لا يمكن بناء دولة تأسيس دون إصلاح جذري للعلاقة بين الجيش والسياسة.
ولن يكون هناك سلام دائم إذا بقيت المؤسسة العسكرية لاعبًا سياسيًا واقتصاديًا وأيديولوجيًا.
السؤال ليس: هل نُصلح الجيش؟ بل: كيف نُعيد بناء مؤسسة وطنية محترفة دون أن ندخل الدولة في فراغ أمني؟
هذه هي المعادلة الصعبة. وهذه هي معركة التأسيس الحقيقية.
أولاً: تشخيص المرض قبل وصف الدواء
عبر عقود، حدثت ثلاثة تحولات خطيرة: تسييس المؤسسة العسكرية، تمددها في النشاط الاقتصادي، وتشكل ازدواجية عسكرية خارج التسلسل القيادي المهني.
دخلت العقيدة الأيديولوجية إلى المؤسسة، فأصبح الولاء أحيانًا للفكرة قبل الدستور، وللنظام قبل الوطن.
هذا توصيف لخلل بنيوي أنتج الانقلابات والحرب.
ثانيًا: التفكيك ليس حلًا… والانكار كارثة
تفكيك المؤسسة يؤدي إلى فراغ أمني وفوضى. والإبقاء على الوضع الحالي يعني إعادة إنتاج الانقلاب القادم.
الحل ليس الهدم، بل إعادة البناء على أسس دستورية واضحة.
ثالثًا: العقيدة العسكرية الجديدة
الجيش في دولة التأسيس: يحمي الأرض، يحمي الدستور، يخضع لسلطة مدنية منتخبة، ويُحظر عليه العمل الحزبي.
لا مكان لعقيدة أيديولوجية داخل مؤسسة وطنية.
الجيش القوي ليس الذي يحكم، بل الذي يحمي.
رابعًا: دمج القوات — عملية مهنية لا انتقامية
التعامل مع التشكيلات المسلحة يجب أن يكون عبر برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR)، ودمج مهني وفق معايير الكفاءة لا الانتماء، وبجدول زمني واضح وتدريجي، وتحت إشراف مدني دستوري.
الهدف إنهاء ظاهرة الجيوش المتعددة داخل الدولة الواحدة. دولة واحدة لا تحتمل أكثر من مؤسسة عسكرية واحدة.
خامسًا: الاقتصاد العسكري — عقدة الاستقلال المالي
أي جيش يملك شركات مستقلة عن وزارة المالية يصبح لاعبًا سياسيًا بحكم الواقع.
الإصلاح يقتضي: إخضاع كل الشركات لوزارة المالية، شفافية الموازنة الدفاعية، ورقابة برلمانية على الإنفاق العسكري.
لا جيش بلا تمويل، لكن لا تمويل خارج الرقابة المدنية.
سادسًا: الضمانات الدستورية
نجاح الإصلاح يحتاج: نص دستوري واضح لخضوع الجيش للسلطة المدنية، لجنة برلمانية دائمة للأمن والدفاع، رقابة قضائية مستقلة، ودعم فني إفريقي ودولي دون وصاية سياسية.
الاحتراف لا يتعارض مع السيادة، بل يعززها.
سابعًا: منع عودة التسييس
أي حزب أو حركة ذات ذراع مسلح لا يمكن أن تكون جزءًا من النظام السياسي الجديد.
المؤسسة العسكرية لا تُؤدلج، ولا تُستخدم لحسم الصراع السياسي.
الدولة المدنية ليست خصمًا للجيش، بل هي الحاضنة الشرعية له.
ثامنًا: البعد الوطني والنفسي
الإصلاح الأمني عملية ثقة متبادلة: طمأنة الضباط والجنود أن الإصلاح لا يستهدفهم كأفراد، وأن الاحتراف سيحمي مكانتهم، وأن الجيش سيبقى عماد السيادة الوطنية.
التحول يجب أن يكون وطنيًا لا انتقاميًا.
خاتمة حاسمة
السودان لا يحتاج جيشًا يحكمه، ولا يحتاج دولة تهاجم جيشها. يحتاج مؤسسة عسكرية محترفة داخل دولة مدنية دستورية.
إذا نجحنا في هذه المعادلة انتهت دورة الانقلابات. وإذا فشلنا فالحرب الحالية لن تكون الأخيرة.
الإصلاح الأمني حجر الزاوية في مشروع التأسيس.
اليوم نضع الرؤية. وغدًا ننتقل إلى العدالة الانتقالية… حيث يُبنى السلام بالقانون.
د. أحمد التيجاني سيد أحمد ١٢ فبراير ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا
عضو قيادي مؤسس في تحالف تأسيس
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم