرفة، وتبرير وبرهنة هذه المعرفة. لذلك، عند التركيز على نظرية المعرفة الخاصة ببحث الباحث، يقوم الباحث بطرح الأسئلة التالية:
o هل المعرفة شيء يمكن الوصول إليه، والحصول عليها، أو
o هل هي شيء يجب أن يبدو وكأنه تجربة فردية؟
o ما هي طبيعة المعرفة، وما العلاقة بين العليم/العارف والمعرفة المحتملة؟
o ما هي الصلة بين المستفسر/السائل وما هو معروف؟
تعتبر الأسئلة أعلاها مهمة للغاية لأنها تساعد الباحث الدارس في وضع نفسه في سياق البحث والدراسة، حتى يتمكن من فهم ما هو جديد، بناءً على ما هو معروف سلفاً. وأيضاً، لفهم المكون المعرفي لنموذج الناس، يجب أن نسأل السؤال الأساسي “كيف نعرف ما نعرفه؟”
والسؤال أعلاه هو الأساس الذي يمكن أن تكون “الحقيقة” على أساسه جاهزة ومستعدة للدراسة وللبحث وللتقصي. في حين أنه قد يكون قابلاً للجدل حول ما إذا كان هناك شيء مثل “الحقيقة”. إذا أخذنا الدليل الواقعي على أنه حقيقة، فإن نظرية المعرفة تساعدك على طرح الأسئلة الصحيحة، مثل،
o كيف نعرف الحقيقة؟
o وما الذي يعتبر معرفة؟
هذه أسئلة مهمة بشكل فردي، حيث أن أحد المعايير التي يتم من خلالها البحث في الدرجة العليا هو مساهمتها في المعرفة. وفي محاولة لصياغة إجابات للأسئلة المذكورة، يمكن للباحثين الحصول عليها من أربعة مصادر للمعرفة. وهذه المصادر هي؛
• معرفة بديهية،
• معرفة موثوقة،
• معرفة سليمة،
• معرفة تجريبية
لنفترض أن شخصاً ما يعتمد على أشكال المعرفة، على سبيل المثال، المعتقدات، والإيمان، والحدس، وبالتالي فإن الأساس المعرفي لأبحاثه هو المعرفة البديهية. أما إذا كان يعتمد على البيانات التي تم الحصول عليها من الأشخاص ذوي المعرفة والكتب والقادة في المنظمات، فإن نظريته المعرفية مبنية على المعرفة الموثوقة أو الموثقة.
ولكن إذا أكد على العقل، باعتباره المسار المضمون لاكتشاف الحقيقة، فإن هذه الطريقة تُعرف باسم نظرية المعرفة العقلانية أو الفهم المنطقي. ومن ناحية أخرى، إذا شدد على أن المعرفة قد نشأت بشكل أفضل من خلال التجارب الحسية، والحقائق الصحيحة والموضوعية، فإن طريقته تميل في اتجاه نظرية المعرفة التجريبية.
وتعتبر نظرية المعرفة ضرورية لأنها تساعده في إقامة اليقين الذي يضعه في بياناته. إنه يؤثر على كيفية قيامه بالكشف عن المعرفة في الإطار الاجتماعي الذي سيدرسه.
الظمأ الي المعرفة
بدون رتوش -ننزوي جانبا، جالسين القرفصاء- فاسحين المقام لمقال الأسطورة سيزيف -ليسفر عن بعض وجهه المحجوب عن المعرفة- صادحاً… ((وهنا أشجار، وأنا أعرف سطوحها المتشابكة، وعطور العشب، والنجوم في الليل، في أمسيات معينة حين يستريح القلب – كيف أستطيع أن أنفي هذا العالم الذي أشعر بطاقته وقوته؟ ومع هذا فان كل المعرفة المتوفرة في الأرض لن تعطيني شيئاً يؤكد لي ان هذا العالم هو ملكي أنا. انت تصفه لي، وتعلمني كيف أصنفه. وأنت تحمي قوانينه، وأنا في الظمأ الي المعرفة، أقر بأنها حقيقة. وأنت تتناول كيفية سيره على حدة، فيزداد أملي. وفي المرحلة الأخيرة تعلمني ان هذا الكون المملوء بمختلف الألوان يمكن أن يُقلص الي ذرة، وان الذرة نفسها يمكن أن تُقلص الي الكترون، وكل هذا حسن وأنا في انتظار أن تستمر. ولكنك تخبرني عن نظام كوني غير مرئي تنجذب فيه الالكترونيات الي نواة. وأنت تفسر لي هذا العالم بالصورة، وأدرك حينئذ إنك تقلصت الي حد الشعر: وانني لن أعرف. وهل يتاح لي الوقت لكي أستاء؟ لقد غيرت أنت النظريات، بحيث أن العلم الذي كان سيعلمني كل شيء انتهي الي فرضية، وبحيث ان الوضوح صار يتعثر في التشبيه، وبحيث ان عدم اليقين تتم الإجابة عنه في عمل فني. فما حاجتي الي كل الجهود؟ ان الخطوط الناعمة لهذه التلال ويد المساء على هذا القلب القلق يعلماني أكثر. لقد عدت الي بدايتي. انني أدرك انني إذا كنت سأقبض على الظواهر وأحصيها بواسطة العلم، فإنني لا أستطيع، مع كل ذلك، ان أفهم العالم. ولو كنت سألمس كيانه كله بأصبعي فإنني لن أعرف أكثر.))
الرغبة في المعرفة
قال سقراط… “كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئا”. وهناك أيضاً نسمع دندنة أسطورية لبيركامو: “أنا اذن أعرف، ولكنني لا أعرف”. وهذا التناقض يعكس بجلاء عدم التناقض فيه، وبالأحرى هو عين المنطق فيه. فعندما يجتمعان الاثنان -الاثبات والنفي- فالغلبة دائما وأبداً تكون مع النفي ضد الاثبات. والمنطق.. ما هو؟ المنطق يشتغل كخلية نحل في غزل الانسجام بين الأشياء، والتجانس بين المفاهيم، وينفي التناقض الي خارج ساحته بعيداً.
أما التناقض فهو النقيض الذي ينتف غزل المنطق نتفاً بلا هوادة. اذن المنطق هو القانون الأساسي للفكر، هو قانون عدم التناقض، أي هو القانون الأساسي للإنسان. وهنا نسمع دندنته…. ((عمن، وعماذا يا ترى، أستطيع أن أقول حقاً: – أعرفه! – انني أستطيع أن اشعر بهذا القلب بيني، وأستطيع أن أحكم بأنه موجود. أستطيع أن ألمس هذا العالم وأحكم كذلك بأنه موجود. وهنا تنتهي كل المعرفة، وما يتبقى هو تركيب. لأنني إذا حاولت ان أقبض على هذه النفس التي اشعر بأنني متأكد منها، وإذا حاولت أن أعرفها وألخصها، فإنها ليست الا الماء الذي ينساب من بين أصابعي. أستطيع أن ألخص كل المظاهر التي تستطيع ان تأخذها واحداً واحداً، وكل المظاهر التي تعزي اليها، هذه النشأة وذلك الأصل، تلك الحماسة وذلك الصمت، ذلك النبل وتلك الحقارة، ولكننا لا نستطيع أن نجمع المظاهر. وذلك القلب الذي هو قلبي، سيظل أبداً غير معروف بالنسبة لي. وبين اليقين الذي أراه في وجودي والمحتوى الذي أريد أن أعطيه لليقين، ثغرة لن تُملأ قط. وسأظل أبداً غريباً عن نفسي. وهناك في علم النفس، كما في المنطق، حقائق، ولكن ليس هناك حقيقة.))
ربّما يكون جدل الفكر المتخبط بين الحقيقة واللا-حقيقة، المتأرجح بين الحق والباطل، والمتذبذب بين وسوسة الشيطان وبين توجيهات الرحمن، وبين الحقيقة ألموضوعيّة والصورة ألذهنيّة، قضية من أهم القضايا، وموضوع من أعظم ألموضوعات التي شغلت ألباب الناس قروناً وقروناً سحيقة، دون أن ينبسوا ببنت شفة عنها، خوفاً من عواقب هذا الإفصاح، وخشيةً من أمره الجلل. الي ان آتى رائد التنوير الدكتور العلامة محمد شحرور، وأفصح عنها بالشجاعة المطلوبة، من أجل الوصول الي نقطة محددة تفك هذه العقدة، وتفسر تلك الطلاسم، وتحمل عن كاهل الناس الثقيل من الأوزان، وكان بيانه كالآتي (هل ممكن الوصول إلى نظرية في ألمعرفة الإنسانية؟).
لقد وضع لنا دكتورنا الجميل من خلال بحوثه، ومن خلال قراءاته المعاصرة في التّنْزيل الحكيم أعمدة فولاذية لنظرية معرفيّة انسانية-ربما أو بدون شك- تكون بمثابة زائر جديد غريب يطرق أبواب كثير من الأذهان، وليس بقليل من الألباب، لأول مرة في تاريخها.
ويبدأ دكتورنا من حيث انتهي من قبل.. كيف يمكن للعقل ألبشري أن يدرك قوانين هذا الكون المتداخل المتناقض ألمليء بالأزواج والثنائيات والتناقضات؟ قلنا من قبل بان الله جل جلاله حق، وقلنا بإن هذا الكون، وهذا الوجود حقيقي -حق (له وجود موضوعي) وليس باطل (وهم)-، وهذا الوجود هو كلماته هو سبحانه وتعالى.
وحتى نعرف ونفهم هذا الوجود، نسأل.. هل رفدنا الله سبحانه وتعالى، وهل زودنا قرآنه الكريم بوسيلة أو بآلية نستطيع بها، ومن خلالها فهم ومعرفة هذا الوجود، ومن ثم نستطيع أن نسخره لمصلحتنا.
قال الله تعالى ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.. قال تعالى هنا “ولَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ”، وهنا يظهر لنا الفرق العظيم بين (بما شاء) و (ما شاء)، وعلينا لكي نفهم الفرق أن ندقق النظر، ونعيده مره ومرتين في حرف الباء، في “بما شاء”، وتسمى هذه الباء بباء الاستعانة، مثالاً (سافرت بالطائرة، ضربت بيدي ..الخ)، وهذا يعني بأننا نحيط بشيء من علمه بالآلية التي هو شاءها (بالآلية التي هو أعطاها لنا). بالوسيلة التي هو شاءها، ومن خلالها وبواسطتها نتمكن من أن نحيط بمعارف الكون. وهذه الوسيلة تتيح لنا أن نتعلم وأن نعرف. وهو أعطانا الوسيلة لنعرف ونتعلم بها، ولكنه لم يعطينا المعرفة، بدون وسيلة أو واسطة، مباشرة.
اذن دعونا نأخذ مفتاح المعرفة، مفتاح الوحي لهما، الي النبي محمد “صل الله عليه وسلم” والي نبي الله موسي “عليه السلام”. لقد بدأ الوحي بقوله تعالى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5))، هكذا كانت بداية الوحي للرسول الأعظم محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. ولكن كانت بداية الوحي الي سيدنا موسي قوله تعالى: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى. إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي).
هنا يبين لنا الفرق جلياً واضحاً في البدايات، في بداية الوحي لسيدنا محمد، وبدايته لسيدنا موسي. الناس كلهم أو معظمهم فسروا وفهموا “اقرأ” بمعني (فك الخط)، ولكن المعني الصحيح “لاقرأ” هو “القراءة”، هنا هو العملية التعليمية. يقال بأن الأستاذ يقرأ العلم، وما فهمه التلاميذ أو الطلاب منه هو ما تعلموه. ومهمة الانسان الأساسية هي القراءة، هي التعلم.
وقوله تعالي (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) يعني بالخلق هنا، “التصميم”، وقوله -عز من قائل- (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) فالتسوية تعني، تنفيذ التصميم. أو قوله سبحانه وتعالي للملائكة.. (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ).
عَلَقٍ (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) هي اسم “جمع الجمع”، والمفرد منها علقة، والجمع علاقات، وجمع الجمع طبعاً هي “علق” كما قلنا قبل ثوان. فالوجود كله ما هو الا مجموعة من العلاقات المتداخلة المتشابكة بعضها ببعض – (علاقات فيزيائية، علاقات كيميائية، علاقات بيولوجية، وعلاقات بيئية).
من كل هذه التداخلات، وكل تلك التشابكات في الطبيعة، خُلق الانسان. والسؤال الذي يطرح نفسه هو.. كيف يفهم الانسان هذه العلاقات؟ – وكان الجواب دائماً حاضراً بقوة (بالقلم – بقلمها/بميزها). والتقليم (التمييز) هو فصل الأشياء بعضها من بعض، وذلك للتعرف عليها ب (عَلَّمَ بِالْقَلَمِ).
أما بعد، فالقلم هو الآلية الوحيدة للمعرفة التي منحنا لها الله لنعرف بها الوجود كله (… وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ…). والقلم (التقليم والتمييز) هو وسيلة المعرفة التي شاءها الله لنا.
…….. نواصل
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم